|
| ميل جيبسون
|
لا عري.. لا عنف.. لا إثارة.. هذه هي اللاءات الثلاث التي رفعها فيلم العلامات signs.
جراهام هيس (ميل جيبسون) قسيس محبوب يتخلى عن إيمانه بعد حادث سيارة تعرضت له زوجته، وجاء جحوده نتيجة اهتزاز المسلمات لديه؛ فأين هذا الإله الذي عبده طويلا في الرخاء، ودعا الناس إليه؟ أين هو حين احتاج إليه؟ أين هو حين مرت زوجته بوقت عصيب؟ لِمَ لَمْ يسمع أناتي وصرخات زوجتي؟ هذا منطقه..
الشخصيات الرئيسية: "الأب" الذي لا يزال رعيته ينادونه بهذا اللقب رغم نهيه لهم عن ذلك، بل ويرغبون في الاعتراف له، وإشرافه على طقوسهم الدينية، وهو يعلن جحوده بربه كل لحظة، وأخوه لاعب البيسبول الفاشل المطرود من فريقه؛ لأنه يحب أن يلعب على هواه لا كما يقول المدرب (لاحظ التشابه بين الشقيقين) الذي ينضم لأخيه تعزية له بعد فقدانه زوجته، والطفلان: صبي وطفلة في عمر 11، 5 سنوات.
يقطن الجميع منزلا وسط حقول الذرة الكثيفة، ويضايقهما كل ليلة الأصوات المتوالية الغريبة التي تدق رءوسهم وتعذبهم، لا تلبث أن تظهر في الحقول علامات ورموز على مساحات شاسعة بما لا يمكن لبشر أن يصنعها -على عكس تحليلات البعض- ومع الوقت نكتشف أن ثمة مخلوقات فضائية ترسم هذه الإشارات في عدد ضخم من الحقول في العالم تمهيدا لغزوه..
يبدأ الغزو في العالم كله.. ويبدأ الأب في إدارة الأزمة من خلال اعتماده على ذاته، معبرا عن رفضه المساعدة من أي طرف خارجي (الله)؛ لأنه ببساطة لا يؤمن بأن هذا الطرف موجود أصلا، وحين سأله أخوه عن تفسيره لما يحدث أكد له أن البشر مجموعتان: "الأولى ستقول إنها معجزة، وإن ثمة من سيقف إلى جوارها في هذه الأزمة، وهؤلاء سعداء بالطبع. والآخرون تعساء؛ لأنهم يرون أنهم وحدهم في هذا العالم، وعليهم أن يواجهوا مصيرهم بأنفسهم؛ لأنه ليس ثمة من يستحق الثقة في هذا الكون، وأنا من الصنف الثاني"..
يناقش الفيلم مسألة: هل مهم للناس أن يؤمنوا بالله؟ أم أن هذا الإيمان ليس ذا فائدة في ظل التقدم والرفاهية التي ينعم بها البشر الآن؟
من خلال هذا القس الذي عرَّى نفسه عن الاستعانة بالإله أيا كان تصوره عنه حتى حين يشعر أولاده بالخوف، ويريدون أن يدعوا قبل تناول الطعام استنزالا للأمان؛ فإنه يرفض بشدة قائلا: "لن نضيع أوقاتنا في صلوات بعد اليوم.. لن ننشغل بالترهات ثانية.. الغذاء أمامنا وسنستمتع به، ولن يملك أحد أن يمنعنا من ذلك"، معبرا عن التوجه البشري نحو المادية ممثلا في الطعام.
وحين تتأزم الأمور وهم محبوسون في قبو المنزل هروبا من المخلوقات الفضائية التي اجتاحت منزلهم، تنتاب الصبي المريض أزمة صدرية طاحنة، ويكاد يموت؛ فنجد الأب على موقفه وأكثر؛ فهو يخاطب ربه قائلا وهو يضغط على أسنانه: "لا تفعلها ثانية.. كم أكرهك أيها المقيت.. ألم يكفك زوجتي؟"، ويحاول أن ينقذ ابنه معتمدا على إيهامه بالشفاء، وبث الأمل فيه فيتخلص الولد جزئيا من أزمته.
وحين تسير الأمور على نحو بدا كأن كفره نفعه، وأنه وحده أنقذ ولده، وأنه تحقق من عدم احتياجه لهذا السلطان "الموهوم" -حسب اعتقاده- يفاجأ بمخلوق فضائي يأسر ولده ويصب السم في أنفه..
