|
| توقعات سلام إسرائيلي سوري (نقلا عن هاآرتس) |
يبدو أن الأنباء المفاجئة عن نية إسرائيل الدخول في مفاوضات سلام مع سوريا وإعادة الجولان مقابل تخلي الأخيرة عن تحالفها مع حزب الله وإيران، تشير إلى اقتراب طبول الحرب الأمريكية على إيران.
ويبدو أن المطلوب في هذه المرحلة ما هو إلا تفعيل خطط تفكيك التحالف السوري مع كل من إيران وحزب الله من ناحية والضغط على كل طرف على حدة من ناحية أخرى، وربما يكون اللقاء لمقرر بين رئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود أولمرت والرئيس الأمريكي بوش في 19 يونيو المقبل في واشنطن هو الضوء الأخضر لهذه العملية.
فليس من قبيل المصادفة أن تبادر تل أبيب في الذكرى الـ 40 لحرب يونيو 1967 واحتلال الجولان إلى التلويح بأغصان الزيتون لدمشق واستعدادها لإعادة الجولان مقابل سلام شامل، في ذات الوقت الذي تتواتر فيه تقارير استخبارية أمريكية عن اكتمال عناصر توجيه ضربة عسكرية للبرنامج النووي الإيراني.
وتتبادر في الوقت عينه أحاديث إسرائيلية تؤكد أن حربًا صيفية قادمة لا محالة مع حزب الله وربما مع سوريا، على الرغم من توارد معلومات تنقلها الصحف الإسرائيلية عن رسميين إسرائيليين تفيد بقيام وسطاء ألمان وأتراك بتمهيد ساحة التفاوض بين سوريا وإسرائيل، وكشف النقاب عن حدوث اتصالات إسرائيلية سرية غير مباشرة مع سوريا أكدها وزير النقل الإسرائيلي الحالي شاؤول موفاز، بهدف "سبر النوايا السلمية" السورية مع إسرائيل إثر التوتر الأخير على الحدود.
الحديث حول سلام إسرائيلي مع سوريا بالتوازي مع احتمالات تصعيد الضغوط على طهران بعد اتفاق مجموعة الثماني يوم 7 يونيو الجاري على تشديد العقوبات عليها، وما سبق من فرض المحكمة الدولية لمحاكمة قتلة الرئيس الحريري تحت الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، يؤكد أن هناك محاولات لإرباك سوريا كمقدمة لعزلها عن حزب الله وإيران.
هذه المحاولات تكشف عن تنسيق دقيق بين واشنطن وتل أبيب في هذه الملفات وليس كما توقع البعض سابقًا أن التحرك الإسرائيلي ينم عن خلاف مع واشنطن التي لا تبارك هذه المفاوضات مع سوريا، فأمريكا تضغط بعصا المحكمة وإسرائيل تضغط بجزرة السلام وإعادة الجولان مقابل فك هذا التحالف كما عبر أولمرت صراحة عن ذلك.
الأولوية إيران.. وسوريا للتمويه!
ومن غير المنطقي ولا الطبيعي أن يستبعد أولمرت في 31 مايو الماضي السلام مع سوريا (في بيان نشر عقب اجتماعه مع رئيس البرلمان الأوروبي هانس غيرت بوترينغ)، وبعدها بأربعة أيام فقط تؤكد الصحف الإسرائيلية أنه بعث برسائل سرية للرئيس الأسد عبر الوسطاء الألمان والأتراك يؤكد فيها استعداده لسلام يتخلى بموجبه عن الجولان بشرط تفكيك التحالف السوري مع إيران وحزب الله.
ولكن لو أدركنا أن هناك خططا أمريكية وإسرائيلية متسارعة تجري للتخلص من خطر البرنامج النووي الإيراني كـ"أولوية قصوى"، وأن محادثات إستراتيجية" محورها إيران -وإن كانت تسعي لتلافي خطر تحرك عسكري سوري محتمل- جرت في واشنطن قبل أيام بين وزير النقل الإسرائيلي ورئيس الأركان السابق شاؤول موفاز ووزيرة الخارجية الأمريكية كوندوليزا رايس، لأدركنا أن الحديث عن سلام مع سوريا ربما يكون خطة للتمويه أو على الأقل تبريد الساحة السورية مؤقتا.
ومن الصحيح أن هناك مخاوف إسرائيلية -وفق صحيفة يديعوت أحرونوت- من إقدام سوريا على تعزيز وجودها العسكري في هضبة الجولان وشراء صواريخ أرض جو إيرانية ومواصلة إمداد حزب الله بالأسلحة، لكن من الصحيح أيضا أن الخطر الإيراني وفق الأجندتين الأمريكية والإسرائيلية يتقدم خطوات ومسافات عن الخطر السوري.
