|
| البرجان قبل التفجيرات
|
في بداية الثمانينيات ظهرت سلسلة أفلام من نوعية الخيال العلمي تتحدث كلها عن غزو محتمل للولايات المتحدة الأمريكية، ومن أهم هذه الأفلام "الفجر الأحمر" للمخرج جـون ميليوس، وفيـلم "1941" للمخرج ستيفن سبيلبرج.
يحكي الفجر الأحمر عن غزو شيوعي للولايات المتحدة وضربة نووية غادرة وهزيمة ساحقة، ثم مقاومة شعبية تستطيع إنقاذ الولايات المتحدة والبشرية جمعاء من هذا الفيروس الأحمر.
في الجانب الآخر يحكي "1941" عن غزو متخيل ياباني للولايات المتحدة عام 1941 في قالب كوميدي استعراضي.
لا تسخر من الخوف
وبينما نجح "الفجر الأحمر" فشل "1941"، واعتُبر من أكثر خطايا سبيلبرج.. لماذا؟
الفجر الأحمر كان يلعب على نغمة "الخوف المستقبلي"، تلك النغمة التي رفعتها حكومة ريجان إلى الحد الأقصى لإرهاب الجمهور الأمريكي، وتبرير المصروفات الضخمة على برامج التسلح الفضائية المعروفة باسم "حرب الكواكب"؛ ربما تيمنًا باسم الفيلم الشهير الذي حقق أكبر إيرادات في منتصف السبعينيات؛ بمعنى أنه كان يلاقي حاجة سيكولوجية مُلحة لدى الجمهور الأمريكي، ويتعامل معها، ويلبيها، وبالتالي يستفيد منها. على الجانب الآخر كان 1941 يلعب مع هذه الحاجة، ويسخر منها، ويحولها إلى نكتة. والمشكلة أن الشعوب في لحظات الخوف الجمعي لا تحب من يضحك من هذا الخوف!
يقودنا هذا التحليل إلى رؤية خاصة لبنية السينما الأمريكية من حيث إنها صناعة في الدرجة الأولى تعتمد على الجمهور لكي تنتعش وتستمر وتعيد إنتاج ذاتها مثلها مثل أي صناعة؛ بمعنى أن الفيلم الأمريكي يعتمد على السوق الأمريكية في النجاح، والمنتج يعتمد على نجاح فيلمه تجاريًّا للاستمرار، ولا يعتمد إطلاقًا على دعم الدولة أو على النجاح الفني أو جوائز المهرجانات... إنه يقدم المتعة والترفيه ليحصل على نقود.
رؤيتان منذ الفجر
ربما بدا هذا الكلام بديهيًّا، لكنه ليس كذلك؛ فمنذ فجر السينما في نهاية القرن التاسع عشر وهناك رؤيتان مختلفتان لهذا الفن (الصناعة): الأولى هي الرؤية الهوليودية الأمريكية التي قدمناها من قبل، والأخرى لنسمِّها "الرؤية الألمانية الأوربية"، وهي التي ترى أن السينما لها دور إعلامي توجيهي في المقام الأول، وليس دورًا تجاريًّا ماليًّا.
تقدم الرؤية الأولى أفلامًا تسعى للنجاح الجماهيري، ومن ثم تبحث عما تريده تلك الجماهير، وكلمة "الجمهور عايز كده" هو الشعار الملخِّص لهذه الرؤية. وتقدم الرؤية الثانية أفلامًا تسعى لإقناع الجماهير برؤية خاصة للنخبة المهيمنة على الصناعة، وتريد أن تبثها بين الجماهير!!
كان لا بد من هذه المقدمة السريعة التي تحتاج لتفصيل أكبر لمناقشتها، وتوضيح تضاريسها المختلفة من أجل الكلام عن تأثير أحداث 11 سبتمبر على صناعة السينما الأمريكية؛ لأنه يجب أن ندرك في المقام الأول أن السينما في هذه الحالة تعبر عن صناعة ورأسمال وتجارة تهدف للربح، وليس الإقناع أو التوجيه أو الدعاية، بالرغم من وجود هذه الأهداف ضمن ما يسميه النقاد والباحثون السينمائيون: البنية الداخلية أو الكامنة للفيلم.
