|
| هنية وقادة من فتح وحماس يبحثون التهدئة |
كل من تابع جلسات الحوار الثلاثة السابقة التي جرت بين الفصائل الفلسطينية الخمسة الرئيسية في مصر - خصوصا فتح وحماس - والتي جرت في الفترة بين عامي 2003 و2005، أدرك بوضوح أن هناك معضلة داخلية تتمثل في التنافس بين فتح وحماس وعدم استساغة بعض كوادر فتح صعود أسهم حماس أو توليها السلطة، ومعضلة أخرى خارجية تتمثل في أن الهدنة أو التهدئة المطلوبة من حماس أو فصائل المقاومة في مواجهة الاحتلال لا يوجد "مقابل" أو "ضمانات" لها.
فهناك "قوى" داخل فتح - ربما لها أجندة أمريكية أو إسرائيلية منذ اتفاقات أوسلو - ترفض بروز حماس كقوة سياسية بعدما تعاظم دورها العسكري المقاوم، وبمقابل هذا ترفض واشنطن وتل أبيب إعطاء أي ضمانات بحل سياسي لمشكلة الأرض المحتلة أو على الأقل بوقف مماثل للاعتداءات والاغتيالات على الفلسطينيين مقابل وقف إطلاق الصواريخ أو عمليات المقاومة.
وعندما جرت الجولة الرابعة من هذه الحوارات بالقاهرة مايو/ يونيو 2007 الجاري، كانت ذات العقدة موجودة ولم تتغير، بل زاد عليها أن هذه "الأطراف" المحسوبة على فتح، والتي ترفض سيطرة حماس على السلطة ـ رغم أنهم (فتح) يرجع لهم فضل نشوء مؤسسات الحكم الذاتي في الأراضي المحتلة ـ بدأت تنفذ خططا لعرقلة استقرار المقام لحماس في السلطة وتربعها، وتلاقت إرادة هؤلاء "الانقلابيين" مع إرادة أمريكا والاحتلال في السعي لإنزال حماس عن السلطة.
وهكذا جاءت أجواء جلسات الحوار الرابعة في مصر ساخنة، ليس فقط لأن الخلاف وصل لمرحلة الاقتتال الداخلي وسقوط قرابة 50 فلسطينيا في هذه المعارك، وتحويل الأراضي الفلسطينية إلى فوضى، ما أعطى الفرصة وطوق النجاة لحكومة أولمرت الغارقة بعد صدور تقرير فينوجراد، ولكن لأن الاقتتال يعطل الهدف الذي تسعى له مصر بتنفيذ اتفاقية تبادل الأسرى، ثم الشروع في تسوية سياسية في ظل الزخم الذي حدث مع إعادة تجديد مبادرة السلام العربية.
كما أصبحت المعضلة أكثر تعقيدا في ظل تولي حماس السلطة ورفضها مطاردة المقاومين، وتبني برنامج المقاومة وعدم الاعتراف بإسرائيل؛ لأن رفض تل أبيب وواشنطن تقديم أية ضمانات للتهدئة سابقا أصبح أكثر عنادا في ظل حكومة حماس أو حتى حكومة الوحدة الوطنية برئاسة حماس.
عقدة ثنائية
وهكذا أصبحت عقدة جلسات الحوار الفلسطيني مجسدة في أمرين:
الأول: أن هناك من يرفض - تحديدا داخل حركة فتح - أن تتولى قيادة السلطة الفلسطينية حركة حماس. وبالتالي يسعون لوضع العراقيل ويتمنون لها الفشل، وأن هذه الرغبة الداخلية تلاقت مع رغبة أمريكية وإسرائيلية في إزاحة حماس عن السلطة، وأنه بدلا من أن تسعى حماس للتخلي عن السلطة بعدما أدى وجودها فيها لمزيد من الحصار والتضييق على الشعب الفلسطيني، أصرت على الاحتفاظ بها، ليس فقط لأنها وصلت لها عبر صندوق الانتخابات، وإنما لأنها تدرك أن تركها على طبق من فضة لخصومها يعرضها لبرنامج استئصالي أخطر، وربما حرب أهلية حقيقية تقدر وهي في السلطة على لجمها.
