English

 

الأحد. يونيو. 3, 2007

ثقافة وفن » لغة وأدب

 
   
روابط من إسلام أون لاين

مبدعون أم مبتدعون؟

نبيل شبيب

معذرة إلى القـارئ إن وجد في السطور التالية كلمة أفلتت من الرقابة.. رقابة الضوابط العقلانية على لسان الوجدان، إذا ما تأثر ففرض على القلم أن يتدفق مداده متمردًا على صاحبه. إنّما لا يتخوَّفنَّ أحد أن تشمل الكلمات الهاربة سفاسف القول وشطحات الهوى ولو بدعوى الإفادة، فما قصدته لا يتجاوز أنك  – يا قارئي الكريم – قد تعدو معي كما أعدو مع عبارات تتسارع فتنصب إلى الورق.. وترتدي ما شاءت من الثياب فلا حيلة لصاحبها معها، فهي متأثرة تلقائيًّا بالأجواء كما نتأثر بفصول السنة شئنا أم أبينا، فإن كانت الأجواء ساخنة، خفَّت الثياب فكادت تبدي ما ينبغي أن يبقى مستترًا من أفكار، وإن غلب الصقيع أحسست بها ثقيلة تجرُّ الحروف والفِكَرَ جرَّا.. إنما لا يغير هذا ولا ذاك من التزام القلم نفسه بطيب القول وبالنأي عن خبيثه، فقد اعتاد الالتزام بضوابطه ولو غضب من أمر مشين. وهو التزام تصنعه العزيمة عن اقتناع، والقرار على بصيرة، ثم يصبح اعتيادًا يضبط نفسه بنفسه، سيَّان هل تدفق الكلام تدفقًا بحرارة تأثُّـر الوجدان، أم تأنَّت الحروف وتهادت كلمة بعد كلمة وعبارة بعد عبارة في بحث من البحوث المنهجية، وإن كانت ضوابط الالتزام حيَّة، تفعل فعلها فيما يسطره العقل أو الوجدان أو كلاهما معًا، وفيما يبدعه الفكر أو الإحساس أو كلاهما دون تمييز. وأما إن غابت الضوابط ابتداء فلن تجد لها أثرًا كريمًا في نتاج القلم تقليدًا أو إبداعًا، حتى وإن حاول أن يصطنعه صاحب القلم اصطناعًا، فالطبع يغلب التطبُّع، ولو نظرت إلى من يكتب السفاسف ويعتبرها إنتاجًا، في ميادين حياته الأخرى خارج ميدان الكتابة، لوجدت ما يتسرب عبر قلمه يرشح غالبًا من واقع حياته، وما الكتابة صنعة تقوم على تنضيد الألفاظ وتلميعها، وكما أنَّ الظلمة لا تحجب روائح الطيب في إبداع ملتزم، كذلك فتسليط الأضواء لا يزيل كريه الروائح عن إنتاج مكتوب يتأذى صاحبه من الرائحة الطيبة، كما يتأذى الإنسان السوي من نقيضها. وإن شئت قل شبيه ذلك في الرسم.. والنحت.. والإخراج السينمائي.. وتصميم الأزياء.. وكل ما له صلة بالأدب أو الفن أو الثقافة.. فأنت تعلم بما ردّده لسان العرب على الفطرة: إنّ كلّ إناء ينضح بما فيه !..

