English

 

الخميس. سبتمبر. 20, 2001

ثقافة وفن » مساحات ثقافية

 

مناهضة حزب جنون القوة

أحمد عبد الله

Image
  تصاعد وتيرة التهديد الأمريكي بهجوم وشيك يشغل العالم عن فهم واستيعاب دروس الثلاثاء الرهيب، والأدهى من هذا أنه يشل الجميع تقريبًا، ويشدهم إلى كراسيهم؛ ليقبعوا متطلعين إلى الشاشة في انتظار رد الفعل الأمريكي، رغم أنه قد يتأخر بعض الشيء، وهذه محاولة لتجاوز الدهشة، بعد أن حاولنا من قبل تجاوز الشماتة.

منطقان

الصراع الحقيقي حاليًا ليس هو الصراع بين أمريكا الجريحة وأشباح الإرهاب غير محدد الملامح، وليس صراعًا ضد الإسلام والعرب، بقدر ما هو صراع بين منطقين: أحدهما يرى القوة هي الحل الوحيد، واللغة التي تفعل وتؤثر.

وقد انحازت السياسة الخارجية للولايات المتحدة إلى هذا الخيار دائما بشكل مزمن، وبالتدريج أصبح لهذا المنطق أنصاره حول العالم، وهم جميعًا لا يرون قيمة أو جدوى لمحاولة حل النزاعات، أو إدارة الاختلافات والخلافات بشكل سلمي، وسواء كان اختيارهم هذا نابعًا من اليأس والإحباط، أو فرط الشعور بالمهانة والدونية تجاه المتجبرين، أو كان اختيار الآخرين لمنطق "القوة هي الحل" من موقعهم في سلطة، أو امتلاكهم لثروة… ورغم ما يبدو من اختلاف ظاهري بين الفريقين ـ فإن الاتفاق عميق بينهما على تقديس القوة وعبادتها، واللجوء إليها؛ لأنها "تحسم" و"توجع"، ولا يوجد عندئذ فارق كبير بين الهيمنة والرغبة في الهيمنة، فالهدف واحد… وصل أحد الأطراف إليه، بينما يهيم الثاني به، ويسعى صوبه.

لا فارق بين العنف من موقع السلطة، والعنف من موقع المعارضة على مستوى أن كليهما عنف مع تبادل الأدوار، و"الأيام دول".

وعليه فإن الانتحاري الذي امتطى الطائرة/القنبلة، والطائش الذي يريد الانتقام بالضرب العشوائي دون دليل على إدانة، أو إثبات لتهمة، كليهما يعبد القوة، ويريد السيطرة، ولا قيمة لديه لأشياء "تافهة" مثل: أرواح الأبرياء، في مقابل الإبهار، واستعراض العضلات.

والمنطق الثاني يرى غير ذلك:

فالأصل هو الحل السلمي للصراعات، والقوة استثناء قهري تحكمه ضوابط صارمة، وهو لا يكون إلا من أجل العودة إلى الأصل، والقوة متعددة المعاني والمستويات، وأولها قوة القانون، وقوة الحق والحقيقة، وقوة الناس، ورأيهم، وإرادتهم وفعلهم، لا قوة البربرية والدمار والتخريب.

والأصل لدى هذا المنطق هو الجهاد السلمي، والعمل الأهلي المدني بآليات تدافع الناس، ودعوتهم، وتذكيرهم، وتجميعهم حول القيم الإيجابية، والأفكار النبيلة، والعمل معهم للخير والعدل، لا السيطرة عليهم بشعاراته وتحت لافتاته.

والقوة بالعنف ليست خيارًا متكاملاً، وليست برنامجًا للتغيير، ولا مشروعًا لحركة، ولكنها حتمية مؤقتة قد تدفع إليها الظروف دفعًا، وتضطر إليها الضرورة، والضرورة تقدر بقدرها، ولا تكون القوة هنا إلا بحساب عسير، ومعايير متشددة كما أسلفت توًا.

وبناء على هذا التصنيف وفي إطار المنطق الأول سنجد أصواتًا عالية داخل الإدارة الأمريكية، وداخل المجتمع الأمريكي، وداخل مجتمعاتنا، وفي عالم المستكبرين والمستضعفين سنجد من يحلمون بالقوة "الرادعة"، ومن يحلمون بالانتقام، وسنجد من يقومون بتجسيد هذه الأحلام على الشاشة أو في الواقع.

