|
| الفتى العربي في هوليود
|
كيف وصل إلى ما وصل إليه؟
وما المشكلات والصعوبات التي واجهته؟ حتى يصبح صاحب ذلك الاسم الذي يستقبله السامعون بالاحترام الشديد؟
وكيف استطاع من يحمل اسم مصطفى أن يثبت تفوقه في هوليود؛ حيث يفرض اللوبي اليهودي الصهيوني هناك تفوقه وسيطرته؟
وقبل ذلك كله كيف تعلق المولود في حلب عام 1933 بالسينما؟ وكيف شق طريقه إلى الولايات المتحدة عام 1954؟
كانت كل تلك الأسئلة عالقة في ذهني وأنا في طريقي إلى مصطفى العقاد، لكنني أرجأتها حتى أسأله عن آخر مشروعاته وحول ما إذا كان هناك جديد بشأن فيلم صلاح الدين الأيوبي الذي نسمع عن إعداده منذ أكثر من عشرين عامًا.
أيًّا كانت النقطة التي انطلقت منها في حواري مع الرجل فقد طرحت عليه أسئلتي التي أجاب عنها المخرج الكبير بمنتهى الهدوء الممزوج بدفء الذكريات العزيزة على رجل قرر أن يكون هو وألا يتخلى عن أصوله.
بدأ العقاد من حبه للسينما الذي أرجع الفضل فيه إلى جار لهم كان يمتلك قاعة عرض صغيرة يعرض بها أفلامًا سينمائية.
وقال: لم أكن أترك هذا الرجل، وكنت أستمتع وأنا جالس إلى جواره وأتابعه وهو يقوم بقص المشاهد الممنوعة، وكيف كان يضع الفيلم في آلة العرض، كانت هذه أكثر متعة في حياتي وبالتدريج أصبحت مولعًا بالسينما، وكبر حلمي بأن أكون ممن يصنعون الأفلام، ولما أصبحت في الثامنة عشرة بدأت أعلن عن حلمي في أن أكون مخرجًا، وليس أي مخرج، بل مخرجا في هوليود وكانت نكتة يتداولها أهالي حلب ويضحكون عليها.
كان الحلم بهوليود جنونا
ويؤكد العقاد أنه لم يكن يلوم جيرانه ولا يلومهم الآن لو اعتبروه وقتها مجنونًا، فالحلم -في رأيه- كان في تلك الفترة نوعًا من الجنون. ويفسر العقاد ذلك بقوله: "إلى جانب أن العمل بالسينما كان في ذلك الوقت مرفوضًا اجتماعيًّا، فإن والدي كان رجلاً فقيرًا، آخر ما يستطيع عمله من أجلي هو أنه أدخلني إحدى المدارس الأمريكية، لكنني لم أتنازل عن حلمي رغم سخرية الكثيرين، وبدأت أتخذ كل الخطوات التي تمكنني من تحقيقه، والتي كان من بينها أنني تقدمت بطلب إلى جامعة "يو سي إل آي"، وكانت المفاجأة حين ردت الجامعة على الطلب بالقبول!".
توقعت أن يقول ما اعتدنا أن نسمعه من أغلب الممثلين والممثلات، توقعت أن يقول إنه لاقى معارضة شديدة من الأسرة، وإن والده حاول أن يثنيه عن فكرته، فهل اعترض والده بعد موافقة الجامعة؟
سألته فرد بشكل قاطع: إطلاقًا، فقد رباني على أن أكون معتمدًا على نفسي؛ لذلك كان تعليقه هو افعل كل ما تريد، واختر حياتك بالشكل الذي يرضيك، لكن كل ما هنالك هو أنني لا أستطيع أن أقدم لك أي مساعدة مادية، وبهذا الشكل لم يكن أمامي ما أفعله غير أن أعمل لعام كامل حتى أستطيع أن أوفر قيمة تذكرة السفر، ولما تمكنت من توفيرها، أخبرت والدي بأنني قررت أن أسافر فوضع في جيبي 200 دولار وفي الجانب الآخر مصحفًا، وقال لي بالحرف الواحد: هذا هو كل ما يمكنني أن أعطيه لك. لكن والدي كان قد أعطاني قبل ذلك الكثير، فقد كان قاسيًا جدًّا في تربيتي الأخلاقية والدينية والبيئية، وهو ما خلق مني رجلاً قادرًا على تحمل المسئولية، وأنا الآن عندما أتذكره أشكر الله على هذا الأب الذي جعلني أذهب لأمريكا فقيرًا معدمًا ماليًّا، لكنه جعلني غنيًّا دينيًّا وأخلاقيًّا وتراثيًّا، وهذا ما جعلني أحافظ على شخصيتي بسبب هذه التربية الجادة.
