|
| ر |
حفلت الكتابات الغربية الأكاديمية وشبه الأكاديمية حول هجمات سبتمبر وتداعياتها بالكثير من الاتجاهات المتناقضة في تحليل الأزمة وأسبابها وكيفية رد الغرب عليها وموقع الإسلام والمسلمون منها، وتأتي متابعة هذه الاتجاهات كخطوة أساسية في فهم رؤية الفكر الغربي للعالم الإسلامي والمسلمين.
أسبوزيتو- رايت/ عمر الأزمة
تعد كتابات أسبوزيتو وروبين رايت من أكثر الكتابات الفكرية تعبيرًا عن الاعتدال والفهم الصحيح للعلاقة مع الآخر.
الأول هو جون أسبوزيتو الباحث الأمريكي المشتغل بتاريخ الإسلام والمسلمين، وهو من أصحاب الخبرة العميقة بحركات الإسلام السياسي المعاصرة في العالم. والثانية هي المؤلفة الأمريكية روبين رايت صاحبة كتاب "الغضب المقدس"، كبيرة المراسلين الدبلوماسيين في صحيفة لوس أنجلوس تايمز.
وفى كتابه الجديد "التهديد الإسلامي خرافة أم حقيقة؟" يقدم الباحث الأمريكي أسبوزيتو مسحا موسعا ومتكاملا، يجمع بين العرض التاريخي والمسح الجغرافي والتحليل الهيكلي لمعظم الحركات والمنظمات الإسلامية في العالم، ويناقش محاولات الإصلاحيين لإعادة تفسير المبادئ الأساسية الإسلامية، في محاولة لإيجاد حلول جديدة وعصرية للمشكلات التي يواجهها المسلمون في العصر الحديث، فيستعرض حركات الإصلاح بداية من الوهابية والسنوسية والمهدية حتى جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده ورشيد رضا، كما يرصدها جغرافيا من شبه القارة الهندية حتى بلاد المغرب العربي.
ويرى أسبوزيتو أن عمر الأزمة في تاريخ المسلمين يبدأ مع حركة الاستعمار الأوروبي في القرن التاسع عشر، وإن كانت قوة الدفع في الحضارة الإسلامية تقلصت مع بدايات القرن العاشر الهجري (السادس عشر الميلادي)، غير أن الدولة العثمانية حافظت على بلاد المسلمين عسكريا دون أن تستطيع فعل شيء لإعادة بعث الحضارة العربية الإسلامية. ولم يكن الاستعمار مجرد احتلال للأراضي، وإنما استهدف قيمتين من أهم قيم المجتمع هما: التعليم والقضاء، وذلك بدعوى الإصلاح.
وترى روبين رايت في كتابها الجديد "الغضب المقدس" أن عمر الأزمة للمسلمين والغرب معا يبدأ من تقاعس الولايات المتحدة عن دعم حكومات العالم الإسلامي، ومن بينها حكومات الشرق الأوسط التي تناهض الإرهاب على أراضيها، وهو ما قد شجع على انتشاره في أماكن أخرى؛ لتدفع هي أيضا ثمنا باهظا فاحش الغلاء في هجمات أيلول الأسود 2001.
عملية سطو على "الجهاد"
قام المؤلفان بتفنيد الدعاوى الكاذبة والاتهامات الملصقة بالإسلام قبل وبعد هجمات سبتمبر الماضي. واستطاعا بالأدلة والبراهين إبراز صورة أكثر تركيبا وقربا من الصورة الحقيقية للإسلام، فيقول أسبوزيتو بأن وجود الإسلام كديانة عالمية وقوة أيديولوجية تحتضن أكثر من خُمس سكان العالم وحيويته المستمرة ونفوذه في عالم إسلامي ممتد من أفريقيا إلى جنوب شرق آسيا سوف يستمر. ومن المهم مع فجر القرن الحادي والعشرين عدم ملء الفراغ الناجم عن نهاية الحرب الباردة بالمخاوف المبالغ فيها من الإسلام، باعتباره بعثا لـ "إمبراطورية الشر" المشتبكة في حرب مع النظام العالمي الجديد.
كما يرى جون أسبوزيتو أن إعلان الإسلام عدوا للولايات المتحدة الأمريكية سيكون بمنزلة إعلان حرب باردة ثانية، ولا شك أن هذا يتطلب السير على الخط الدقيق الفاصل بين الخرافة والحقيقة ما بين الفعل العنيف للأقلية في 11 سبتمبر والممارسات الشرعية للأكثرية.