وبالتالي فما يبديه رئيس الوزراء الإسرائيلي أولمرت من انفتاح متزايد لاستئناف الحوار مع سوريا، والإعلان عن الاستعداد للانسحاب من الجولان المحتل في مقابل فك تحالفات سوريا مع الآخرين، تؤكد أن نوايا إسرائيل الحقيقية ليست السلام، بل تحقيق كافة الشروط التي لم يستطع الأمريكيون والإسرائيليون منذ احتلال العراق أن يفرضوها على السوريين. هذه الشروط أعادها أولمرت في رسائله مرة أخرى، بعد أن كان رئيس الوزراء السابق شارون قدمها لواشنطن مطلع عام 2003، حيث طالب أولمرت الوسطاء أن يقولوا له بوضوح: هل سوريا مستعدة في مقابل الانسحاب من الجولان أن تحقق الالتزامات التالية: "التخلي تدريجيًّا عن تحالفها مع إيران وحزب الله والمنظمات الإرهابية الفلسطينية ووقف دعمها للإرهاب"!.
ومن ثم فالسلام الإسرائيلي المعروض على سوريا "غير مجاني"، وربما تفوق تكلفته عوائده -بافتراض الانسحاب الكامل من الجولان، وهذا أمر قد يبدو مستحيلا- لأن الهدف ببساطة تفكيك معسكر المقاومة في المنطقة، والذي يتعارض مع المصالح الإسرائيلية والأمريكية، ثم توجيه ضربة قاصمة لإيران وحزب الله وأخيرا الإجهاز على المقاومة الفلسطينية.
أسئلة التفاوض الصعب
ولكن هل نشهد بالفعل مفاوضات سلام جديدة بين دمشق وتل أبيب بعدما توقفت مفاوضات السلام بينهما منذ يناير 2000 بسبب الخلافات حول مسألة الجولان الذي احتلته إسرائيل عام 1967 وضمتها عام 1981، ولماذا لم يؤكد أولمرت استعداده للانسحاب من كل الجولان هذه المرة مكتفيا بالحديث عن "إعادة هضبة الجولان"، وترك الباب مواربا، ما يثير تساؤلات حول العودة لنقطة الصفر مرة أخرى بالحديث عن الانسحاب من الأرض المحتلة واختلاف الطرفين حول حدود هذه الأرض؟.
وهل السلام مع سوريا هدف حقيقي لأولمرت؛ لأنه يحقق له مكسبا ثلاثي الأبعاد: كمدخل لوقف تسرب الصواريخ من سوريا لحزب الله أولا، وتضييق الحصار على إيران ثانيا، فضلا عن استعادة شعبيته التي انهارت والبقاء في السلطة ثالثا.
الظاهر حتى الآن أنه لا جديد في النوايا أو الإعلانات الإسرائيلية بشان السلام مع سوريا سوى الربط بين هذا السلام وبين التضحية بمعسكر حزب الله وإيران، وأنه في الوقت الذي يجري فيه تشديد الضغوط على سوريا عبر الملف اللبناني والمحكمة الدولية لقتلة الحريري، يجري التلويح بمكافآت لدمشق على مواقفها "المعتدلة" في صورة زيارات ولقاءات لمسئولين أمريكيين مع مسئولين سوريين (في دمشق وشرم الشيخ)، غير إسالة لعاب القادة السوريين بقضية إعادة الجولان المحتل وفتح مفاوضات سلام جديدة.
ومع أن سوريا تدرك حقيقة النوايا الإسرائيلية، وتشكك مصادر سورية في عرض التفاوض لحد قول مصدر سوري أنه "لا يوجد لدينا أمل كبير بأن الأمور ستتغير"، خصوصا أن الولايات المتحدة وإسرائيل أعلنتا بعد محادثات في واشنطن أن الوقت لم يحن بعد لاستئناف محادثات السلام بين إسرائيل وسوريا، فإن سوريا قد تضطر للتعامل مع حبل الإنقاذ المتدلي إليها كي تخرج من مستنقع المحاكمات الدولية في لبنان والضغوط الأمريكية.
ويبقى السؤال: أين مفاوضات السلام السورية الإسرائيلية هذه – في حال تمت – من مبادرة السلام العربية التي جددتها قمة الرياض الأخيرة وتحفظت عليها تل أبيب وواشنطن؟ وهل الهدف هو استمرار مسلسل المفاوضات المنفصلة السرية مع كل دولة عربية على حدة كي يسهل انتزاع أكبر قدر من التنازلات منها، أم التمويه على خطط أخرى؟.
وبعبارة أكثر وضوحًا: هل الحديث المكثف عن سلام سوري إسرائيل مؤشر على قرب ضرب إيران خصوصًا أن خطط ما قبل الضرب تتحدث بوضوح عن ضرورة تفكيك التحالف السوري الإيراني، وإبعاد حلفاء طهران عنها بالعصا والجزرة، حتى لا تأخذ الحرب أبعادا إقليمية بأكثر مما ينبغي أن تكون عليه كما تخطط واشنطن؟!
المحلل السياسي بشبكة إسلام أون لاين.نت
|