أرأيت أيها القارئ الصديق؟.. لقد كان الاعتذار في مطلع الحديث ضروريًّا، فقد جنح القلم عن أصل ما أردت أن يتحدث فيه، والأصح أن أقول: إن القلم حرّكه الوجدان فأراد.. ومضى صاحبه معه حيث شاء، وليس الموضوع الذي غلب على الساحة الأدبية والثقافية في الأيام الماضيات ممَّا أحب الحديث فيه عادة، ولكن لا خيار لديك في عصر الاتصالات السريعة الحديثة عندما يُعرض عليك فصل مأساوي آخر من رواية متعدّدة الفصول، فتتأثر ويأبى لسان وجدانك متابعة الصمت، وقد كنت تلجمه كيلا تخوض فيما لا تحب الخوض فيه وأنت تشهد فصولاً مشابهة من قبل. ويبدو أن تلك الفصول المتوالية باسم الثقافة والإبداع الثقافي لا تريد أن تنتهي، رغم أنها باتت عتيقة بالية، يكرر بعضها بعضـًا، وإن تمنطقت بنطاق " الحداثة " وعزفت لحن " الإبداع ".. فشخوصها ومخرجوها وعازفو ما يرافقها من ألحان.. جميعهم يمشون على آثار أسلاف من أمثالهم، طواهم التراب منذ عشرات السنين، ولئن عجز بعض معاصري أولئك الأسلاف عن التنبه في حينه لحقيقة ما صنعوا آنذاك،  وخطورة ما اعتبروه إبداعًا وروَّجوا له بمختلف الأساليب المشروعة والقسرية .. فهل يعجز الآن عن رؤية  "الحصيلة " الثقيلة إنسان ذو عينين وعقل، من المعاصرين لتلك الحصيلة مباشرة ؟!  بل سواء كان عاقلاً يبصر ويفكر، أم كان غير عاقل.. ولكن يحسّ ويشعر على الأقل، فنحن.. جميعًا دون تمييز، أعني النسبة العظمى من الأمة التي لا تأبه بما فعلوا أصلاً، فقد كانوا على الدوام ظاهرة جانبية محدودة العدد في المجتمع إن وصلت إلى موقع صناعة القرار فلظروف تاريخية غير مجهولة، كما أعني سائر أولئك الذين خاضوا المعركة " الثقافية " بين مُناصِر ومعارض وبين مؤيد ورافض لأطروحاتهم، نحن جميعًا نعاني اليوم من حصيلة ما صنعوا، أفلا يُحْكَم على الأمور – ولو كانت إبداعية – بنتائجها؟ نعاني من وطأة التخلف في كل ميدان.. لا الميادين الثقافية والأدبية والفنية فحسب، ونتذوق في كل يوم مرارة الهزائم على كل صعيد، لا مرارة الهزيمة الحضارية التي أسقطتنا على عتبة بساط أمريكي – يهودي الصنع فقط. وحتى لو أراد فريق من أهل بلادنا الاستسلام للضياع الذي خلفه مبدعون سابقون، وأن يختزل كما اختزلت دعواتهم العتيقة المتكررة اليوم على ألسنة خلفهم، كلّ جوانب الرقيّ البشري في بعض النزوات والشهوات والخبائث.. فهو رغم ادّعاء الرقي لا يركب إلى فضائياتها إلا على جناح قمر صناعي صنعه آخرون، وإن حَمْلق في الشاشة الصغيرة حملق وهو يصب " الكوكا كولا " في كأسه، ولا يتعامل مع أدوات "تشغيل" تلك النزوات والشهوات والخبائث، إلا بتقنية لا يكاد يفهم منها أكثر من استخدام أزرارها، بعد أن جعلنا الصناعة الوطنية تركيبًا محليًّا والتسلح العسكري استيرادًا مشروطًا والتخطيط القومي خبرة أجنبية، ولكن مضى من مضى فسبق سوانا فيما قلَّدهم به من مسابقات غناء ورقص، وليته سبقهم في مسابقات تعويد أدمغة الأطفال والناشئة على الابتكار والاختراع.. بدلاً من غسيل أدمغة الكبار أو تشريدها في الآفاق!..

لا تستغربنَّ أيها القارئ الكريم – إذن - أن يفلت في ساعة من التأثر الوجداني عند أي صاحب قلم، بعض التنهد من الأعماق إلى أطراف القلم كلامًا محترقًا لا يريد أن ينضبط بما اعتاد عليه من ضوابط، أو أن تغلب عليه أساليب التعبير الغاضب على أولئك.. الذين يريدون إطفاء غضب المثقفين الجامعيين الثائرين الغيورين على أمتهم ودينهم وثقافتهم، بصب الماء البارد من الخراطيم على رؤوسهم، وبتسييل الدموع مع الغاز الحارق من مآقيهم، وبتكديس الجرحى في المستشفيات، والمعتقلين وراء القضبان، وبغير ذلك من وسائل مبتدعة مبتكرة، تسـتحق أن يفتتح لها معرض وطني جديد تحت عنوان " فنون الإرهاب الإبداعية الحديثة"!..


  كاتب وباحث مقيم في ألمانيا.

 
أرسل لصديق أرسل لصديق

« 

ابحث

«

بحث متقدم