English

 

الخميس. مايو. 31, 2007

أخبار وتحليلات » تحليلات وآراء » القضية العراقية

 
   
روابط من إسلام أون لاين  
أهم الأخبار  

الحوار الأمريكي الإيراني.. للمصالح وليس للعراق

محمد جمال عرفة

Image
جانب من لقاء سفيري أمريكا وإيران بالعراق
 

لخص وزير الخارجية الإيراني "منوهشر متكي" هدف المفاوضات المباشرة والعلنية والأولى من نوعها منذ قرابة الثلاثين عاما بين إيران وأمريكا في العراق بقوله: "إن إيران مستعدة لمساعدة أمريكا على الخروج من العراق"، فيما لخص السفير الأمريكي في العراق "رايان كروكر" الهدف بأنه "إنهاء الدعم الإيراني للميليشيات". أما المواطن العراقي العادي فقد رأى -في الفضائيات العربية- بأن هذه المفاوضات لا تخص العراق وأنها تبادل مصالح مشتركة على حساب العراقيين.

والحقيقة أنه ليس فقط تعارض مصالح الطرفين في العراق والمنطقة، ولا فشل الاحتلال الأمريكي في العراق، ولا استمرار انهيار الوضع السياسي لحكومة المالكي نفسها، كانت كلها أسبابا كافية لفشل هذا الحوار، ولكن وجود أجندة إستراتيجية مختلفة لكل طرف في العراق والمنطقة هو السبب الحقيقي لفشل أي حوار قد يحدث بين أمريكا وإيران.

لماذا عقد الحوار إذا وعلى هذا المستوى المتدني من التمثيل (سفراء البلدين في العراق) برغم أنه كانت هناك فرصة أفضل في مؤتمر شرم الشيخ الأخير، وكان هناك استعداد أمريكي للحوار ولكن إيران رفضته؟.

الواقع يقول إن خلافات الطرفين لا تمنع أن هناك مصالح مؤقتة ووقتية لكلاهما تحتاج للتنسيق حولها، وبدون أن يؤثر هذا على أهدافهما الإستراتيجية.. فلا الولايات المتحدة يمكنها أن تضحي بمصالحها البترولية والإستراتيجية في منطقة الخليج ككل كي ترضي إيران وتقبل بدعوتها في مساعدتها للخروج المشرف من العراق، ولا إيران لديها أدنى استعداد للاستجابة للرغبات الأمريكية بالتوقف عن التدخل في شئون العراق وانتهاز فرصة كبيرة كهذه للعب دور حيوي في عراق المستقبل.

وكل ما في الأمر أن اللعب بينهما في العراق يوشك أن يخرج عن قواعد اللعبة المحددة، ويفجر المنطقة مبكرا لتصب في صالح آخرين، مثل المقاومة العراقية أو تنظيم القاعدة، وأن هناك مساحة من الاتفاق فيما يخص رغبة الطرفين في دعم حكومة المالكي في العراق يجري التنسيق بشأنها بما يفيد الطرفين ويعيد الصراع الإستراتيجي الطويل الأمد بينهما لمساره بهدف تحقيق المصالح لكل طرف.

لماذا جرى اللقاء؟

وكي يكون الأمر أكثر وضوحًا نشير إلى أن هدف الإدارة الأمريكية الحالية الواضح الذي يجري التخطيط له هو توجيه ضربة عسكرية لإيران في نهاية المطاف، وتنفيذ إستراتيجية موازية لاحتواء طهران في العراق والمنطقة بما في ذلك إثارة قلاقل على الحدود الإيرانية – العراقية عبر أعمال جاسوسية (إيران ضبطت شبكة تجسس أمريكية في وسط إيران وجنوب غربها).

