|
من لم يعش حالة، بل حياة الحصار التي عاشها المثقف العراقي، أديبًّا وكاتبًا وفنانًا، لا يمكن أن يفهم بسهولة الدور الجديد الذي كُتب على هذا المثقف وحده دون سواه أن يؤديه من حيث يدري، وبوعي واضح وصادق، أو من حيث شاءت ظروف الحصار الذي طال والتي تشعبت وتعقدت- أن يؤديه، على الرغم من قسوة هذا الحصار وظروفه.
فالمثقف العراقي الحقيقي عاش الحصار وعاناه، ويعيشه ويعانيه بثقل إضافي كبير أثقل من ثقل المعاناة المادية المباشرة (مستلزمات الحياة العادية اليومية: الغذائية، والدوائية)، وثقل المعاناة من حصار الثقافة، إنتاجًا وتلقيًا، وقد ارتهن (الإنتاج) لمصاعب حياتية يفترض أنها حددت نوع وحجم عطائه، وحتى شكل هذا العطاء؛ إذ أريد من هذا الحصار أن "يقولب" العقل العراقي المشهود له بالابداع والحركية المتفجرة باستمرار، وهذا أخطر أنواع أو غايات فارضي الحصار على العراق والمُصرِّين على استمراره.
لقد كاد الحصار أن يفعل فعله في تحقيق هذه الغاية "القولبة"؛ ليجد المثقف العراقي نفسه وقد تحولت إلى كأس ملأى بهموم حياتية صغيرة، مادية وآنية النفع، بدلاً من انشغاله المعروف بتجديد وإضافة مفردات أدبية وفنية وحتى فكرية نوعية.
لكن الحصار لم يستطع– في هذا الجانب- أن يحقق هذه الغاية؛ إذ تحول لدى المثقف المبدع الصادق إلى مناسبة لتخطي ظروف الحصار، والانفلات من قسوة ثقله إلى آفاق عطاء أوسع وأرحب؛ فولدت قصائد وقصص وروايات ودراسات، وتحققت إبداعات فنية (تشكيلية) فاقت في نوعها وحجمها ما كان معروفًا وسائدًا.
لقد خلق المثقف العراقي -والقول للشاعر العراقي "حسين الحسيني"- عناصر ديمومته هذه المساعدة على المواصلة والتواصل من داخله حقًّا، بكل ما تعنيه هذه الكلمة من معانٍ دقيقة؛ فكان بذلك يؤكد أصالته الإنسانية من جهة، ويؤكد في الوقت نفسه أن خزينه الحضاري الكبير يكفي ويزيد، ومن شأنه أن يكون خير تعويض عمَّا افتقده في هذا الجانب من العملية الثقافية والإبداعية.
حصار الهوية
|
|
وجه عملة فئة 25 دينار لعام 1991
|
والآن.. هل نستطيع القول بأن تجربة حياة المثقف تحت ثقل الحصار المفروض قسرًا على العراق، من شأنها أن تؤكد هوية وأن تحقق مزيدًا لتجارب وهويات وحيوات المثقفين العرب والعالميين في كل مكان؟
تجيب الروائية العراقية "إبتسام عبد الله": إن الإجابة بـ (نعم) حقيقة، وهي حقيقة لها ملامح وأبعاد وأشكال ووقائع، قد لا تبدو واضحة تمام الوضوح حتى الآن بالنسبة للمتلقي العراقي تحديدًا، لكنها ستزداد وضوحًا إذا ما عاينا ما ينتجه المثقفون غير المحاصرين في هذا الجزء أو ذاك من العالم، وفي أغلبه ما يمكن أن نسميه ملامح "تشوهات" حصار من نوع آخر، هو حصار التكنولوجيا ووسائل الاتصال المتطورة، التي شاعت في العالم، وراحت تشيع في الكثير من أقطار الوطن العربي، وصارت تعمل بقسوة أيضًا على "تحديد" مديات أفق الفكر والثقافة من حوله، وتزيد من ضيق مساحة الخيال اللازم للإبداع: إنتاجًا وتلقيًا.. والأيام كفيلة بإضفاء مزيد من الوضوح لهذه الحقيقة.
إن العدوان والحصار المفروض على العراق أثَّر تأثيرًا مباشرًا على عموم الحركة الثقافية، وإذا استطلعنا بشكل سريع تأثير الحصار على بعض المرافق الثقافية، فسنلاحظ:
- الانخفاض في حجم الطباعة في العراق انخفاضًا حادًّا؛ بسبب توقف الورق والمواد الطباعية، وعدم وجود المطابع الكافية في العراق؛ إذ كان العراق يستورد نحو 100000 طن من الورق سنويًّا، منها اثنا عشر ألف طن لورق الصحف، ونحو 78 ألف طن لورق المجلات والكتب، كل ذلك توقف منذ بداية آب 1990.
- كان العراق قبل الحصار يصدر إلى خارج البلاد ما قيمته بالأسعار السائدة آنذاك مليون دينار ثمن الكتب فقط، ويستورد ما قيمته بالأسعار السائدة آنذاك مليون دينار.
- انخفضت مشاركة المثقفين العراقيين في المهرجانات والمعارض والمؤتمرات والنشرات الثقافية التي تنعقد خارج البلاد انخفاضًا حادًّا لسببين: أولهما عدم الدعوة أو السماح للمثقفين العراقيين بزيارة كثير من البلدان أو المشاركة في النشاطات الثقافية المنعقدة هناك، والسبب الآخر هو شحة المواد اللازمة لتغطية هذه المشاركات.
