|
- هل تعرف أن العرب أعداؤنا؟
- نعم.
- عرب الداخل أم عرب الخارج؟
- لا فرق.
- هل شعرت أنك إن لم تنفّذ أمر قتل كل عربي خارج بيته في كفر قاسم؛ تخون القيم التي تربيت عليها في الجيش وفى وحدات حرس الحدود؟
- نعم.
- هل كنت تقتل دون تمييز؟ أو كنت تمتنع عن القتل في بعض الحالات؟ هل كنت تفرق؟
- لا لم أكن أفرّق.
- هل كنت تقتل دون تمييز، حتى لو كان الشخص امرأة أو طفلا؟
- نعم.
- معناه أنك كنت ستقتل كل شخص تراه في كفر قاسم.
- نعم.
حوار ضمن أحد المشاهد الهامة والدالة في فيلم "كفر قاسم" إنتاج 1974، حيث يسأل القائد الصهيوني أحد جنوده الذين شاركوا في مذبحة كفر قاسم هذه الأسئلة ويتلقى إجاباته المحددة عليها.
ويأتي فيلم "كفر قاسم" كأحد العلامات السينمائية القليلة التي عرضت للقضية الفلسطينية بما يبعث على التساؤل حول ضآلة التعبير عن قضية بمركزية ووهج القضية الفلسطينية، ومن السهل سرد أسباب إدانة السينما العربية عموماً، وإدانتها بخصوص تعاملها مع القضية الفلسطينية على وجه الخصوص.
كما أنه من السهل على البعض أن يرد على أسباب الإدانة أو يقدم لبعضها أو كلها مبررات.. لكن السؤال الأهم والمحير بالنسبة لي: لماذا لم يحسن العرب استخدام وسيلة مهمة وجماهيرية وفعالة مثل السينما كسلاح جاد في القضية الفلسطينية؟
ولماذا لم يحسن السينمائيون استخدام القضية لصنع أفلام عالية المستوى، خصوصاً أنها توفر لهم كل ما يحتاجه من سيناريو جيد لفيلم يهم المتفرج؟
إن نظرة عامة على قائمة الأفلام التي أنتجتها السينما العربية منذ عام 1948 وحتى الآن تجعلك تشعر بأن الأفلام التي اهتمت بالقضية الفلسطينية تكاد تقترب من اللاشيء!.
لا أكاد أحصى أكثر من عشرين فيلماً تناولت القضية بشكل مباشر أو شبه مباشر، دون ذكر الأفلام التي يرد فيها اسم فلسطين ويمر مرور الكرام مثل معظم الأفلام التي أنتجت عن ثورة 23 يوليو 1952 في مصر مثل "رد قلبي" و"الله معنا".
ليس العدد فقط
كان لا بد من إنتاج مئات الأفلام الروائية والتسجيلية وأفلام الكرتون وترجمتها باللغات المختلفة ونشرها في العالم أجمع.. ومع ذلك فالمشكلة ليست في عدد الأفلام فقط، إنها كذلك في الأفكار التي تناولتها الأفلام، فالقضية غالباً ما تصبح خلفية لقصة مكررة وغير محبوكة عن الحب والخيانة والصدمات العاطفية، خلفية غير مؤثرة في معظم الأحيان، أي يمكن الاستغناء عنها دون أن يتأثر الفيلم.. هذا الوصف قد لا ينطبق على "كل" هذه الأفلام، لكنه ينطبق على "معظمها".. وحتى الأفلام التي تناولت القضية الفلسطينية بشكل مباشر وفعال نجد أن التناول فيها عادة ما يكون متسرعاً وسطحياً.
هذا لا يعنى أنه لم يتم إنتاج أفلام جيدة عالية المستوى من حيث الفكر والتنفيذ، لكن ماذا تفعل أفلام تُعد على أصابع اليد الواحدة تم إنجازها خلال أكثر من خمسين عاماً بمعدل فيلم واحد جيد كل عشر سنوات؟!
وقفة مع "قاسم" و"العلي"
ويُعد فيلما "كفر قاسم" و"ناجي العلي" من أهم الأفلام التي تناولت قضية فلسطين من الناحيتين الفكرية والفنية، فهما - كما يقول الناقد علي أبو شادي في كتابه من كلاسيكيات السينما العربية - من الأفلام التي تتعامل مع القضية الفلسطينية باعتبارها جوهر الصراع في المنطقة، وأن الكفاح مستمر ضد الصهيونية، بكونها التحدي الأساسي لكياننا.
إن أحداث مجزرة كفر قاسم حدثت يوم 29 أكتوبر 1956م، أما الفيلم فقد أنتج سنة 1974م، ورغم أن فيلم "ناجي العلي" قد أنتج في 1992 فإن مشهد البداية فيه يبدو كأنه الحركة الثانية من سيمفونية مرعبة عزفت حركتها الأولى في فيلم كفر قاسم.
ففي هذا المشهد "يطالعنا الفيلم بالجنود الصهاينة يطاردون الأهالي في فلسطين وينسفون منازلهم ويجبرونهم على النزوح خارج حدود الوطن". ويؤكد فيلم كفر قاسم أن المجزرة متعمدة وذات أهداف سياسية محددة لإرغام الفلسطينيين على الهروب من بلادهم، ولا يجب أن ننظر إليها كنزوة لدى قائد سادي مختل كما يحاول البعض الآن فعل ذلك فيما يخص المجازر التي يقوم بها السفاح شارون.
ومن ناحية أخرى يدين فيلم ناجي العلي التمزق والتشتت العربي.. لكن ناجي العلي رغم اغتياله لا يتركنا لليأس، ففي مشهد النهاية نرى نبوءة ناجي العلي تتحقق، حيث "ينطلق أطفال الحجارة يطلقون قذائفهم الحجرية في وجه العدو الغاصب.. ويصبح الحجر الفلسطيني بداية الطريق الشاقة إلى الحرية".
وهنا يبدو أننا بحاجة إلى فيلم يتابع أحداث هذه الانتفاضة وما تلاها من العنف الإسرائيلي الوحشي الذي يعمل بهمة على إفناء الشعب الفلسطيني، بينما يقف العالم مكتوف الأيدي... وفيلم آخر عن أساليب المقاومة الفلسطينية لهذا الاجتياح الصهيوني، وعلى رأسها العمليات الاستشهادية المباركة... وفيلم.. وفيلم.. وفيلم.. حيث تستطيع السينما الجيدة - كما رأينا - التعبير عن "الأعمق" في القضية، فالمسألة ليست مجزرة وقعت في قرية أو اغتيال فنان، المسألة أكبر وأعمق.. وهنا تقف السينما الجادة بالمرصاد مخاطبة وعي المواطن ومصححة له ومعلية من شأنه.
وسوف نعرض هنا "فيلموجرافيا" لأهم الأفلام التي تناولت القضية الفلسطينية اعتماداً على "موسوعة سينما العرب" المطبوعة والإلكترونية، حيث إنهما تكملان بعضهما، بالإضافة إلى عدد من إصدارات مهرجاني القاهرة والإسكندرية السينمائيين، وبعض الكتابات النقدية والمذكرات الفنية.
أديب وروائي مصري.
|