التمثال.. المعدني.. البرجان
|
|
البرجان بعد التفجيرات
|
عندما نتكلم عن أحداث 11 سبتمبر نتكلم بالدرجة الأولى عن المكان، والمكان في السينما مجموعة من الرموز البصرية؛ بمعنى أننا عندما نتكلم عن القاهرة في السينما نتكلم عن البرج.. عن الأهرامات.. عن القلعة… إلخ. كذلك لو تكلمنا عن الريف فسنجد أننا نستدعي الخضرة.. النيل.. الفلاح يزرع… وهكذا لندن في السينما هي برج لندن.. هي "بيج بن" وما إلى ذلك. وتمر نيويورك في السينما الأمريكية بعدة مراحل للرمزية البصرية، كان من أولها تمثال الحرية، وثانيها عمارة الإمباير ستايت، وآخرها في السبعينيات والثمانينيات كان برجَا رمز التجارة العالمية أو "وورلد تريد سنتر". وأول ما يسترعي انتباهنا في هذه الرموز هو أنها تمثل الأعلى؛ أي إنها تمثل بوضوح جانبًا أساسيًّا في حضارة القياس والرقم القياسي والمعايير؛ بمعنى آخر حضارة الحداثة العيارية.
تحركنا من التمثال الذي كان يضم في جوانبه بعض رموز الرومانسية أو المرحلة الأولى في الحداثة التي كانت منشغلة بالقيم والإنسان، ولا ننسى أن التمثال يمثل امرأة تحمل شعلة، وتستقبل المهاجرين إلى أرض الحرية، كما في فيلم شارلى شابلن "المهاجر" أو في فيلم دافيد دارك جريفت "تعصب"، والفيلمان في العقد الثاني من القرن العشرين. ثم اتجهنا إلى عمارة الإمباير ستيت رمز الأعلى المعدني الذي يحمل في طياته رموز: المال، والأعمال، والاقتصاد.
وبالقياس سنجد هذا الرمز في أفلام الثلاثينيات والأربعينيات والخمسينيات مثل النوعية الفيلمية التي عُرفت باسم فيلم نوار أو الفيلم الأسود، التي عبرت عن أفلام الجريمة والحركة، وكذلك في أفلام "كيف تقتل زوجتك؟" لجاك ليمون وفيرنا ليزي، وفيلم "كنج كونج" النسخة الأولى في ثلاثينيات القرن الماضي. باختصار كانت الإمباير ستيت ترمز لنيويورك؛ فهي الأعلى والأقوى التي يصعد عليها كنج كونج حاملا الفاتنة لتقاتله الطائرات رمز السرعة العليا والأقوى والأسرع، شعار الحداثة الرياضية بل الحداثة التنافسية في كل المجالات.. نيويورك أو التفاحة الكبيرة يتم تمثيلها بهذه الطريقة؛ لأنها الطريقة المثلى للتعبير عن عاصمة العالم.
ومع السبعينيات وصلنا إلى الرمز البصري الأخير، إنهما البرجان التوءمان لمركز التجارة العالمي.. سنجد هذه الرمزية البصرية في أفلام مثل "ذكاء اصطناعي" لسبيلبرج 2001، و"الهروب من نيويورك"، و"الأب الروحي" الجزء الثالث لكوبولا، و"وحدي في المنزل" الجزء الثاني، والرجال الذين يرتدون السواد، وكينج كونج... وغيرها.
الرمزية هنا تعبر عن الأقوى والأعلى الذي تجاوز القوة والعلو السابقين.. إنه رمز الاقتصاد الأمريكي العالمي المتفوق.. إنه التعبير الأمثل عن التفاحة الكبيرة.. ماذا بعد أن تم تدمير هذا الرمز على يد الطائرات أو رمز الأسرع؟ هل كان كنج كونج هنا يحمل رسالة نبوءة؟ سنجد أن فكرة تدمير الرموز البصرية لأمريكا قد ظهرت في فيلم "الفجر الأحمر" تدمير الكابيتول، وفيلم "يوم الاستقلال".. الكونجرس والكابيتول وغيرها من الرموز السياسية، ولكن ماذا بعد أن حدث هذا فعلا؟
ما بعد الصدمة.. الإنكار
كان رد الفعل الأول شكليًّا للغاية، يجب إزالة الرمز من الأفلام التي تصور أنه هنا بمثابة المرحلة الأولى في تلقي الصدمة نفسيًّا -أي مرحلة الإنكار-، وهكذا ألغيت مشاهد برجي التجارة من أفلام عديدة كانت تصور أو حتى كان قد تم تصويرها، وربما أبرز هذه الأمثلة في فيلم "الرجل العنكبوت"؛ حيث كان إلغاء الرمز البصري محاولة لمحوه من الوجود، وكأنه لم يكن إنكار الوجود؛ كرفض للصدمة، أو بتعبير أدق كتعبير عن الصدمة الحقيقية التي نتجت عن تدمير الأقوى والأعلى على يد الأسرع.
