English

 

السبت. يوليو. 27, 2002

ثقافة وفن » نادي المبدعين » الخواطر والمقالات

 

خبز الشهداء

Image
ابتسم محيا الوطن في وجه "نازك"، وأشرق الصباح في عينيها بعد إعصار ألم الانفجارات العاصفة في الأجواء، تصدعت المآذن وقطعت الأشجار، ودفنت أفراح الطفولة في مهدها

طفلة الحكاية قلب ساكن في جسد الأحرار

ملء عينيها حراك مندفع لكون جميل في المخيلة الحالمة

ينشد فيه صورة الطفولة المخبأة في طيور محلقة على الأغصان

تغرد لأفراح الطفولة في الغد الباسم في وحي الخيال

ها هي تستيقظ مع إسفار فجر هدوء المدينة الحزينة من إعصار النيران والانفجارات..

لك الله يا جنين القسام

وقد أغرق ثوبك الصفصافي بالدماء

ألقت طفلة السلام ابتسامتها لمدينتها الحزينة

وأودعت يديها لدفء أحضان يد الأب الكادح في ضنك العيش وبسالة مقاومة جذور الأرض

قد هدأ روعها قليلا وهي تنصت لأنين الصباح وقد أخذ يخفت شيئا فشيئا

ابتسم قلبها لنسمات العمر وهي تأخذ أنفاسها رويدا رويدا

طارت عيناها للمقاومين وقد سترتهم الأرض، وها هي البندقية تغشاها بركة نعاس مؤمن في أجواء عراك محتدم لحفظ العرض والدار؛ والانقضاض على الذئب المتوحش الذي أتقن لعبته البشعة.. بنهم بشع.. في صنع مجازر اللحوم البشرية الملقاة على بساط أرض مدينة الأحزان

ودعت الدار طفلتي وفي مقلتيها حنين الشوق

عانقت مدارج الأسواق وقد دنت إليها لأخذ بضع لقيمات في ظل هدوء العاصفة

ها هو ضجيج السوق يعلو وقد دب الحراك في الأرواح، فتجمعت في بضع لحظات لأخذ زاد ماء قبيل إيذان عمر المجازر ونزف الدماء وسعار الذئاب الشارونية في سطوة إبادة الروح والجسد الفلسطيني من الوجود

كان الأمان لحظات

بل كان أسطورة في الخداع بالأمان وهدوء عاصفة النيران

كيف يلتقي الأمان في ساحة العراك مع ذئاب المكر والغدر والطغيان

قد عاجل الذئب طفلة الحكاية بطلقاته التي تفتت الجسد والروح معا

قد أسلمت روحها الطاهرة بين يدي أب الصمود وكدح الحكاية

وغدت طفلة السلام في مواكب الشهداء، وقد احتضنت خبز الوطن والحرية في صدرها المتفجر دماء فاختلط القلب الطازج البريء.. بخبز الوطن والحرية في لحظة الوداع من الوجود

يا لشفافية شذى عبير الوداع

يا لجمالك يا قمرية شدو وداع الشهداء

قد ألقى الشهداء لك تحيات مجد الإباء

وعانقت أرواحهم الخبز البلدي الذي احتضنه صدرك البريء في أجمل عناق

إنه الخبز المنحدر من بطن الأرض الصامدة التي تحمل في رحمها ميلاد الشهداء

خبزك البلدي.. حمل وصايا الشهداء وسفر حرية الوطن وترانيم غناء طيور الأغصان

لوداع الشهداء، وحرية الأرض وعشق الأحلام الوادعة؛ في إنشاد بلبل الحكاية في يوم ما..

في الأجواء الربيعية الجميلة

في عطر تحرر الأرض من قيود خفافيش لصوص الظلام

الذين آذوا أسماعنا بأساطير خطبهم الفارغة في ألحان السلام والاستسلام

إنهم الغربان السود في يومنا الداجي بأرق الهوان

وأنت.. طفلتي.. الحلم الوادع في شدو البلابل؛ في إشراقة حرية الصباح القادمة لا محالة في مخيلة الوجدان


النقد والتعليق:

السيناريست والقاص: عماد مطاوع

كان الوطن وسيظل واحدًا من أهم الأهداف التي تسعى إليها قوافل الكلمات والتي يمم المبدعون وجوههم شطره. والتاريخ الأدبي يحفل بالكثير من الأعمال التي خلد كتابها أهم المراحل والأحداث في حياة أوطانهم، مثل ذلك رائعة الكاتب الروسي "لتولستوي" "الحرب والسلام" التي رصد فيها مرحلة من أخطر المراحل التي مرت بها بلاده، وإبداعات الأمريكي "أرنست هيمنجواي"… ولعل أبرزها رواية "لمن تقرع الأجراس" التي رصد فيها وقائع الثورة الأسبانية إبان ثلاثينيات القرن الماضي.

