|
| العقاد بريشة حسام وهب
|
ما زلت جالسا مع المخرج والمنتج مصطفى العقاد في بهو الفندق القاهري الجديد، وفيما كان صوت الموسيقى الكلاسيكية يرتفع رافعا من درجة توتري وقلقي خشية أن تؤثر على وضوح الصوت في جهاز الكاسيت، كنت أحدثه عن المشروعات الوهمية التي نقرأ عنها دائما في الصحف والتي نفتش عنها فلا نجد لها أصولا، ونكتشف في النهاية أنها مجرد أخبار الهدف منها تلميع هذا أو ذاك، وهي الملاحظات التي علق عليها العقاد بأن هذه الأخبار تفرحه لأنها تشعره بأن من يسربون هذه الأخبار يشعرون بأنه قيمة كبيرة ويريدون الالتصاق به أو يقرنون أسماءهم باسمه.
وحكى لي العقاد عن عشرات الممثلات اللائي لا يعرف أسماء بعضهن، تتجه الواحدة منهن نحوه في مهرجان أو مؤتمر هنا أو في الخارج وتطلب منه أن تلتقط معه صورة وبعد يوم أو يومين يجد الصورة منشورة في جريدة أو مجلة وتحتها خبر عن اختيار العقاد لهذه الممثلة لتشارك النجم العالمي فلانا بطولة فيلم عالمي!!
أقول للمخرج الكبير: ألا يمكننا اعتبار ذلك نوعا من المتاجرة باسم مصطفى العقاد؟
فيرد ضاحكا: ولا متاجرة ولا حاجة؛ فالمسألة بسيطة، وطالما لا يدرجون اسمي في أعمال مشينة فلا يغضبني ذلك بل على العكس هذا يفرحني كما قلت لك.
هذا عن الممثلين أو الممثلات فماذا عن المسئولين الذين اعتادوا أن يسربوا أخبارا من هذه النوعية حتى يفلتوا من مساءلة الكتّاب لهم حول فشلهم في إدارة مؤسسات سينمائية يجلسون على رأسها، كأن نرى مسئولا بين يوم وآخر يعلن أنه جاري التفاوض مع المخرج العالمي مصطفى العقاد لإخراج فيلم بميزانية ضخمة عن قضية ما، ويظل يسرب الأخبار التي ينهيها عادة بخبر عن حدوث خلاف في وجهات النظر بينك وبينه أو عن طلبك لأجر مُغالًى فيه أو حول مبالغتك في تقدير الميزانية.
عملية هيبرون إشاعة كاذبة
قلت للعقاد ذلك فطلب مني أن أعطيه أمثلة فضربت له مثالا بفيلم عملية هيبرون، ولما اكتشفت أنه ليست لديه خلفية عن الفيلم، بدأت أسترجع معه ما نشرته الصحف عن هذا الفيلم، بل إن مصدر هذا الأخبار في مرة من المرات كان وكالة رويترز نفسها التي ذكرت في سبتمبر 2002 أن العقاد سينتج فيلما عن تدخل إسرائيل في اختيار رئيس أمريكا، هذا في العنوان، أما متن الخبر فجاء فيه أن المنتج العالمي مصطفى العقاد وافق على عرض شركة مصر للإنتاج والتوزيع لإنتاج فيلم عن رواية "عملية هيبرون" التي كتبها أحد العاملين السابقين في المخابرات المركزية الأمريكية، ومن الخبر نعرف أن مصدره هو الدكتور صلاح حسب النبي رئيس مجلس إدارة شركة مصر للإنتاج والتوزيع وهو الذي أضاف أن الفيلم سيحمل اسم الرواية نفسه!!
هذا الخبر نشرته صحف عربية عديدة، وبعضها أضاف أن هذا المشروع يأتي بعد أن أعلن أن الشركة قررت تأجيل مشروع الفيلم المصري العالمي (!!) عن الحضارة العربية في الأندلس بسبب تكلفته الإنتاجية العالية والتي تتعدى الـ 80 مليون دولار!!
وكان بين ما أعلنه صلاح حسب النبي على الملأ وعلى صفحات الجرائد أنه يجري اتصالات مكثفة مع المخرج العالمي مصطفى العقاد، حتى يخرج فيلم "عملية هيبرون" بشكل عالمي، لماذا؟ لأن الجمهور المستهدف -كما قال حسب النبي- ليس العرب فقط وإنما كل الجنسيات الأخرى.
وعملية هيبرون لمن لا يعرف رواية كتبها أريك جوردان أحد ضباط المخابرات الأمريكية الذين عملوا في الشرق الأوسط، وتتحدث عن كيفية قيام الموساد باختيار رؤساء الولايات المتحدة، كما توضح كيف ترتكب المخابرات الإسرائيلية الجرائم وتحاول إلصاقها بالعرب والمسلمين.
كنت أقول كل ذلك على مسامع العقاد الذي كان واضحا أنه يسمع هذا الكلام لأول مرة، ورغم ذلك وبعد أن أجهد نفسه في التفكير قال: لا أتذكر أن أحدا عرض عليّ مشروعا بهذا الاسم.
المطران كابوتشي حقيقة لم تولد
تلقيت الإجابة الصدمة، وخشيت أن أسأل العقاد عن مشروع فيلم المطران كابوتشي فيصدمني مرة أخرى، لكنني قررت أن أطرح السؤال وليكن ما يكون وخاب ظني من ناحية علمه بالمشروع، لكنه لم يخب حين عرفت التفاصيل!!
