|
السيد محمد حسين فضل الله وموفدة شبكة إسلام أون لاين |
أكد المرجع البارز سماحة السيد "محمد حسين فضل الله" أن ما يحدث في الشمال اللبناني بين تنظيم فتح الإسلام والجيش اللبناني بعيد كل البعد عن أي شبهة مذهبية، ولا تمس العلاقات بين السنة والشيعة؛ لأن هذه الأحداث لم تنطلق من وضع شيعي يواجه وضعا سنيًّا أو بالعكس، بل إنها مسألة تعني بخروج هذا التنظيم عن القانون ومواجهته للسلطة.
وفي حواره مع موفدة شبكة إسلام أون لاين.نت، اعتبر السيد فضل الله أن تنظيم القاعدة وما قد يتفرع عنه من خيوط يتحرك في المنطقة وفق حركة الفوضى الخلاقة التي تسعى الإدارة الأمريكية الحالية لتكريسها في إطار خططها للسيطرة على مقدرات المنطقة وثرواتها الاقتصادية ومواقعها الإستراتيجية. وهذا يفسر لماذا تواجد تنظيم القاعدة بالعراق بعد الاحتلال الأمريكي، ويفسر كذلك بعض ما يحدث في لبنان، إذ هناك أكثر من جهة محلية أو إقليمية أو دولية تحاول خلط الأوراق بالطريقة التي يمكن من خلالها إيجاد بعض المناخات المناسبة للمشاريع الأمريكية في المنطقة.
ورأى السيد فضل الله، وهو واحد من أبرز ممثلي الاتجاه الوسطي الإسلامي، ومعروف بفتاويه وآرائه ومنهجه في التقريب بين المذاهب الإسلامية ورأب الصدع بين السنة والشيعة، أن هذا التوقيت ليس المناسب لإثارة خلافات تاريخية بين المسلمين حول قضية الخلافة والإمامة، وأن هذه المرحلة لا تحتمل أي نوع من أنواع إثارة الحساسيات والعصبيات وإثارة المفردات التي تثير المسلمين هنا وهناك، بل هي مرحلة لا بد فيها أن يتوحد المسلمون كافة لمواجهة الأخطار التي تحيق بالإسلام والمسلمين على كافة المستويات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والأمنية بعد أن أقر الغرب صراحة منذ سقوط الاتحاد السوفيتي بأن الإسلام هو العدو الجديد أو البديل. وهو الأمر الذي يحتم على الأجيال المسلمة أن تعيه حتى يمكن أن نحفظ وجودنا ومقدراتنا ومواقعنا ونخطط لمستقبلنا.
وفيما يلي نص الحوار:
* ثمة تداخل لا يخفى بين المحلي والإقليمي والدولي فيما يخص الشأن اللبناني، وفي هذا السياق يرى البعض أن ظاهرة "فتح الإسلام" ليست لبنانية خالصة.. هل تعتقدون بوجود أطراف خارجية تحرك الفوضى في لبنان، ومن هو الطرف أو الأطراف الخفية التي ربما لها شأن بما يحدث؟.
- عندما ندرس المرحلة التي يمر بها الشرق الأوسط، فإننا نجد أن الإدارة الأمريكية الحالية تتحرك من أجل السيطرة على مقدرات المنطقة وثرواتها الاقتصادية ومواقعها الإستراتيجية.
وعند تتبع ودراسة ما تتحدث به هذه الإدارة أو ما يصدر عنها. نجد أنها تختزل مشاريع تعبر عن دولة "الإمبراطورية" التي تحكم العالم، وتريد أن تتحرك لتطوق كل المشاريع وكل الخطوط التي قد لا تلتقي بسياستها، سواء بطريقة العنف السياسي أو العنف الأمني أو العنف الاقتصادي.
ولذا عندما ندرس الواقع الموجود في المنطقة نلاحظ أن تنظيم القاعدة وما قد يتفرع عنه من خطوط أو خيوط تختلف أسماؤها يتحرك من خلال حركة الصراع الموجودة، والتي تعتمد الفوضى الأمنية التي عبرت عنها الإدارة الأمريكية بأنها الفوضى الخلاقة أو الفوضى البناءة.
ونعرف أنه لم يكن للقاعدة وجود بالعراق قبل الانقلاب على النظام الطاغي السابق، لكن العراق تحول إلى أن يكون قاعدة لكل الخطوط التكفيرية التي انطلقت من خلال أكثر من فكر سلفي حاد يختزن في داخل شخصيته تكفير بعض المسلمين واستحلال دمائهم وما إلى ذلك.