ولعل الكاتب المصري نجيب محفوظ أبرز من تماسوا مع أوطانهم وقضاياها وظهر ذلك في معظم إنتاجه، وإن كان أبرزها الثلاثية الشهيرة "بين القصرين"، و"قصر الشوق"، و"السكرية". كما أن الكاتب العربي عبد الرحمن منيف أرّخ لتحولات مجتمع الصحراء، وبالمثل زميله الليبي إبراهيم الكوني.

وربما كانت القضية الفلسطينية سمتًا خاصًا، لأنه يعكس روح من يعانون بالفعل من الكارثة، ولعل كتابًا فلسطينيين كثيرين كان لهم إنتاجهم المرموق مثل إبراهيم طوقان وإميل حبيبي وغسان كنفاني ومحمود درويش وسميح القاسم ومريد البرغوثي وأحمد دبور وغيرهم كثير.

وفي قصة "خبز الشهداء" لكاتبتها سعاد جبر نلمح هذا الحس الوطني المتفجر والمحمل بعبء الوطن السليب النازف.

وهي تروي قصة طفلة صغيرة ترى العالم بعين حالمة غضة، تتأمل جمال مدينتها "جنين" وصفاء جوها، ثم تفاجأ ذات صباح بالدماء تكسو وجه هذه المدينة الحالمة، وتتبدل الأحوال وتصدم الطفلة بمشاهد القتل والتدمير، ثم ما تلبث أن تُغتال هي الأخرى على يد جندي همجي من بقايا فلول المخربين الممتلئة بهم سلال التاريخ القذرة وتؤكد نهايتهم القذرة أيضًا.

ومع الإعجاب الشديد بهذه الحالة التي رصدتها الكاتبة، وبهذا الحشد الشعوري العميق، مع هذا كله أجدني مطالبا بترديد مقولة "إن الأهداف النبيلة لا تصنع وحدها فنًا جميلا".

وسبب ذلك أن الكاتبة استعرضت في ثوب تقريري شديد المباشرة حالة قصصية، لم تجاهد كيما تحافظ على بنائها بما يضمن لها أن تنتج نصا فنيا راقيا، بل إننا نجدها توزع النص ما بين قطع بلاغية إنشائية مثل استهلالها في بداية القصة..

"ابتسم محيا الوطن في وجه طفولة نازك براءة السلام وأشرق الصباح في عينها بعد إعصار ألم الانفجارات العاصفة في الأجواء".

وبين لحظات قصصية تصف حالة الطفلة، لكنها أيضًا لا تخلو من الاستعراضات البلاغية، ثم يتطور الأمر لنفاجأ بالكاتبة تضع لنا جملا إنشائية بلاغية تحاكي بها الحكم القديمة أو الأقوال المأثورة، مثل:

"بل كان أسطورة في الخداع بالأمان وهدوء عاصفة النيران

كيف يلتقي الأمان في ساحة العراك مع ذئاب المكر والغدر والطغيان"

ثم في استدعاء لشعرية تائهة ما بين الخطابية والتقريرية تقول الكاتبة:

"يا لشفافية شذى عبير الوداع

يا لجمالك يا قمرية شدو وداع الشهداء

قد ألقى الشهداء لك تحيات مجد الإباء"

إلا أن هذا كله لا ينفي ذكاء الكاتبة في اختيار اسم النص/القصة، كما أن تشبيهاتها وجملها تؤكد امتلاكها حسًا لغويًا جيدًا، إلا أن أسلوبها في الكتابة بالإضافة إلى طريقة توزيعها للجمل في فضاء الصفحات يجعلني أقف متحيرًا أمام تجربتها تلك التي ابتعدت عن القصة قليلا واقتربت من اللوحة القصصية التي تستفيد من المقال والشعر والحكاية.

أختي الكريمة سعاد، اسمحي لي أن أقول لك: حرام عليك أن تهدري هذا الوميض الذي ألمحه واضحًا لديك، الذي اعتدنا على تسميته "الموهبة"، بأن تخفيه وراء كثافة الاصطناع والتكلف والجري وراء الألفاظ الرنانة والتشبيهات المغرقة في تفصيلاتها دون طائل فني. وفي انتظار أعمالك وأخبارك.

 
أرسل لصديق أرسل لصديق

« 

ابحث

«

بحث متقدم