|
في بيت هناك بعيد هو.. قريب
كانت تعيش أروع زهرة
تضيء البيت نورا
في أرجاء البيت منتشرة بسماتها
إعصار هي بسماتها
تزيل ما يعلق بجدران البيت هما وحزنا
ويا لعينيها الحانيتين تبعث الأمل من جديد
لا يصبر عن رؤيتها ذاك البيت
لا يصبر عن سماع ضحكاتها
ولا يصبر عن حنو عينيها
بلا حدود عشقها
وبلا حدود حزنه بتركها
هكذا كان البيت يعيش
كله حب.. حنان.. أمل وسعادة
لا يعرف الألم ويجهل الحزن
إلي أن جاء ذاك اليوم اللعين
جرع الألم حتى روى
وذاق الحزن حتى أوشك على الانهيار
غاب النور
في ظلمة حالكة أضحى البيت
لم يعد يسمع ضحكاتها
أوشك على نسيانها بتلك الابتسامة
امتلأت عيناها دمعا
لم تعد تبعث الأمل
للحزن والألم هي رسول
صرخ البيت
صرخة هزت الأرض والسماء
هزت الشجر والحجر
تلاها أخرى
كالهمس كانت
كفاني ألما
كفاني عذابا
لم أعد الاحتمال
متى سيعود النور
متى سأسمع الضحكات
متى سأدنو لعينيها أشكو لها
متى سأقترب من حضنها أبكي
متى؟؟؟
(خاطرة كتبتها ابنة ترى الألم والمرض يصارع أمها)
النقد والتعليق:
أحمد زين
جميل أن يحتمي الإنسان بالقلم والورقة، بدلا من أن يلجأ إلى اليأس، رائع أن يتذكرهما المرء فيلجأ إليهما يشكو همه وآلامه، بدلا من أن يندب حظه؛ فقبل أن يكون الأدب متعة للقارئ فهو ملجأ للأديب نفسه، يعبر من خلاله عن تجاربه، عن رفضه واعتراضه، عن آلامه وأحزانه، عن مشاعره وأحاسيسه، وكم من أديب ما أظهرت موهبته سوى محنة أو ظرف مؤلم ألمّ به، فاعتقد أن الإبداع وليد لمعاناة مر بها الكاتب أو الأديب.
نعم أختي العزيزة فاتن، فكم شعرت بآلامك، واحتياجك إلى التعبير عنها، احتياجك إلى مشاركة الآخرين لك في تحملها، رغبتك في الصراخ، ولكن دون أصوات عالية مثلما اعتدنا دائما، فجاءت صرختك في هذه القصيدة، وبالفعل كانت سهما وصل إلى قلوبنا.
قرأت العمل لأول مرة.. وقرب نهايته كونت عنه رأيًا وحوله وجهة نظر؛ مفادها أن العمل على قدر من البساطة التي أخلّت بقيمته من الناحية الفنية.. لكنني لم أجد في نفسي إلا الرغبة في الانتهاء من العمل، والتواصل معه إلى منتهاه.. ففيه قدر من الصدق والدفء لا يخطئهما قارئ مهتم.. ويتغلبان على إحساس المتذوق بضعف العمل فنيًّا.. فهي أنات منتظمة، ولفح أنفاس تكاد تخبو..
وصدق حدسي إذ جاءت آخر جمل العمل كأهم أجزائه، رغم أنها ليست منه تماما، وهي جملة: "خاطرة كتبتها ابنة ترى الألم والمرض يصارع أمها"، هذه الجملة نجحت في إعادة تقييمي للعمل، أو على الأقل تساؤلاتي حوله.. إلى أي حد يرتبط الصدق الواقعي بالصدق الفني؟ بمعنى هل يمكن أن يكون صدق الواقع مدخلاً جيدًا للعمل الفني ليصل إلى القلوب حتى لو كان البناء الفني أضعف من مستوى الصدق الواقعي.
يمكننا هنا التفريق بين نوعين من الصدق: أولهما: ما طابق الشاعر فيه وقائع العالم الخارجي، وبتطبيق ذلك على النص نستطيع أن نقول: إن الصدق الواقعي قد توافر في حال ما إذا كانت الفتاة المبدعة قد كتبته تعبيرا عن حالة خاصة تعيشها نحو أمها بالفعل.. وثانيهما: الصدق المطابق للحالة النفسية التي يحياها الشاعر، وهو صدق عاطفته، أو بتعبير آخر الصدق الفني، وتطبيق ذلك على العمل الذي بين أيدينا هو أن تكون المبدعة قد كونت حالتها الشعورية في النص من خلال تجارب حولها، أو مشاهدات أدت إلى حشد عواطفها في اتجاه الإحساس بالأم المريضة..
هذا الصدق العفوي الملحوظ في جنبات هذا النص الفطري.. الذي أتصور أن وراءه موهبة مستعدة للانطلاق، شريطة أن تهتم بنفسها، وتعتني بما حباها الله، وليس أقصر من طريق القراءة المتواصلة للوصول إلى التميز والإبداع، وبغير ذلك ستبقى موهبتنا الصغيرة في محلها، بل وستتراجع؛ لأن ما يقبل من ابنة السادسة عشرة لن يقبل غدا من ابنة العشرين.
عدة ظواهر نستطيع أن نلتقطها من هذا النص، منها: الحيرة الشديدة التي ورطتنا فيها الكاتبة متعمدة في مثل قولها: "في بيت هناك بعيد هو.. قريب".
ومن هذه الظواهر أيضًا الصور المركبة التي تهتم بالتفاصيل الدقيقة التي يشعر معها المتلقي أن الحديث يدور عن بيته وجدرانه وذكرياته "إعصار هي بسماتها تزيل ما يعلق بجدران البيت هما وحزنا"، وألحظ التشبيه الجديد في جعل البسمة إعصارًا حتى لو لم تره مناسبا أو منطقيا بالنسبة للواقع؛ فإنه بالمنطق الفني يعبر عن "الاجتياح" الذي تعاني منه المبدعة.. ولا أجد لدي أكثر من الإشارة لبعض الجمل المشعة التي تصلح مقياسا صادقا لهذه الموهبة البريئة: "امتلأت عيناها دمعا.. لم تعد تبعث الأمل".. "متى سأدنو لعينيها أشكو لها"، "بلا حدود عشقها وبلا حدود حزنه بتركها"..
وأخيرا أقول لك صادقا يا من استشعرتِ الصدق لديك: أنت مشروع مبدعة واعدة فلا تفلتي الحلم من يديك.. وفي انتظار أعمالك الجديدة.. مع تحياتي.
|