تواكب مع هذا الرد الشكلي محاولة للتفهم على يد السينما الوثائقية والتسجيلية التي تمثل الجانب التوثيقي في الحدث، والتي تهتم بالأساس برصد المتغيرات المواكبة للحدث والمحيطة به. وظهر هذا في العديد من الأفلام التسجيلية مثل فيلم سكوت بيل "متأخر عن العمل 2002" الذي حكى قصة المخرج ذاته الذي تأخر عن الذهاب إلى العمل يوم 11-9 في نيويورك، ونزل إلى الشارع ليسجل بكاميرته انطباعات الناس عما حدث وآراء أهل نيويورك فيما حدث.
من هذه النوعية أيضا سنجد فيلم شيرين كاديفار "9-11 انطباعات أمريكية" (11 سبتمبر بالطريقة الأمريكية؛ حيث يكتب الشهر قبل اليوم)، وهو مقابلات مع أناس في الشارع في لوس أنجلوس لتسجيل ردود أفعالهم حول حادثة 11 سبتمبر. كذلك يمكننا أن نسجل فيلم جيديوت وجول نوديه، وهما سينمائيات فرنسيات المسمى "11 /9" الذي يقدم الممثل الكبير "روبرت دي نيرو" بوصفه ضيف الفيلم الذي يقابل الجمهور في الشارع، وخاصة في مانهاتن لينقل انطباعاتهم وإحساسهم بصدمة 11 سبتمبر وتوقعاتهم للمستقبل.
من الصدمة إلى رد الفعل
ومن بين الأمثلة المختلفة سنجد فيلم ماتيو بلومنسكي "الطمي الأمريكي" الذي يصفه أحد النقاد بأنه قصيدة بصرية عن آثار الدمار التي خلفها 11 سبتمبر.. ما يجمع بين هذه الأفلام هو أنها رد فعل مباشر يحاول أن يقتفي أثر ما عرفته السينما التسجيلية الفرنسية باسم سينما الحقيقة التي تتميز بمواكبة الحدث، وتسجيله بمباشرة، وتصوير ردود الأفعال الدولية والحية للبشر المحيطين بالحدث. المشكلة أن الصدمة الكبرى لن تؤدي إلى رد فعل متعقل، ولا إلى تحليل موضوعي لما حدث؛ ولذا سنجد أن الأفلام التسجيلية تلك تذخر بالوطنية الجياشة والحماس الشديد لفكرة الانتقام، وقبول كل ما يقال عن الفاعل أو الفاعلين.. هل سيكون هذا هو رد الفعل النهائي للسينما الأمريكية عن 11 سبتمبر؟ أشك في ذلك كثيرًا.
ربما كان أبرز المعلقين على ما حدث من أهل السينما في أمريكا هو ستيفن سبيلبرج، وخاصة بعد فيلمه "تقرير الأقلية" سبيلبرج 2002؛ حيث يرى أن صدمة 11 سبتمبر ليست مجرد صدمة في الضمير، ولكنها صدمة في كل شيء، إنها مثل الشيء الذي يتغلغل في الدم، ولكنه يفشل في الوصول إلى المخ.
"تقرير الأقلية" ليس فيلمًا عن 11 سبتمبر، ولا يمكن واقعيًّا أن يكون كذلك؛ فقد تم التحضير له من قبل هذا الحدث بكثير، ولكنه فيلم عن الأمن في أمريكا في المستقبل في عام 2025، إنه فيلم تنبُّئي توافق مع 11 سبتمبر في أنه يتساءل عن مصير الحضارة الأمريكية، وماذا سيحدث في المستقبل؟ إنه سيشابه هنا فيلم "ماتريكس" الذي يطرح للمناقشة قضية العالم اليومي المعيش.. وهل هو حقيقي أم مزيف؟ وهي قضية يشتد الجدل بصددها خاصة بعد 11 من سبتمبر!!
أعتقد أننا لم نشهد بعد رد الفعل الحقيقي للسينما الأمريكية حول 11 سبتمبر، وأننا سنحتاج لبعض الوقت كي تستطيع السينما الأمريكية أن تقرأ الجمهور الأمريكي لكي تقدم له ما يريده.
بمعنى آخر علينا أن نتوقع أفلامًا من نوعية مختلفة تتحدث عن انهيار الرمزية البصرية وآثارها على الجمهور عندما تظهر تلك الآثار بشكل واقعي؛ أي عندما يتجاوز الجمهور الأمريكي آثار الصدمة الأولية، ونرى رد فعل مختلفًا.
|