English

 

السبت. يونيو. 2, 2007

أخبار وتحليلات » تحليلات وآراء » المنطقة العربية » لبنان

 
   
روابط من إسلام أون لاين  
أهم الأخبار  

هل يشهد لبنان "رئيسين وحكومتين"؟!

فتحي محمود

Image
تعليقا على القرار 1757
(جريدة السفيراللبنانية 2 يونيو)
لن يتمكن لبنان من فتح صفحة جديدة بعد قرار مجلس الأمن بإنشاء محكمة ذات طابع دولي بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة لمحاكمة قتلة رفيق الحريري، لأنه لم يطو بعد صفحات كثيرة ما زالت مفتوحة، ذلك أن موضوع المحكمة الدولية هو مظهر من مظاهر الأزمة وليس سببا لها.

والمشكلة الحقيقية التي تواجه اللبنانيين الآن هي الاستحقاق الرئاسي الجديد، واضطرار نبيه بري رئيس مجلس النواب إلى الدعوة لعقد جلسة خاصة للمجلس يوم 25 سبتمبر المقبل طبقا للدستور لانتخاب رئيس جديد للبنان خلفا للرئيس الحالي "إميل لحود" الذي تنتهي ولايته الثانية في شهر نوفمبر المقبل، والذي كان التمديد له في عام 2004 الشرارة الأولى التي أشعلت الأزمة اللبنانية الحالية. وإذا لم ينجح اللبنانيون في التوافق على رئيس جديد فسيجدون أنفسهم أمام بلد به رئيسان وحكومتان وشعب منكوب.

كل الأزمات تراوح مكانها

وبينما ترى المعارضة اللبنانية الآن أن المدخل الحقيقي للحل يبدأ بتشكيل حكومة وحدة وطنية وصولا إلى الانتخابات الرئاسية، ترى الأغلبية النيابية العكس؛ أي الاتفاق أولا على الرئيس المقبل ثم تشكيل الحكومة الجديدة بعد انتخابه.

والسؤال الذي يثير هواجس قوى الأغلبية هو: لماذا تصر المعارضة -وخاصة حلفاء سوريا- على تشكيل حكومة جديدة تارة تحت اسم حكومة "وحدة وطنية" من خلال توسيع الحكومة الحالية يكون للمعارضة فيها "الثلث المعطل" لعرقلة إنشاء المحكمة ذات الطابع الدولي قبيل أن يقرها مجلس الأمن يوم 30 مايو 2007، وتارة تحت اسم "حكومة إنقاذ" أو "طوارئ"، كان أول من اقترحها هو الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله، ربما استعدادا لتعطيل الانتخابات الرئاسية المقبلة، بحيث تكون الحكومة السداسية المؤلفة من الأقطاب التي اقترحها لحود هي التي تتسلم زمام السلطة بالوكالة، إلى أن يتم الاتفاق على انتخاب رئيس للجمهورية، وهو اتفاق يتعذر التوصل إليه في ظل الظروف الراهنة.

وهذا ما جعل قادة في "حزب الله" يعلنون عن استعدادهم للإبقاء على الوضع الراهن حتى موعد إجراء الانتخابات النيابية المقبلة، أي بعد عامين، أو قبل هذا الموعد إذا جرت انتخابات مبكرة، بحيث ينتخب مجلس النواب الجديد المنبثق من هذه الانتخابات رئيسا للجمهورية خلفا للرئيس لحود.

وترى الأوساط نفسها أن الانتقال إلى البحث في أسماء المرشحين للرئاسة الأولى وغربلتها توصلاً إلى اتفاق على المرشح المقبول من جميع الفرقاء أو من غالبيتهم الساحقة، هو الأجدى والأفضل من البحث في تشكيل حكومة جديدة، سواء أكانت من سياسيين أو من مستقلين غير سياسيين؛ لأن الاتفاق على شخص الرئيس المقبل للجمهورية، يظل أسهل من الاتفاق على اختيار رئيس للحكومة وتسمية الوزراء، وتوزيع الحقائب، وما يواجه ذلك من تعقيدات وتجاذبات قد تزيد الوضع تأزما إلا إذا كان لدى المعارضة سيناريو آخر تضمره، كأن تكون الحكومة التي يصرون على تشكيلها حتى لو قبل أسابيع أو أيام من انتهاء ولاية الرئيس لحود، هي التي ستتسلم زمام السلطة بالوكالة لأن في نيتهم تعطيل إجراء الانتخابات الرئاسية في موعدها الدستوري؛ لأن نتائجها قد تكون غير مضمونة بالنسبة إلى فوز المرشح المرغوب فيه سوريًّا، ويعملون على تأجيل إجرائها إلى الوقت الذي يصبح فيه فوز هذا المرشح مضمونا.