الثاني: أنه حتى الضمانات التي كانت تل أبيب وواشنطن ترفضان إعطاءها للفلسطينيين كمقابل للتهدئة أو الهدنة عندما كانت حركة فتح تتولى السلطة، وكانوا يلتزمون بها أحيانا وفق أجندتهم الخاصة، أصبح من الصعب إعطاؤها لحكومة حماس؛ لأنها ببساطة ستقوي شوكة حماس في السلطة. وبدلا من هذه الضمانات، كثف الاحتلال وأمريكا من تعاونهم مع مناوئي حماس خصوصا من القوى الأمنية والسياسية المنتسبة لحركة فتح والتي تحنق على حماس لأنها أخرجتها من معادلة السلطة، وظهر هذا في عشرات المشاريع لمد قوى أمنية مناوئة لحماس بالسلاح الأمريكي والمساعدات المالية، واستمرار التنسيق الأمني بين بعض هؤلاء "الانقلابيين" المتفقين مع أجندة أمريكا وإسرائيل في إقصاء حماس، بعدما أغلقت حماس باب التنسيق الأمني الرسمي بين الأجهزة الأمنية الفلسطينية والإسرائيلية.
كشف الأوراق في القاهرة
ولأن المشكلة باتت واضحة، كما أن القاهرة كانت حاسمة في المطالبة باحترام اتفاقات وقف الاقتتال الداخلي وتجريمه كي يمكن الالتفات لصفقات تبادل الأسرى والعودة لملف القضية الأساسي، وهو الاحتلال وتسريع الحل السلمي، فقد حرص كل طرف على كشف العديد من الأوراق على طاولة الحوار في مصر. وساعد على هذا أن الجولة الرابعة من الحوارات كانت (فردية) بين مصر وكل فصيل فلسطيني على حدة، لا (جماعية) كما حدث في حوارات القاهرة السابقة، ما أعطى كل طرف حرية طرح ما لديه.
ومن تلك الأوراق التي تم كشفها مثلا - كما يقول قياديو حماس - أن هذا الفريق "الانقلابي" الرافض لبقاء حماس في السلطة هو المسئول عن استمرار الاقتتال الداخلي، وأن هناك من سعى لاغتيالات بين قياديي حماس تحديدا بهدف إشعال نار الفتنة الداخلية. لكن ذلك لا ينفي الخطأ الذي وقع فيه البعض من حماس بالانجرار للاستفزاز واستسهال استخدام السلاح.
ووصل الأمر - كما أكد د.موسى أبو مرزوق نائب رئيس المكتب السياسي لحركة حماس ورئيس وفدها في مفاوضات القاهرة، وسعيد صيام وزير الداخلية السابق، وخليل الحية - لتأكيد أن حماس قدمت مستندات - منها أسطوانات مدمجة عليها تسجيلات واعترافات - لمصر تؤكد تورط قيادات من فتح في خرق اتفاق مكة المكرمة وتدبير خطط تصعيد عسكري واغتيالات لقادة في حماس.
أيضا كشف النقاب صراحة عن بعض أسباب الاقتتال الداخلي بين فتح وحماس لحد تسمية أو التلميح بأسماء أشخاص وأطراف تفسد هذه الاتفاقات الخاصة بالتهدئة، بل قدمت أدلة ومستندات تدل على تورط أطراف أمنية من حركة فتح في انهيار اتفاقات مكة، وقيل إن وفد فتح كان مؤيدا لعدم مشاركة محمد دحلان - المستشار الأمني للرئيس الفلسطيني والمتهم من قبل حماس بتفجير اتفاقات التهدئة السابقة - في مفاوضات القاهرة رغم وجوده في مصر؛ كي تنجح المفاوضات، وأكد أبو مرزوق أن وفد فتح اشترط عدم مشاركة دحلان رغم وجوده بالقاهرة لضمان نجاح أي اتفاق يتم التوصل إليه.