وما نلاحظه في لبنان هو أن هناك أكثر من جهة سواء كانت إقليمية أو دولية أو محلية تحاول خلط الأوراق بالطريقة التي يمكن من خلالها إيجاد بعض المناخات المناسبة للمشاريع الأمريكية في المنطقة.
* كيف يمكن أن تؤثر الأحداث الجارية على العلاقة بين السنة والشيعة في لبنان، وخاصة في ضوء الخلافات السياسية التي يعيشها البلد؟
- أنا لا أعتقد أن هذه الأحداث يمكن أن تترك أي تأثير في مسألة العلاقات بين السنة والشيعة؛ لأنها لا تتمحور حول الصراع المذهبي. كما أن الصراع السياسي القائم منذ فترة بين المعارضة وفريق السلطة أو فريق الأكثرية لم ينطلق خصوصيات مذهبية، فالمعارضة تحتضن كل الطوائف، والموالاة تحتضن كل الطوائف أيضا.
وقد حاولت بعض الشخصيات اللبنانية أن تثير المسألة المذهبية على خلفية الزعامة الطائفية أو المذهبية وما إلى ذلك، لأجل تغذية المناخ الذي تحاول أمريكا أن تثيره في المنطقة وإشعال الفتنة بين السنة والشيعة. لكننا نعتقد أن هؤلاء لم ينجحوا في إثارة المسألة المذهبية في لبنان بالطريقة التي يمكن أن تشكل خطرًا على العلاقات المذهبية بين السنة والشيعة.
وبالنسبة لأحداث الشمال، فإنها لم تنطلق من وضع شيعي يواجه وضعا سنيا أو بالعكس، بل إذا أردنا أن نتحدث عن بعض المصطلحات، نرى أن المسألة قد تكون سنية-سنية، أو أنها قضية السلطة وقضية الخارجين عن القانون في مواجهة السلطة.
* كيف تقرؤون موقف السيد حسن نصر الله من مواجهات الشمال حين قال إن اقتحام المخيم يعتبر خطا أحمر؟
- أعتقد أن الرجل كان عاقلا في ما طرحه من أفكار. وكان يحاول أن يدرس المسألة دراسة واقعية حسب الظروف المحيطة بالمشكلة في هذا المجال. وإن كان البعض قد علق على تصريحاته. لكنه حينما ذكر أن اقتحام المخيم خط أخمر، فهو كان يقصد المدنيين وتحييدهم، ولا يقصد أبدا أن يساوي بين الجيش وبين فريق أو تنظيم يقف ضده أو قام ببعض الأعمال السلبية ضده.
قلتم في إحدى المحاضرات إن هم وحدة الأمة هو هم إنساني بالدرجة الأولى، فالوحدة لا تتحقق إلا إذا اتسق الإنسان مع ذاته وأحسن التعامل مع اختلافاته الداخلية وصراعاته. ما هي أطروحتكم العملية للوصول إلى هذا النموذج وتربية الأجيال عليه؟
نحن نعتقد أن قضية الإسلام في العالم وامتداداته في الواقع الإسلامي على مستوى الأمة يفرض على كل المواقع المختلفة أن تلتقي، وأن تبدأ حوارًا موضوعيًّا عقلانيًّا وإنسانيًّا حول ما يختلف فيه المسلمون، على هدى قوله تعالى: "فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول..."؛ لأننا عندما ندرس ما اختلف فيه المسلمون، فإننا نرى أن العنوان الكبير الذي يحكم هذا الخلاف في البداية هو قصية الإمامة والخلافة.
ونحن عندما ندرس تلك المرحلة التي اختلف فيها المسلمون في هذا المجال نجد أن الإمام علي بن أبى طالب عليه السلام ـ الشخصية التي يؤمن الكثير من المسلمين أنه هو الأحق بالإمامة والخلافة ـ (والكلام لمحمد حسين فضل الله)، قد عالج المسألة معالجة إسلامية مسئولة تحفظ الإسلام والمسلمين، وهذا ما لاحظناه في علاقته بالخلفاء الذين تقدموه وفي إعطائهم النصيحة والمشورة والمحبة والانفتاح، حتى أنه كان يعطي الرأي الذي يحفظ على بعضهم حياتهم. وفي كلمة أخرى له قال: "لأسلمن ما سلمت أمور المسلمين ولم يكن بها جور إلا عليّ خاصة".