قال العقاد إن ممدوح الليثي رئيس جهاز السينما التابع للشركة المصرية لمدينة الإنتاج الإعلامي اتصل به فعلا وطرح عليه الفكرة، وإنه تحمس لها بشدة انطلاقا من إيمانه الشديد بضرورة معالجة القضايا التي تظهر للعالم الصورة الحقيقة للعرب والمسلمين وتقنعهم بعدالة القضية الفلسطينية، مؤكدا أن قصة المطران كابوتشي تعطي القضية بعدا أكثر أهمية؛ فهي توضح أن المسألة ليست صراعا دينيا بين اليهود والمسلمين وإنما بين اليهود والعرب مسيحيين كانوا أو مسلمين؛ وهو ما يجعل الغرب المسيحي يتعامل مع القضية بشكل مختلف، الفيلم بهذا الشكل كما قال العقاد يصلح لمخاطبة الغرب ويوضح كيف تعاطف رجل دين مسيحي أوروبي مع حق الفلسطينيين في الحياة وفي الدفاع عن أنفسهم، وفي الوقت نفسه كيف يدين الهجمات الصهيونية الهمجية ضد شعب أعزل، وكيف أن هذا التعاطف جعله لا يتردد في تحمل كل ما لاقاه من معاناة، وكيف أنه ما زال مصرا على موقفه رغم كل شيء، وفي هذا السياق قال العقاد إنه طلب من حنان عشرواي أكثر من مرة أن ترتدي الصليب وهي تتحدث في المحافل الدولية لذات السبب.
والمطران كابوتشي هو شخصية عاش في الأراضي المحتلة لفترة طويلة دون أن يكون له أي نشاط سياسي، حتى فوجئ في بداية السبعينيات بالطفل "علي" يحتمي بالدير بعد إصابته على أيدي قوات الاحتلال.
هذه قصة كابوتشي الذي نشرت الصحف أنه تم الاتفاق مع عمر الشريف على القيام بدوره فماذا حدث بعد ذلك؟
يجيب العقاد: رأيت أن فيلما كهذا لا بد أن يكون موجها بالأساس إلى الغرب وأن يكون ناطقا باللغة الإنجليزية وأن يقوم ببطولته نجوم عالميون، وليس لدي مانع في أن يقوم عمر الشريف ببطولة الفيلم فهو ممثل كبير وقدير.
وأضاف العقاد: إننا سنخسر كثيرا لو قام ببطولة هذا الفيلم ممثلون محليون؛ لأن تأثيره سيبقى محصورا بيننا، أما لو قام ببطولته ممثلون لهم شهرتهم في الغرب فهذا سيجعل الفيلم يحقق النجاح الجماهيري المطلوب في الغرب وسيجعله يحقق الهدف المرجو من خلاله.
تلك كانت وجهة نظر العقاد التي قال إنه قالها لممدوح الليثي الذي رد عليه بأنه لا يستطيع توفير الميزانية اللازمة لتنفيذ الفيلم بهذا الشكل، ومن وقتها توقف الكلام حول المشروع.
عبد الناصر شرف التاريخ المعاصر الوحيد
وغير عملية هيبرون والمطران الثائر أو المطران كابوتشي، هناك عشرات إن لم يكن مئات المشروعات التي أقحمت أخبار الصحف اسم مصطفى العقاد فيها، بينها مشروعات لأفلام تتناول سير رؤساء أو ملوك عرب حاليين وسابقين، سألت العقاد حول صحة ما قالته هذه الأخبار؛ فأكد أن التاريخ المعاصر ليس به أي شيء مشرف عدا عبد الناصر الذي أعطاه الكرامة والعزة التي لم يرها من بعده كعربي.
وبعد قليل من الصمت يضيف العقاد: إلى الآن، لا أستطيع أبدا أن أنسى خطابه عن الباخرة كليوباترا المصرية، التي جاءت إلى نيويورك أثناء حرب الاستنزاف، ورفض العمال الأمريكيين تفريغ حمولتها تحت ضغط اللوبي اليهودي؛ فكان رد عبد الناصر أن خطب موجها كلامه للعمال العرب من المحيط للخليج وطلب منهم عدم تفريغ أي بواخر أمريكية في مواني الدول العربية.
ولما تجاوب العمال العرب مع طلب عبد الناصر اضطر الجيش الأمريكي إلى القيام فورا بتفريغ شحنة الباخرة المصرية كليوباترا، إن واقعة كهذه جعلت كل العرب المقيمين في الولايات المتحدة يفخرون بعروبتهم وبانتمائهم إلى عالم عربي به رجل له مثل هذه القوة.
وأشار العقاد إلى أنه قام بعمل فيلم وثائقي عن حياة عبد الناصر باللغة الإنجليزية لمدة 4 ساعات كان محمد حسنين هيكل هو الذي يروي الأحداث خلالها، مشيرا إلى أن هذا الفيلم لم يُعرض في الولايات المتحدة بسبب وجود حدثين هما تفجير اليهود لسينما لافون بالقاهرة، وهي ما عرفت باسم فضيحة لافون، وحادث الباخرة ليبرتي الأمريكية والتي ضربها الإسرائيليون في البحر المتوسط!
والفيلم نفسه قال العقاد إنه أنجز منه نسخة عربية في 7 ساعات لم تطلب محطة عربية واحدة عرضها لأسباب لا يعرفها.
وبشكل محدد يقول العقاد: هذا هو الفيلم الذي تناولت فيه سيرة رئيس عربي، وهو فيلم وثائقي كما يتضح من كلامي عنه، أما ما أشيع عن وجود مشروعات لي عن حكام عرب فلا أساس له من الصحة.
ويضحك العقاد ويضيف: وأدعو الله أن تتاح لي فرصة تناول سيرهم لكن على حقيقتها، وأعتقد أن ذلك لن يرضي أحدا منهم!!.
اقرأ في الحوار:
|