ويرى فريق الأغلبية أيضا أن المحكمة ذات الطابع الدولي قد تخطت كل العوائق، وما كان يمكن لإميل لحود أن يفتعله من إشكاليات دستورية للحيلولة دون التوصل إلى إبرام اتفاق من دولة إلى دولة لاختيار مقر للمحكمة الخاصة بلبنان، تخطاه قرار مجلس الأمن، فالعرقلة اللبنانية تنقل هذا الملف إلى عهدة الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون، ليعقد هو الاتفاق من دون أن يكون ملزما بالرأي اللبناني، كما أن ما كان يمكن أن يقوم به رئيس مجلس النواب نبيه بري بمنع مجلس النواب من الانعقاد للتصديق على اتفاقية المساهمة اللبنانية في تمويل المحكمة ذات الطابع الدولي جرى تخطيه أيضا، فلبنان يمكن أن يساهم بذاك المبلغ الذي يستطيع مجلس الوزراء إقراره من دون أن يكون بحاجة للمجلس النيابي، أي اتفاقية مالية أفقها سنة واحدة.

ولذلك تتوقع الأغلبية أن تتحرك الحكومة الحالية بسرعة لإنجاز ما عليها في موضوع المحكمة الدولية، حيث يمكن للحكومة من الآن أن تقدم مساهمتها المالية لسنة، وأن ترفع لائحة باثني عشر قاضيا إلى الأمين العام للأمم المتحدة ليختار منهم القضاة اللبنانيين الذين سيكونون في صلب أجهزة المحكمة بدءاً بمساعد النائب العام مرورا بعضو المحكمة الابتدائية وصولاً إلى عضوي المحكمة الاستئنافية.

وبعد إنجاز الحكومة لهذه المهمة، يستطيع لبنان أن يفتح حواراً سياسياً لإنجاز تغيير رئاسي أكثر إلحاحاً من التغيير الحكومي، حوار بخطوط حمر عنوانها الأول حماية كل القرارات التي اتخذت لمصلحة إنشاء المحكمة ذات الطابع الدولي، وعنوانها الثاني سقوط كل حصانة عن أي شخصية سياسية تأتي إلى السلطة إذا تبين أن لها صلة بجريمة اغتيال رفيق الحريري وسائر جرائم الاغتيال الأخرى.

وفي هذا الإطار طرحت قوى الأغلبية مبادرة سياسية دعت فيها المعارضة إلى إعادة إحياء ما سمّته "التسوية التاريخية" المنطلقة من صيغة ميثاق 1943 والتي عاود اتفاق الطائف إحياءها عام 1989، كما طرحت تغيير "الزمن اللبناني" عبر خطوات اعتبرتها "ثوابت وطنية" تتعلق بالتركيبة اللبنانية بعيداً عن أي ثنائيات أو ثلاثيات طائفية، كما تتضمّن "الثوابت" الالتزام بمبادرة السلام العربية التي أكدتها قمة الرياض، وكذلك اعتراف سوريا بنهائية الكيان اللبناني وإقامة علاقات دبلوماسية بين البلدين، وأعلنت أنها "تمدّ يدها للجميع بلا استثناء لتوفير المناخات الملائمة لإجراء الانتخابات الرئاسية في موعدها الدستوري، تليها حكومة وحدة وطنية تنهض بكل مستلزمات الشراكة الوطنية.

على الجانب الآخر، ترى المعارضة أن الأولوية هي في تشكيل حكومة جديدة تتولى مواجهات الأزمات والاستحقاقات المطروحة أمام اللبنانيين.