- إيقاف كافة الاتفاقيات السابقة مع الدول العربية والأجنبية، وهذا بدوره أدى إلى إيقاف التعاون العلمي والتقني بين هذه الأقطار.
- توقف التعضيد للكتب بعد أن كان أربع جهات تعضد الكتاب، وهي: دار الشؤون الثقافية العامة، والمجمع العلمي العراقي، ووزارة التربية، والجامعات. وهذا بالطبع أثر سلبًّا على حركة النشر في العراق، وبالذات في هذه الفترة.
- كما كان العراق يشارك في (12) معرضًا دوليًّا للكتاب سنويًّا تسهم فيه أعداد من دور النشر العربية والأجنبية، وإلى ما يقارب (315) دارًا أو شركة، وقد توقفت هذه الأنشطة، كما توقف التبادل بفعل قرار الحصار.
- كما تأثَّر العديد من دور النشر العراقية بالحصار الثقافي والعلمي مباشرةً، ومن بينها: دار الشؤون الثقافية العامة، ودار الحرية للطباعة، ودار المأمون للترجمة والنشر. وانخفضت إنتاجية هذه الدار حتى وصلت إلى 90%؛ فقد تقلصت صفحات مجلتي "كلكامش" الصادرة باللغة الإنكليزية، و"بغداد" باللغة الفرنسية، كما انحسرت المشاركات الدولية في المؤتمرات والحلقات الدراسية والدورات التدربية للمترجمين خارج القطر.
ثقافة الطفل
|
|
و جه عملة العراق فئة 250 دينار لعام 1995
|
تعد دار ثقافة الأطفال إحدى أبرز المؤسسات الثقافية، ليس على مستوى العراق فحسب، بل على مستوى الوطن العربي. وقد كان للحصار الثقافي والعلمي الأثر الكبير على هذه المؤسسة؛ وهو ما تضرر منه أكثر من أربعة ملايين طفل ثقافيًّا؛ بسبب انقطاع وانحسار مطبوعاتهم وكتبهم وكل احتياجاتهم المنهجية من كتب الدراسة ومتطلباتهم الثقافية.
وهناك من الملحوظ التوقف عن إصدار عدد من المجلات، إضافة إلى تضاؤل أعداد النسخ المطبوعة، وقد ارتفع ثمنها، وتبدلت كذلك نوعية الورق المستخدم. كما انخفضت الخطة السنوية لدار ثقافة الأطفال فيما يتعلق بإصدار الكتب إلى (12) كتابًا، بينما وصلت قبل أحداث آب والحصار إلى (70) كتابًا سنويًّا، وينعكس هذا أيضًا على عدد النسخ؛ ففي هذه الفترة نشر ما بين (1000- 2000) نسخة، بينما وصل عدد النسخ إلى (250) ألف نسخة قبل الحصار.
أما دار المأمون للترجمة والتشر، والتي تُعنَى بنشر الأعمال الأجنبية بعد ترجمتها إلى العربية، فقد تضمنت خطتها لعام 1990 ترجمة (50) كتابًا، والآن لا توجد خطة، فقد انخفضت إلى أقل من نصف عدد الكتب المترجمة قبل أحداث آب 1990 بسبب الحصار وشحة الورق ومستلزمات الطبع.
ثقافة ضد الحصار
ومن الوسائل التي اعتمدها القائمون على الثقافة في العراق لكسر الحصار الثقافي هو مشروع ثقافة ضد الحصار، الذي تبنته دار الشؤون الثقافية العامة، إحدى أهم وأكبر المؤسسات الثقافية في العراق، والتي تُعنَى بطبع نتاجات الأدباء العراقيين: قصاصين، وشعراء، وروائيين.
وبسبب شحة الورق المناسب ومستلزمات الطباعة الأخرى فقد قامت بإطلاق مشروع "ثقافة ضد الحصار"، الذي يهتم بنشر نتاجات الشباب: شعراء، وقصاصين، بكتاب من الحجم الصغير، وبصفحات محدودة تصدر مرتين في الشهر، وبسلسلتين شعرية وقصصية، معتمدة نتاجات الشباب الذين حجَّم الحصار تطلعاتهم في النشر.
عن هذا المشروع يقول القاصّ والروائي "عباس لطيف"، الذي صدرت له ضمن هذه السلسلة مجموعة قصصية بعنوان "شقاء الذاكرة": "يعد مشروع (ثقافة ضد الحصار) نافذة من نوافذ إطلاق الإبداع من أسوار وقيود الحصار؛ فهو مشروع جعل دماء التجدد تسري في المشهد الثقافي على شكل مجاميع قصصية وشعرية، تنفست الحياة، ورأت النور بعد أن ضاقت السبل واشتدت صعوبات النشر. وقد أسهم المشروع في إتاحة فرصة الظهور لأسماء كثيرة، وضيق المسافة بين المبدع والمتلقي. ولهذا المشروع دالته الفكرية إلى جانب خصوصيته في استقطاب الأسماء والتجارب الجديدة، وكان محاولة للاقتراب من هموم الواقع العراقي وتجسيدها بصيغ الإبداع والكتابة المنتمية والمسؤولة، التي تقف مع هاجس الخلاص من العصي التي تعيق عجلة الفعل الثقافي المؤثر".
صحفية عراقية
|