بينما تنطلق روبين رايت في كتابها "العنف المقدس" من مقولة مفادها أن الإسلاميين المتطرفين وفي مقدمتهم أسامة بن لادن وصناع السياسة الخارجية الأمريكية قد اشتركوا معًا في أكبر عملية سطو على مفهوم الجهاد في الإسلام، وقاموا باستغلال التباين الموجود بين الشرق والغرب لخلق صراع غير موجود أصلا؛ بهدف تحقيق أهداف ومصالح انتهت بأن دفع كلاهما الثمن.
وتؤكد رايت في كتابها "العنف المقدس" أن الإسلام هو أكثر الديانات تسامحا ويلزم المسلمين بالاعتراف بالمسيحية واليهودية ورسلها كشرط واجب للانتماء للدين وحمل صفة المؤمن، وأنه لا علاقة بين صحيح الإسلام والإرهاب، وأن "التطرف الديني موجود في المسيحية واليهودية، ومن الخطـأ اعتبار قلة متطرفة النموذج السائد والشائع لأصحاب ديانة بأكملها". وتقول رايت: إنه لا توجد تلك الدولة العربية التي يمكن أن نطلق عليها المصطلح الذي سك عملته لأول مرة الرئيس الأسبق ريجان "الدولة الداعية للإرهاب".
مثلث الرعب.. صناعة أمريكية
يتوجه المؤلفان باللوم إلى السياسة الخارجية الأمريكية وأنها تتحمل الخطأ الأكبر فيما حدث؛ فـ"جون أسبوزيتو" يرى أنه من سوء الحظ أن صناع السياسة الأمريكية شأنهم شأن وسائل الإعلام غالبا ما برهنوا على أنهم قصار النظر حيث يصورون العالم الإسلامي والحركات الإسلامية على أنها كتلة صماء ولا يرونها إلا في ضوء التطرف والإرهاب. وأن هذه النظرة تبدو ظالمة مقارنة بالحقائق المركبة في العالم الإسلامي، ومن ثم يجب على الغرب أن يعمق من فهمه الصحيح للإسلام والمسلمين.
أما روبين رايت فتؤكد من خلال تحليل موضوعي في كتابها الغضب المقدس أن مثلث الرعب الذي أنتج هجمات سبتمبر ضد أمريكا هو صناعة أمريكية 100% (بن لادن- طالبان-أفغانستان)؛ لأن الأخطاء السياسية الخارجية الأمريكية القاتلة هي التي خلقت مثل هذا المثلث.
كما يعتقد المؤلفان أن موالاة إسرائيل على حساب الحقوق العربية المشروعة من أهم عوامل تفريخ الإرهاب وكراهية الغرب. ويتساءل جون أسبوزيتو: هل يكون انحياز الغرب ضد المسلمين لصالح القوى الأخرى خاصة إسرائيل نوعا من القدَر الذي يجب أن نرضى به؟
أما روبين رايت فتؤكد أن الأمريكيين بتأييدهم المستمر لإسرائيل يقدمون لأي جماعة أصولية متشددة أو إرهابية الوقود الذي تستخدمه لتتحرك وسط الشباب الرافض لما يجري في فلسطين على أيدي الإسرائيليين.
ويتفق الطرفان على أن الأمريكيين لا يتعين عليهم بعد أحداث سبتمبر وحرب أفغانستان توسيع حملتهم ضد الإرهاب ونقلها لأماكن أخرى؛ فالمهم والأكثر فعالية هو معرفة أسباب الإرهاب ودوافع العداء للأمريكيين.
ولا يقتصر الأمر على هذين المؤلفين فحسب كأصحاب وجهات نظر معتدلة، وإنما هناك العديد من العقول الواعية والضمائر اليقظة في العالم الغربي التي أدركت -عن دراسة- حقيقة الإسلام والمسلمين.
هنتنجتون- فوكوياما.. التطرف الفكري
|
|
صموئيل هنتجتون
|
تعد كتابات هنتنجتون وفوكوياما من أكثر الكتابات الغربية الفكرية تعبيرًا عن التطرف الفكري السياسي، الأول صمويل هنتنجتون الأستاذ بجامعة هارفارد، ويرى "أن السياسة الكونية المعاصرة تتمثل اليوم في عصر حروب المسلمين". ويرى هنتنجتون أن هذا العصر بدأ في اللحظة التي كانت مرحلة الحرب الباردة في العالم تنزوي عن الأنظار في الثمانينيات فاندلعت الحروب طوال عقدي الثمانينيات والتسعينيات بين المسلمين بعضهم بعضا وبينهم وبين غير المسلمين.. إذن فإن "الحرب الجديدة" كما سماها المسئولون الأمريكيون لوصف أحداث 11 سبتمبر ليست بجديدة، إنما هي استمرار وتصعيد لأنماط سابقة من العنف الذي يتورط فيه المسلمون.
