|
من خلف الكواليس وبعيدًا عن مسرح الحياة.. وفي عالم سرق السعادة من هذه المجرة وأخفاها لتكون عند أسرة صغيرة سعيدة رغم كل الظروف ومآسي الحياة، خلف الجبال الشمالية المليئة بأشجار الزيتون الطاهر، وفي قرية صغيرة عاشت هذه الأسرة.
كانت هذه الأسرة مكونة من أب وأم واثنين من الأولاد، رغم قسوة المعيشة.. فقد عاشوا حياة جميلة فيها حب وحنان، حياة ذات جو نقي صاف بعيدة عن صخب المدينة.. بين الأشجار والحقول المزروعة، وكانت البساطة مرسومة على وجوههم.. وعلى جباههم اللون القمحي الذي تهبه شمس الوطن للعاشقين لوطنهم.. وبعد عام كبرت هذه الأسرة وأصبحت من ثلاثة أولاد والأبوين، عملت هذه الأسرة بحب وجد ونضال وكفاح على مدار سنين، حتى بشرت الأم بحمل جديد ففرحوا بهذا الخبر، ودعا الله الجميع أن يكون المولود طفلة.. وكان لهم ما تمنوا من الله، فنظرت الأم إلى الطفلة الرائعة الجمال فابتسمت، فلم تكتمل الفرحة!!! فكانت النظرة الأولى والأخيرة.. حضرت الطفلة ورحلت الأم…
بدأت الطفلة تفتح نور عينيها على الدنيا وهي متربعة في الأجفان ومغطاة بالرموش، تتلقى الحنان والدلال والتقديس من كل من حولها كي لا تشعر بفقدان حنان الأم الضائع.. فرحت الطفلة تذبل.. فلم يبق طبيب ولا دواء حتى أصبحت هزيلة عليلة.. وفي ذلك المساء المظلم المخيف انطفأت شمعة نور من ذلك البيت، فناحت الدنيا من زهر وشجر، وحجر وبشر.. ترى من يجرؤ على غرس الوردة الطاهرة في التراب؟ لم يرض كل من في المعمورة وأصبح الأمر علي كفقدان الصواب.. لم أجد غيري أنا، أصبحت تناجيني الأقمار: بقساوة القلب تغرس أحلى الثمار!! مكانها جنات عدن وليس الأقذار فشيع عرس الأميرة بالدمع والأسى حتى توارت التراب، أنا من قسا قلبه وعمي بصره.. أصبحت الدنيا ظلامًا في عيني فقدت الصبر من شدة الأسى والبكاء على أختي الصغيرة الملاك الطاهر.
النقد والتعليق:
أخي الكريم محمد، حيرني عملك كثيرًا وتغيرت وجهة نظري فيه أكثر من مرة.. فأحيانًا رأيته جيدًا محكمًا وأحيانًا رأيته ضعيفًا مهلهلا، لكن بإمعان النظر… والتأني في الحكم رأيت عدة ملاحظات هي لك.. بين يديك..
الفكرة طازجة جديدة، وهي عن الأخ الذي يواري أخته الطفلة الرضيعة والتي جاءت ومع مجيئها توفيت أمها.. فأرادت أسرتها تعويضها عن غياب الأم لكن القدر لم يمهل الجميع فأخذ الطفلة بعد صراع مع المرض.. والفكرة تجري مع الأخ في حسرته وضيقه وخنقه.
حلق الكاتب في أجواء الرومانسية بقصد أو دون قصد.. تأخذ بعدد مظاهر الطبيعة ويصفها، ويحاول أن يربط بينها وبين مشاعر الأبطال.. أستطيع أن أقول بأن الكاتب وقع في فخ (الاستسهال) فعلى (على جباههم اللون القمحي الذي تهبه شمس الوطن للعاشقين لوطنهم)، وكذلك الجملة الرائعة.."أصبحت تناجيني الأقمار" والتي لولا السجع المتكلف الذي جاء بعدها لكانت أجمل وأروع..
على الرغم من هذه الجمل الرشيقة والخيال الخصب نحو جمل غاية في الترهل والخروج عن السياق "فلم يبق طبيب ولا دواء حتى أصبحت هزيلة عليلة"، وكذلك "وأصبح الأمر عليّ كفقدان الصواب".. فمثل هذه الجملة تشي بأن (محمد) لم يراجع عمله بعد كتابته وكأنه أزاح بإنهاء العمل عبئًا عن كاهله ولم يرد أن يراه مرة أخرى.. ولو أعاد تنقيحه وتعديل أسلوبه وصياغاته لقدم نفسه بشكل أفضل وأجمل.
كما عاب العمل كم المبالغات الشديدة المقحمة في العمل التي وصلت به إلى الفواجع والمآسي التي كانت تقرأ في منتصف القرن الثامن عشر؛ فالأم تموت تلد ابنتها ثم تموت الطفلة.. كأننا إزاء أبطال أسطوريين في الأدب اليوناني.. أضف إلى ذلك ما حشدته يا محمد من كلمات موغلة في الاستهلاك، وهو ما يسميه النقاد (كلمات مبتذلة)، وهي التي تحولت مع الزمن إلى كلمات لا تؤدي معاني خاصة إذا لم توضع في سياق مناسب لها..
وأمثلة ذلك (كواليس)، (مسرح الحياة)، (صخب المدينة)، (انطفأت شمعة)، (جنات عدن)، (قسا قلبه وعمي بصره)، (شدة الأسى والبكاء)، (المعمورة)، (توازن التراب)، وهو ما يذكر بألفاظ الروايات المصرية والتي تجاوزتها لغة الكتابة الأدبية منذ زمن..
صديقي تحتاج إلى التركيز أكثر؛ فاستخدامك لحروف العطف مثلا يشوبه العديد من الأخطاء وانظر إلى جملة: "حتى بشرت الأم بحمل جديد ففرحوا بهذا الخبر، ودعا الله الجميع أن يكون المولود طفلة.. وكان لهم ما تمنوا من الله فنظرت الأم إلى الطفلة الرائعة الجمال فابتسمت، فلم تكتمل الفرحة!!! فكانت النظرة الأولى والأخيرة"، فيها كم كبير من حروف العطف التي تصيب السياق بالترهل، كما أن استخدام حرف الفاء جاء في غير موضعه، والمفروض في هذا السياق استخدام (لكن) فتصبح الجملة لكن لم تكتمل الفرحة...
أخيرا يا صديقي أعد النظر في عملك في ضوء هذه الملاحظات.. وتعلّم دومًا أن تنظر في عملك بعد إنجازه، ولا تنسنا في تواصلك وأعمالك القادمة.
|