يتذكر في تلك اللحظة زوجته وهو يودعها قبل أن تموت وقد نصحته "انظر ولتجعل أخاك يضرب بكل قوة".. ولا يفهم هذه العلامة في وقتها ويعجز عن تفسيرها، لكنه يلهم في الموقف أن يشير لأخيه بمضرب البيسبول الذي بجواره فيضرب الفضائي إلى أن يموت، لكن بعد أن ينفث السم في أنف الصبي.. ويعتقد الجمهور أن الولد مات إلى جوار الفضائي، لكنه حين يحمله أبوه بين يديه ويبكي يجد نبضا خافتا يتسلل إلى قلب الصبي؛ فتنهمر دموعه وتتغير لغته مع الله، ويتحول إلى الرجاء والاستكانة فينطلق لسان الصبي "من أنقذني يا أبي؟" هل تدخل أحد ليحييني؟ وينتهي الفيلم بعبارة البطل: "أعتقد..."، وفي مشهد الختام يرتدي البطل زي القس من جديد.
إن العلامات هنا هي ما صنعه الفضائيون في مستوى من مستويات الفهم، لكنها في الأعمق هي العلامات الآتية من الله، إنها الإلهام أو الكشف بتعبيرات أهل التصوف.. الإشارات التي تصل لكل منا، لكنه قد لا يفهمها إلا حين يحتاج إليها.
إن الفيلم يقول بوضوح: إن الفطرة النقية تنادي يا ربّ؛ فالأخ لاعب البيسبول حين يحادث القس ربه بكلمات غير لائقة فإنه ينظر إلى عينيه، ويقول: رأيت في عينيك نظرات لا أحب أن أراها مرة أخرى، إنها نظرات كريهة.
إن الفيلم يشير إلى أنه لا أمان في هذا العالم دون اعتقاد في الله؛ فالهلع الذي تملَّك أمريكا لم يتمكن من العالم.. فصوت المذيع في نشرة الأخبار كان ينطلق لقد استطاعت قريتان في الشرق الأوسط القضاء على المخلوقات الفضائية بطريقة بدائية جدا.
ويتحدث أيضا عن احتماء الناس بالمساجد والكنائس مع صورة شهيرة لمسجد قبة الصخرة.
أما أمريكا الغنية رمز الحضارة المادية فإن الهلع سيطر على الناس حتى لم يعرفوا كيف يتصرفون؟
هل هذا التوجه الروحاني لفيلم يمكن أن نتلمس جذوره وراء هندية المخرج "شاي مالان" المولود في مدراس 1970؟ هل هذا ما جعل الشعار الإعلاني للفيلم "ما يؤمن به الإنسان يمكن أن يحمي أهله"؟
حصول الفيلم على المركز الثاني في أفلام 2002 من حيث الإقبال الجماهيري.. هل سببه الأزمة الأمريكية المتمثلة في أن التقدم المادي لم يستطع أن يحقق لنا الأمان والراحة؟
الفيلم لم يكن فيه من العناصر النسائية سوى الزوجة وضابطة الشرطة، ولم تظهرا إلا في 3 دقائق من الفيلم، وحرص المخرج -وهو كاتب السيناريو كذلك- على عدم إبراز العنف؛ فلم يكن بالفيلم نقطة دم واحدة، بل تعمَّد عدم استغلال الرعب في العمل، رغم أن فكرة الفيلم خصبة بما يمكن أن يولد الرعب.. فمثلا اللقطات التي ظهرت فيها المخلوقات الفضائية غالبا ما أتت مشوشة أو عبر عواكس؛ فيمكن أن يراها البطل عبر نصل سكين أو باب ثلاجة أو مرآة.
اعتمد المخرج كذلك الانتقال بطريقة الإظلام التام بين المشاهد، وعادة ما استمر الإظلام ثانيتين تقريبا.. هذه الطريقة كانت كفيلة بأن يتوقع المشاهد بعدها الكثير من المفاجآت، لكن المفاجأة الحقيقية كانت في عدم وجود مفاجآت..
وبالمثل فإن الإضاءة الذكية ساهمت في تفاعل المشاهد مع العرض؛ ففي مشهد القبو حيث تجمعت الأسرة للهرب من المخلوقات الفضائية كان الاعتماد في الإضاءة على كشاف يدوي، ومن خلال المطاردات كان كثيرا ما يسقط أرضًا، ولا يكاد المشاهد يرى شيئا، ويكون التفاعل عبر الصوت الذي يوحي بأشياء من العنف والقتل.. دون أن يصدم المشاهد برؤيتها حقيقة.
الفيلم مختلف.. ويقدم جديدًا.. فهل يعبر هذا الجديد عن اتجاه جديد في المجتمع الأمريكي.. أم يظل فيلما وحسب؟
|