English

 

الخميس. مايو. 31, 2007

ثقافة وفن » لغة وأدب

 

الحضور

هذه غاية الموت.. لكنهم يعرفون الطريق

من هنا يبدءون..

تجيء إليهم قراهم.. تقول

ادخلوا.. إن هذي الكروم لكم..

وهي تعرفكم.. وتحس بكل المخاطر

علَّمها الموت كل الذي تعرفون

فإذا نزلت كي تضمَّ الصغار إلى صدرها..

وتقبلهم وتشم الثياب..

بلغوها تحيات آبائكم

إن ذاكرة الكرمِ مسكونة بالوجوه التي رحلت

والوجوه التي ترحلُ الآن صوب فلسطين..

جَدُّك مات هنا..

وهنا كان بيت أبيك..

وأنت الذي كنت أنتظرُ..

إن رائحة الأرض ملء ثيابك

في صوتك البحرُ..

في مقلتيك الدوالي التي سرق الجندُ فرحتها

في ثيابك أُبَّهةُ الموتِ..

أنت الذي كنت أنتظرُ

وهي تنتظرُ

إن فرحتها أن تجيء إليها.. الصبية مرهونة بمجيئك

ها أنت جئتَ..

تقوم الصبية.. ترقص في عرسك الدموي

ترش دماءَ بكارتها فوق قمصانها

وتخضب كفيك بالنزف

تهمس عاد إليّ.. حبيبي

وأنتن يا نسوة الحزن.. اخرجن من غابة الدمع

يأتي الأحبة.. افتحن أبوابكن..

فمن بين يافا وقلبي يمرون

جيش العدو يعكسر ما بين يافا وقلبي

وخبينَ أثوابكن الجديدة

إن جنود العدو يشمون رائحة الفرح العربي

ولا تتطيَّبنَ

طيب الدماء سيغمرُ حوفاتكُنَّ

وقبل طلوع الصباح لتحمل كل امرأة

ولداً تحت محزمها..

وتعلمهُ صلواتِ القتال

وغدًا يكبرون..

يرسمون على حافة الكتب المدرسية أحلامَهمْ

مدناً.. وبنادق.. خبزاً.. وشمساً

وبيوتًا.. وأسيجة.. وحقولا

خرائط لونها الحلمُ الغضُّ بالبرتقالْ

يعرفون قراهم..

ينامون فيها على صفحات الخرائط

يكتشفون البيوت التي جورتها القنابل

أبوابها ونوافذها.. موقدَ النار.. بيتَ الحصيدْ

يحملون إليها دفاترهم.. يقرءون عليها عذاباتهمْ

يشتكون إليها..

لقد هجرتنا طفولتنا

أدركتنا هنا.. فلنعد لطفولتنا مرة

ما عرفنا البكاء.. لنبك

ولم نعرف الفرح العائليَّ.. امنحينا دمًا عائليّا

وشيئًا من الفرح العائلي

لنكسر شيئًا.. لنصرخ.. ولنتشاجر

نرضي طقوس الطفولة

إن المنافي البخلية..

ما منحتنا سوى الموت والغضب الحجريْ

فلنعد لطفولتنا مرة

نسأل الأمهات الفقيرات خبزا

ونسألهن حليبًا وحلوى

نطالبهن بأن يشترين لنا ليلة العيد ثوبا

هجرتنا الطفولة..

هل يحلم الطفل بالنار تأكل أطرافه؟

هل يرى قمرًا ميتا؟

بلبلاً دون حنجرة

فلنعد لطفولتنا.. مثلما يلعب الطفلُ نلعب

أو يحلم الطفل نحلم

أو نشتري دمية ونحدثها عن قرانا البعيدة..

أم أنها لا تحبّ المُخَيّم..

هل للدامي عائلات؟

نعلمها كيف تبحث عن أهلها.. وتعود إلى نَزْلها

ولنا وطن باتجاه الجنوبْ

فلتسر معنا باتجاه الجنوبِ

وفي فرحة الموت نصعد في نسغ زيتونةٍ

فإذا أزهرت وخرجنا مع الزهرات المضيئة..

كان الحضور..

وطنًا ساحرًا

وطنًا للجميع

للأغاني وللشهداءْ

للمراثي وللفقراءْ

وكالفرح المتأخر يأتي خجولا

في يديه زنابق ماءٍ ووعد

يقول تعالوا إليّ..

نقيم على ضفة الجرحِ.. نبني بيوتا

نغيّر طبعَ المياهِ..

فهذا زمان البروق التي تمنح العشبَ أسماءها

وهذا زمان فلسطين..

كل الذين يثورون ينتسبون إليها

وكل الذين يموتون أو يولدون.. بهم من شمائلها حالة

وجهها يسكن الفرح البشريَّ.. كما يسكن اللحظة البائسة

وجهها يملأ الماءَ واليابسة

 
أرسل لصديق أرسل لصديق

« 

ابحث

«

بحث متقدم