وبالمقابل تنفذ طهران إستراتيجية بعيدة المدى تتمثل في دعم أنصارها في العراق من أجل السيطرة على مقدرات الأمور السياسية في العراق مستقبلا وضمان بقائه في الكنف الإيراني كقوة أيديولوجية يسيطر على قيادته شيعة موالون لطهران، تربوا في إيران إبان حكم البعث السابق، كما تستهدف إخراج قوات الاحتلال الأمريكية من العراق عبر أساليب مختلفة منها دعم ميليشيات عسكرية في العراق تسبب قلاقل لقوات الاحتلال.

ولكن لأن هناك مصلحة أمريكية إيرانية مشتركة في دعم حكومة المالكي الحالية، لأسباب تتعلق برغبة أمريكا في قيامها بدور في إحلال قوات الشرطة والجيش العراقي محل قوات الاحتلال تدريجيا، وأسباب إيرانية مباشرة تتعلق بالحفاظ على المالكي كأحد اقرب حلفاء إيران عندما كان مسئولا عن قوات حزب الدعوة الإسلامية التي كانت ترابض في إيران، فقد وجد الطرفان أن هناك أسبابًا تدعو للجلوس على طاولة الحوار للتفاهم حول العراق فقط.

فالإيرانيون سعوا بوضوح خلال الحوار لتأكيد أن مشكلة العراق هي الاحتلال ولا بد من زواله وطرحوا مباشرة فكرة مساعدة أمريكا على الخروج من العراق، وفكرة تدريب مشترك للقوات العراقية من الجيش والشرطة، والأمريكيون أبلغوا الإيرانيين ضرورة وقف دعمهم للميليشيات في العراق؛ لأن هذه الميليشيات تسبب الفوضى في العراق وتعمق الفتنة بين السنة والشيعة وتعوق الاستقرار، فضلا عن أنها تتسبب في مقتل مئات الأمريكيين.

ومن الواضح أن جلسة الحوار الأولى من نوعها والتي عقدت يوم 28 مايو 2007، استهدفت دراسة فكرة التعاون المشترك في العراق بغرض الوصول لحالة من الهدوء والاستقرار تسمح بالانسحاب الأمريكي من هناك، وإنهاء دور الميليشيات المسلحة والاكتفاء بدور للجيش والشرطة العراقية. وربما كان أبرز فكرة طرحت في هذا الأمر هي اقتراح إيران "إنشاء نظام ثلاثي يضم إيران والعراق والولايات المتحدة لتنسيق عملية تحقيق الأمن في العراق والمحافظة عليه"، برغم رفض أمريكا هذا الاقتراح.

صحيح أنه لم يكن متوقعًا التوصل إلى اتفاق خصوصًا في ظل ضعف التمثيل الدبلوماسي لطرفي الحوار، وتقليل الأمريكيين من أهميته بالقول إنه ليس حوارًا سياسيًّا، وإنما مجرد رسائل مباشرة من كل طرف للآخر، فضلا عن الاتهامات المتبادلة بزعزعة كل طرف لاستقرار العراق وإيران معًا، ولكن مجرد الجلوس على طاولة واحدة للحوار بعد 27 عامًا، أظهر أن هناك مصلحة مشتركة مؤقتة على الأقل فيما يتعلق بحصار حالة الفوضى في العراق.

والملاحظ أن حالات الحوار الأمريكي الإيراني هي حالات استثنائية، وسبق أن تكررت. ففي 15 سبتمبر 2001 حدث لقاء بين وزيرة الخارجية الأمريكية مادلين أولبرايت ونظيرها الإيراني كمال خرازي على هامش اجتماع للأمم المتحدة حول أفغانستان. وفي الثالث والرابع من مايو 2007 حدث لقاء بين خبراء أمريكيين وإيرانيين وتبادل حديث مقتضب بين وزيرة الخارجية الأمريكية كوندوليزا رايس ونظيرها الإيراني منوشهر متكي على هامش مؤتمر شرم الشيخ حول العراق.