وتتلخص أسباب "حروب المسلمين" المباشرة هذه حسب هنتنجتون في أربعة، أولها ما يسميه انبعاث الوعي الإسلامي في العقود الأخيرة كرد فعل تجاه الحداثة والتحديث والعولمة. أما السبب الثاني فهو أنه عبر العالم الإسلامي وخاصة فيما بين العرب يوجد إحساس قوي من الحزن والاستياء والحسد والعدوانية تجاه الغرب وثروته وقوته وثقافته. والسبب الثالث يعود إلى الانقسامات القبلية والدينية والعرقية والسياسية والثقافية داخل العالم الإسلامي التي تثير العنف بين المسلمين، كما تعزز هذه الانقسامات العنف بين المسلمين وغير المسلمين، ويتلخص السبب الرابع في "تصادف الانبعاث الإسلامي مع معدلات ولادة مرتفعة في معظم الدول الإسلامية"، وهو ما أدى إلى زيادة حجم وعدد شريحة الشباب بين 16 و30 وهؤلاء معظمهم عاطلون عن العمل يهاجرون للغرب وينضمون إلى منظمات وشبكات إرهابية.
|
|
فوكوياما
|
أما بالنسبة لفوكوياما صاحب نظرية نهاية التاريخ فيرى أن أزمة سبتمبر ليست سوى صدام يقتصر على سلسلة من المعارك الوقائية، أو الجهود الدفاعية الصادرة عن مجتمعات غدا وجودها التقليدي مهددا بسبب الحداثة، وقوة ذلك الرد تعكس صرامة وقسوة هذا التهديد.
ويستكمل فوكوياما رؤيته مؤكدا أن "هجمات 11 سبتمبر تمثل حركة ارتجاعية عنيفة يائسة ضد العالم الحديث"، ومن ثم فهي في رأيه ليست مجرد حرب ضد الإرهاب كما تظهرها الحكومة الأمريكية أو خلاف حول السياسة الخارجية الأمريكية في فلسطين أو تجاه العراق كما يطرحها الكثير من المسلمين؛ فالصراع الرئيسي الذي تواجهه الولايات المتحدة الأمريكية أوسع من ذلك بكثير، فهو "ليس مع مجموعة صغيرة من الإرهابيين بل مع مجموعات أكبر كثيرا من الراديكاليين الإسلاميين ومن المسلمين الذين يتجاوز انتماؤهم الديني جميع القيم السياسية الأخرى، إنها الأصولية الإسلامية التي تشكل الخلفية لأوسع المظالم، وهي أعمق بكثير وأكثر انفصالا عن الحقيقة من أي مكان آخر".
وينهي فوكوياما وصفه لطبيعة الأزمة بمقاله "هدفهم العالم المعاصر" المنشور بالنيوزويك أيضا بسك مصطلحه الجديد "الفاشية الإسلامية"؛ حيث يرى أن "الصراع الحالي ليس ببساطة معركة ضد الإرهاب ولا ضد الإسلام كدين أو حضارة، ولكنه صراع ضد الفاشية الإسلامية، أي العقيدة الأصولية غير المتسامحة التي تقف ضد الحداثة والتي انبثقت حديثا في أجزاء عديدة من العالم الإسلامي".
ويفسر فوكوياما ظهور "الفاشية الإسلامية" باختلاط الثروات بما يسميه "مصالح الطائفة السلفية" في السعودية، وهو ما أدى إلى ترويج مفهوم خاص للإسلام في الثمانينيات والتسعينيات وكذلك وجود مسائل جذرية كالفقر والركود الاقتصادي والسياسات السلطوية في الشرق الأوسط التي تعد بالنسبة للتطرف السياسي مواد قابلة للاشتعال.
مما سبق يتضح أن الرؤية الأولى تعكس تفهما واضحا لدور الإسلام في المجتمعات الإسلامية ولا تنزع بدورها نحو تصعيد الصدام بين الغرب والإسلام، وتضع في اعتبارها دور الغرب السلبي وفقدان معايير العدالة والإنصاف في تفجر النزاعات والخلافات بين بعض المسلمين وبعض الغربيين، بينما تعكس الرؤية الثانية نزوعا واضحا نحو التشديد على الطابع الصدامي بين الغرب والإسلام والمسلمين.
هوامش ومصادر:
1- وليد عبد الناصر: حوار الحضارات، موسوعة الشباب السياسية، مركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية، عدد (17).
2- الأهرام الاقتصادي 14/1/2002.
3- أخبار اليوم 13/4/2002.
4- الأهرام 20/2/ 20025.
5- الأهرام 5/1/2002.
6- التقرير الإستراتيجي العربي 2001، مركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية.
|