كما سنجد للمنطق الثاني أنصاره داخل الإدارة وداخل المجتمع في أمريكا، وداخل مجتمعاتنا، وفي عالم المستكبرين والمستضعفين.

سنجد من يحلم بالعدل، ويتدرب على الجهاد بالسلم، ويمارسه لأنه يؤمن بأنه خير وأبقى، وأكثر إنسانية وفاعلية، وإن طال الطريق، وبرزت بعض الإحباطات.

هذا هو التناقض الرئيسي في المشهد الحالي، وهو كذلك طوال الوقت، بين أنصار القوة القاهرة أو الرادعة، وأنصار الحكمة من أي وعاء خرجت، بين أنصار العضلات المفتولة، والتفجيرات الانتحارية، وأنصار العقل والحوار، والضغط السلمي، وتغيير العقول والنفوس.

المفارقة

والمضحك المبكي أن أغلبنا يكتفي بالفرجة، لا هو في العير ولا في النفير، فلا هو مستعد أن يكون انتحاريًا يفجر نفسه في سبيل فكرة يؤمن بها، وضد عدو يريد أن يوجعه "طبقًا لمنطق العنف".

ولا هو يفهم أو يعمل في إطار الجهاد السلمي، وأدوات العمل الأهلي المدني، إنما يكتفي بدور "الإمعة"، وتراه يجلس على أريكة منزله يوزع الأدوار، ويحدد ما ينبغي وما لا ينبغي، وقد ينتقد هؤلاء أو هؤلاء، ويسخر أو يشمت، أو يغضب أو يفرح، وهو في مكانه على أريكة منزله!!!

وهذا الصنف من الناس هو أسوأ الأصناف جميعًا؛ لأن أنصار القوة، أو أنصار الحكمة هم في التحليل الأخير قوم فكروا وقرروا، وفعلوا… وسيقفون أمام الله فتكون لكل حجته، وسيعرض كلاهما وجهة نظره، ولا يظلم ربك أحدًا.

أما الجالس على الأريكة… فماذا سيقول يومها ؟!!

وهو لم يوال لله وليًا، ولم يعاد له عدوًا… إلا بالريموت كنترول.

هذه الأغلبية الصامتة كما يسمونها… في أمريكا، وفي عالمنا العربي والإسلامي هي الطابور الخامس، أو الجيش الخفي للإرهاب؛ لأنها بصمتها، أو بعجزها عن الفعل تترك الساحة فارغة، وصوت القوة أعلى، وأطرافها يلعبون لعبتهم، ويضربون بعضهم البعض… والمضحك المبكي أن هذه الأغلبية الصامتة هي الخاسر الأكبر، وهؤلاء هم "المدنيون الأبرياء" المدفونون تحت كل حطام… فروا من الموت في مواجهة واختيار، وتدافع بين منطق ومنطق، واعتبروا هذه المسائل سياسة أو نخبوية لا تخصهم، ودورهم كل دورهم هو "الفرجة"، ومكانهم الطبيعي فوق الأريكة، فماتوا فوقها… "تحت الأنقاض".. ولا يظلم ربك أحدًا.

مهام عاجلة

هذه ساعة حسم بعد استيقاظ، وكلامنا هنا إلى أخواتنا وإخواننا على الأرائك والكراسي… كلامنا إلى من يعتبرون أنفسهم مواطنين عاديين ينتظرون غيرهم وفعله، ثم يشمتون أو يفرحون، أو يغضبون… "وهم جالسون"!!!

وخطابنا للمترددين الذين لا يعرفون بعد أين الحقيقة، أو ماذا يفعلون؟!

وخطابنا لكل عربي وعربية، ومسلم أو مسلمة، ولم يعد مهمًا الآن أين يعيش، بمقدار ما يهم ماذا يفعل… وهذه ملاحظات أولية أكتبها للأفراد أصلاً؛ فهم أسرع مبادرة وحركة، ولكن لا بأس أن تنشرها أو تتبناها مؤسسات أو مجموعات:

المهام:

 
أرسل لصديق أرسل لصديق

« 

ابحث

«

بحث متقدم