وحتى المرات التي طرحت فيها فكرة إجراء حوارات أوسع بين الطرفين لحل المشكلات الأعمق مثل البرنامج النووي الإيراني، وطرحت فيها إيران على واشنطن – عبر رسائل من الرئيس أحمدي نجاد – فكرة التفاوض لبحث حلول سلمية للأزمة، لم ترد عليها واشنطن باهتمام؛ لأن لها إستراتيجية أخرى في شأن التعامل مع البرنامج النووي الإيراني.

ثبات الأهداف الكبرى

وبالتالي فالحوار "المؤقت" الذي جرى في العراق بين الإيرانيين والأمريكيين استهدف تفاهم مؤقت على قضية استقرار العراق، وليس لهذا الحوار أي تداعيات أو آثار مستقبلية حقيقية على العلاقات بين الطرفين، بل إن هناك مخاوف من أن تكون مثل هذه اللقاءات تستهدف تنويم الخصم وتبريد استعداده القتالي وخداعه بنوايا غير حقيقية على التهدئة، وربما أيضا إعطاء مقابل للديمقراطيين في الكونجرس (بعد موافقتهم على طلب بوش لتمويل القوات الأمريكية في العراق)، يتمثل في تنفيذ الشق المتعلق من تقرير بيكر - هاملتون الشهير الذي طالب بفتح حوار مع ضلعي محور الشر، سورية وإيران، لإيجاد مخرج مشرف للمأزق الأمريكي في العراق!.

فقبل التدخل الأمريكي في الكويت وضرب العراق، عقد لقاء في يناير 1991 بين طارق عزيز وزير الخارجية العراقي ونظيره الأمريكي جيمس بيكر في جنيف للتفاهم على بعض القضايا المعلقة بشأن الانسحاب العراقي من الكويت، وقبل غزو العراق عقدت لقاءات مشابهة بين مسئولين عراقيين وأمريكيين كانت أشبه بغطاء للضربة العسكرية المقبلة والغزو.

بعبارة أخرى، سبقت التصرفات الأمريكية الأقوال، وفسرت الكثير من الغموض في المواقف الأمريكية، وأكدت عمليا أن الحوار الأخير ليس سوى جزء من خطط الخداع الدبلوماسية.

ولا يمكن تبرير حشد الإدارة الأمريكية للأساطيل في مياه الخليج، أو موافقة الرئيس بوش على مشروع تقدمت به وكالة المخابرات المركزية الأمريكية لزعزعة استقرار إيران من الداخل من خلال دعم الأقليات ماليا وعسكريا ودفعها للتمرد على الحكومة المركزية، على أنه مجرد تهديد أمريكي أو تحفيز لطهران على الحوار.

ولا يمكن حتى في العراق أن تقبل أمريكا بدور إيراني أكبر هناك أو بتعاون عراقي – إيراني أعمق؛ لأن تكلفة ذلك كبيرة على المصالح الأمريكية في الخليج، والسماح لإيران عمليًّا لإيران بالتمدد في منطقة النفوذ الأمريكية في الخليج، حيث ثلثا احتياطات النفط في العالم.

ربما لهذا السبب وصفت صحيفة التايمز الأمريكية يوم 29 مايو الجاري لقاء الأمريكيين بالإيرانيين بالقول: إن "الشيطان الأكبر يلتقي محور الشر"، لتؤكد تضارب مصالح الطرفين في الخليج والعراق معًا، والسعي فقط لتحقيق هدف مؤقت يخدم مصالح الطرفين، هو تحقيق الأمن والاستقرار في العراق، في حين تظل الأهداف الإستراتيجية لكليهما كما هي دون تغيير.



 

 


المحلل السياسي بشبكة إسلام أون لاين.نت

 

أرسل لصديق أرسل لصديق

 

 

«

ابحث

«

بحث متقدم

أخبار وتحليلات
  ساحات الحوار
أخبار وتحليلات
خدمات