وعندما سمع قومًا من جيشه عندما كان سائرًا إلى الشام، قال: "إني أكره لكم أن تكونوا سبابين ولكن لو وصفتم أفعالهم وذكرتم حالهم لكان أصوب في القول وأبلغ في العذر، وقلتم مكان سبكم إياهم، ربنا احقن دماءنا ودماءهم وأصلح ذات بيننا وبينهم واهدهم من ضلالتهم حتى يعرف الحق من جهل ويرعن عن الغي والعدوان من لهج به".
إننا نعتقد أن عليًّا هو رائد الوحدة الإسلامية، وهو الذي يجسد هذه الوحدة التي تنفتح على الآخر بالرغم من وجود عناصر الخلاف في القضايا الحيوية فيما يختلف فيه المسلمون هنا وهناك.
ولذلك فإننا نعتقد أن على المسلمين أن يستهدوا هذا النهج وهذا الطريق وأن يعملوا على أساس أن يلتقوا على الكلمة السواء. فإن الله أراد أن نلتقي نحن وأهل الكتاب على الكلمة السواء وكم بيننا وبين أهل الكتاب من فروق العقيدة في كثير من القضايا الأساسية، ولكن الله يريدنا أن نبحث عن مواقع اللقاء قبل أن نبحث مواقع الخلاف، وهذا ما ندعو إليه المسلمين لا سيما في الظروف الحاضرة التي برز فيها الكفر كله والاستكبار كله على الإسلام كله.
ونعتقد أن المرحلة لا تحتمل أي نوع من أنواع إثارة الحساسيات والعصبيات وإثارة المفردات التي تثير المسلمين هنا وهناك؛ ولذلك أطلقنا فتوانا في الواقع الإسلامي بأنه يحرم على كل مسلم ومسلمة سب الصحابة والإساءة إليهم والإساءة إلى أمهات المؤمنين، بل علينا أن نحترم الصحابة كلهم وإن كنا نختلف مع بعضهم في بعض الخطوط أو في بعض المفردات.
أما بالنسبة لتربية الأجيال، فعلينا أن ندرس المسألة في دائرتين:
الدائرة الأولى هي الدائرة الثقافية، سواء في دراسة التاريخ وما حدث فيه حتى نستطيع أن نصحح الكثير مما يمكن أن يكون قد دخل في هذا التاريخ من الروايات، ومن الأحاديث التي قد لا تكون حقيقة، بل أريد لها أن تثير الواقع الإسلامي من خلال إثارة الأحقاد والعصبيات.
الدائرة الثانية هي الدائرة السياسية: نحن نرى أن المسلمين يواجهون التحدي الكبير الذي يوجه إليهم من خلال الإدارة الأمريكية التي تعمل، كما قال بعض المسئولين العرب الكبار، على تدمير الإسلام.
ويعرف الجميع بعد سقوط الاتحاد السوفيتي كيف أن الحلف الأطلسي عندما اجتمع ليبحث من هو العدو الجديد الذي لا بد أن يحاربه فكانت رئيسة وزراء بريطانيا مارجريت تاتشر تقول إن العدو الجديد هو الإسلام الذي هو خطر على المصالح الغربية، وهكذا وافقها أمين عام الحلف في هذا المجال.
إننا نلاحظ أن هناك عملاً غربيًا متنوعًا من أجل محاربة الإسلام على مستوى ثقافي وسياسي واقتصادي وأمني، ولذلك فإن علينا أن نجمد الكثير من الخلافات التي مارسها المسلمون على مدى مئات السنين ولم يصلوا فيها إلى نتيجة حاسمة.. إن علينا أن نعرف أن هناك خطرًا يتناول الأمة الإسلامية في اقتصادها وسياستها وأمنها، وأن على الأجيال المسلمة أن تعي ذلك كله. وحتى نستطيع أن نحفظ وجودنا ومقدراتنا ومواقعنا ونخطط لمستقبلنا، فلا بد أن نعمل في الموقع القيادي في العالم في كل القضايا، ثم بعد ذلك يمكننا أن نتناقش في الخلافة أو في الإمامة أو في طريقة الصلاة أو طريقة الوضوء وما إلى ذلك.
*مقابلة مع المرجع الشيعي اللبناني سماحة السيد "محمد حسين فضل الله"، أجرتها "أروى صلاح الدين" موفدة شبكة إسلام أون لاين إلى لبنان.
|