ويترجم رئيس مجلس النواب نبيه بري ذلك في كلمات نقلها عنه بعض المقربين منه تقول: "لا حوار قبل استقالة الحكومة، وبعدها نناقش القضايا الخلافية ونتفق على برنامج عمل الحكومة الجديدة، وقد ثبت بالملموس وبالدليل القاطع أن فريق السلطة لا يريد المحكمة وإنما يريد التحكم والاستثمار على المحكمة، وكانت حجتهم في رفض حكومة الوحدة الوطنية وإعطاء الثلث الضامن للمعارضة فيها أنهم يخافون من تعطيل إنشاء المحكمة الدولية، واليوم يقولون إن المحكمة صارت وراءنا، فلماذا لا يتجاوبون مع طرح حكومة الوحدة الوطنية؟". ويضيف بري: "الواضح أنهم لجئوا إلى ربط حكومة الوحدة الوطنية بمشجب آخر هو رئاسة الجمهورية، وسيعتبرون أن طرح المعارضة تأليف حكومة إنقاذ أو حكومة طوارئ أو حكومة وحدة وطنية هو لتعطيل الاستحقاق الرئاسي، ربما أصبحت الحكومة وراء ظهورهم، ولكن المحكمة ما زالت أمامهم لأنهم مصممون على السير بها قدماً، ولكن لا تزال أمامها مسيرة صعبة ومعقدة لكي تنشأ".

لبنان والخطوات الكارثية

وما يؤكد أن الفشل في التوافق على مرشح رئاسي منذ الآن سيقود البلاد إلى خطوات كارثية، معلومات أكدها مصدر لبناني معارض عن أن الرئيس إميل لحود سيقوم خلال أسابيع قليلة جدا بتأليف حكومة ثانية، انطلاقاً من موقفه بأنه لا يسلم السلطة إلى حكومة يراها غير شرعية وغير ميثاقية، هي حكومة فؤاد السنيورة.

هذا الأمر يشير إلى حجم المأزق الذي ينتظر البلاد في ظل إصرار رئيس الجمهورية على الاجتهاد في ممارسة صلاحياته الدستورية من جهة، وعلى فرض توازن قوي جديد في البلاد من جهة أخرى، لا يقتصر على رفض قوى الأغلبية له، بل على اقترانه بتأييد فرقاء المعارضة له، ويضع الجيش في حال لا يُحسد عليها بين فكين: ما يجري في الشمال من معارك مع تنظيم فتح الإسلام، وما ينتظر اللبنانيين من انقسام أوسع نطاقاً في المؤسسات الدستورية.

وقد ترد الأغلبية على ذلك بعقد جلسة نيابية يتم فيها اختيار رئيس جديد للجمهورية بالأغلبية المطلقة التي تملكها، خاصة أن بعض فقهاء الدستور يجيزون ذلك، ما يعني أن لبنان سيكون لديه رئيسان للجمهورية، وحكومتان.

لكن ثمة معلومات تؤكد أن فرنسا في عهد ساركوزي لديها اهتمام بالغ بحل الأزمة في لبنان قبل أن تصل إلى هذا المدى، وتسعى إلى الانفتاح على جميع القوى السياسية، ولذلك استقبل المسئولون في الخارجية الفرنسية خلال الأيام الأخيرة أحد أعضاء البرلمان اللبناني عن حزب الله وهو النائب حسن حب الله، كما عقد وزير الخارجية الفرنسية "برنار كوشنير" اجتماعين خلال اليومين الماضيين مع العماد ميشال عون زعيم التيار الوطني الحر، وسيكون هناك لقاءات مع عناصر لبنانية أخرى خلال الأيام المقبلة، تمهيدا لقيام فرنسا بطرح مبادرة بالدعوة إلى مؤتمر حوار حول لبنان تحضره بعض الأطراف العربية ومنها سوريا والسعودية والجامعة العربية، والاتحاد الأوروبي، وإيران، للوصول إلى حل متكامل لجميع عناصر الأزمة الحالية، وخاصة ما يتعلق بالانتخابات الرئاسية المقبلة.

فهذه الانتخابات هي أول استحقاق رئاسي في زمن السيادة والانهيار معاً، وفى زمن الحرب الكونية على الإرهاب، وفى زمن المتغيرات اللبنانية العميقة والحادة بعد اغتيال رفيق الحريري، وفي زمن الصراع الهائل بين مشروعي الدولة القادرة والفوضى الشاملة في لبنان، ولذلك لم تعد هذه الانتخابات مسألة سيناريوهات توافقية أو صدامية، وإنما تعبير صادق عن خيارات المستقبل أمام اللبنانيين.


 نائب رئيس تحرير جريدة الأهرام، ومدير مكتب الأهرام السابق في لبنان.

 

أرسل لصديق أرسل لصديق

 

 

«

ابحث

«

بحث متقدم

أخبار وتحليلات
  ساحات الحوار
أخبار وتحليلات
خدمات