وبالتالي فالمواجهة تتركز بالأساس مع استمرار الفريق المتضرر من فوز حركة حماس في الانتخابات التشريعية الأخيرة، وهو تيار يقود انقلابا على هذه النتائج بوسائل مختلفة، مستقويا ببعض الأجهزة الأمنية وتحديدا التي تتبع الرئاسة، والتي أعلن مؤخرا - عبر تصريحات أمريكية متعددة - أنها تمول وتدرب وتسلح من أطراف دولية.
وربما يفسر هذا ما قاله أبو مرزوق - على هامش ندوة عقدها اتحاد الأطباء العرب 1/6/2007 تحت عنوان "وحدة الصف الفلسطيني" وشارك فيها العديد من الرموز السياسية والمثقفين المصريين ونواب البرلمان - إن حماس لن تنسحب من السلطة؛ لأن ذلك لن يخدم القضية الفلسطينية، ولن يخفف الضغوط على حماس، وإن تراجع حماس معناه انتصار العملاء، وإنه لو حدث هذا فسيكون التخلي عن السلطة "مقدمة لسلسلة من الضغوط التي سيتم ممارستها على الحركة داخليا وخارجيا، أولها نزع سلاح المقاومة، ثم بعد ذلك تغيير أيديولوجيتها وبرنامجها المقاوم". وأضاف: "إن ما يغضب الصهاينة من حكومة حماس هو توقف نزيف التنازلات المجانية التي كانت تقدم قبل نجاح حماس في الانتخابات؛ حيث توقف التنسيق الأمني مع الصهاينة، وتم حماية المقاومة بدلا من تجريمها واعتقال مؤيديها".
لا تهدئة بالمجان
وضمن جملة المصارحات والمكاشفات، شددت فصائل فلسطينية -خصوصا حماس والجهاد - في حوارات القاهرة الأخيرة على أن مسألة التهدئة ووقف إطلاق الصواريخ على الدولة العبرية لم يعد محل نقاش بدون ضمانات محددة، حيث اتفقت الفصائل ضمنا - خصوصا حركة حماس - على ضرورة اقتران أي تهدئة فلسطينية تجاه تل أبيب بضمانات أمريكية وإسرائيلية بوجود مقابل. واتفق قياديون من حماس وفتح على عدم منح التهدئة لإسرائيل في ظل أجواء التهديدات والعدوان والحصار المالي والاقتصادي الإسرائيلية، وأن يكون هناك مقابل للتهدئة، وترددت في أجواء اللقاءات عبارة: "لن نعطي تهدئة بالمجان".
أين الدعم العربي؟
أيضا ضمن المكاشفات والمصارحات ما قاله وفد حماس من أن الدول العربية تساند ضمنا الحصار الغربي والإسرائيلي على الشعب الفلسطيني بصمتها وعدم تفعيلها لبنود قرارات قمم عربية بكسر الحصار، رغم تقديم دول عربية مساندات مالية للشعب الفلسطيني بالفعل.
وما قيل عن أن هناك أطرافا عربية تسعى بالفعل لحصار حماس ورفض استمرارها في السلطة بزعم أنها حركة دينية وأن وجودها في السلطة ونجاحها معناه نجاح نموذج إسلامي في الحكم (رغم فارق الخصوصية في التجربة الفلسطينية)، بل تبني هذه الأطراف ترديد ذات المقولات الأمريكية من أنه لن يجري السماح بأي استقرار أو رفع للحصار ما لم تتنازل حماس عن السلطة، بدلا من الوقوف بجوار الحكومة الفلسطينية المنتخبة ومساندتها وفضح الازدواجية الأمريكية في التعامل مع الديمقراطية.
ترى هل تدعم مصارحات ومكاشفات القاهرة بين الفصائل الفلسطينية المختلفة الوحدة الفلسطينية وتعيد الهدوء والاستقرار لغزة وتلقي بالكرة في الملعب الإسرائيلي بالعودة للحديث عن الملف الأصلي وهو الاحتلال، أم أنها قد تأتي بأثر عكسي، بحيث لا تصبح هذه الحالة الانقلابية مستترة، خصوصا أن هذه القوى الانقلابية متنفذة في بعض الأجهزة الأمنية الهامة، كما يدعم تمردها ويتوافق معها في رفض سلطة حماس أطراف خارجية.
المحلل السياسي بشبكة إسلام أون لاين.نت
|