مصطفى العربي الفقير يعاني مركبات نقص
عربي في أمريكا، واسمك مصطفى، ألم يسبب لك ذلك مشكلات؟
طبعًا كانت هناك مشكلات كثيرة، لكنها لم تكن ممن يحيطون بي، بل كانت المشكلة فيّ أنا فقد ذهبت وأنا أعاني من بعض مركبات النقص التي حملتها معي من حلب، كنت أعتقد أنني أقل ممن حولي، وأنهم أفضل مني بكثير، وأنه من الصعب إن لم يكن مستحيلاً أن أكون مثلهم، لكن بمجرد جلوسي على مقاعد الدراسة ومع الاختلاط بعدة جنسيات اكتشفت أنه لا ينقصني شيء لأني مسلم وعربي، بل على العكس، فأنا ومنذ الحصة الدراسية الأولى أدركت أنه لا فرق بيني وبين أي طالب غربي آخر، وأنني أمتلك كل المقومات التي تجعلني أتفوق عليهم، وعندما عرفت المجتمع هناك أدركت أنني أفضل منهم وقدّرت قيمة الأخلاقيات التي ربّاني عليها والدي... وبعد هذا الاكتشاف حدث انقلاب في تفكيري ومركبات النقص تحولت إلى ثقة، ومن هذه النقطة بدأت أدرس حضارتنا العربية لأعمق الإحساس في داخلي بأنني الأفضل، وبأننا كنا نتسيد العالم فيما كانوا هم عبارة عن مجموعة من الهمج وأننا كنا متقدمين في فروع العلم فيما كانوا هم يعانون من الجهل والتخلف، وتلك هي الأشياء التي حلمت من وقتها بأن أقدمها على الشاشة في أفلام سينمائية، أن أقدم الأيام التي حكمنا فيها الأندلس وعلمنا "الهمج" والجهلاء الأوروبيين وقتها الفلك والطب ووضعنا أقدامهم على سلم الحضارة.
ماذا يحمل الاسم مصطفى؟
تحدث العقاد عن العقدة التي ترافق العربي حين يذهب إلى الولايات المتحدة أو إلى الغرب عمومًا، فأرجع الخطأ إليهم أو إلى نفسه، وكنت قصدت من سؤالي أن يوضح لنا كيف كانت الطريقة التي تعامل بها المجتمع الأمريكي مع عربي مسلم يحمل اسم مصطفى، فهل تعمد أن يتخطى السؤال أم أسقطته ذاكرته وهو يتحدث عن كيفية شفائه من مركبات النقص؟ أيًّا كانت الإجابة، فإنني لم أطرح السؤال واكتفيت بأن ألفت نظره إلى صيغة السؤال، بسؤالي: وماذا عن الاسم؟ فقال: "فيما يتعلق باسمي، فلا أنكر أنه سبب لي مشكلات عديدة لدرجة جعلت الكثيرين ينصحونني بتغييره حتى أتمكن من ممارسة عملي بسهولة، وهو ما رفضته بشكل قاطع، فأنا مقتنع تمامًا بأن تغيير الاسم الذي أعطاه لي والدي يعني أنني تخليت عن نفسي، وعن ذلك الشخص الذي رباه أبي، ووقتها حسبتها وأدركت أن أقصى ما قد يسببه لي اسمي هو أن أبذل مزيدًا من الجهد لأجعل الطلب عليّ يزيد، وهكذا عملت بإصرار وفرضت على الجميع في هوليود وخارجها احترامي واحترام اسمي، وأحب أن أقول هنا إن الآخرين لن يحترموك إلا إذا احترمت أنت نفسك أولاً، وأنا عن نفسي أشمئز من بعض العرب الذين يأتون إلى أمريكا ويغيرون أسماءهم العربية ويتنكرون للغتهم العربية فقط لتسهيل أعمالهم، لكن للأسف هناك، وهذا ما أرجعه إلى عدم امتلاكهم لجذور قوية، وبسبب عدم تخلصهم من عقد النقص؛ لذلك يذوبون في تلك العوالم ويتجاهلون كل شيء، حتى أنفسهم، إنهم باختصار ينسون أنفسهم.
أبقى على اسمه العربي المسلم، وفي المقابل حاول جاهدًا أن يكون متفوقًا ومتميزًا ومختلفًا، فكيف تحقق له ذلك؟
سألته فأجاب: تسلحت كمخرج واتكأت على مقومات شخصيتي العربية والإسلامية التي منحتني القدرة الإبداعية على محاكاة السر السحري الآمر في الفن السابع وفي السينما الأمريكية التي تسود وتسيطر عالميًّا، والحمد لله استطعت أن أؤكد على حضوري الفني، لا لشيء إلا لأنني تمكنت من أدواتي ومن لغتي السينمائية كفن وكصناعة تتأصل على الفكرة والموضوع الذي أستحضره وأستدعيه وأستنطقه من بيت التاريخ وذاكرته الحية، وهو ما أعتقد أنه ظهر في فيلمي الرسالة وعمر المختار، الرسالة الذي عرفت فيه المجتمع الغربي بالدين الإسلامي الصحيح، وعمر المختار الذي يعبر بصفة خاصة وبمصداقية شديدة عن الوضع المأساوي الراهن في فلسطين!.
العبقرية تفرض نفسها في هوليود
سألته عما حققه له حضوره الفني في هوليود فقال: يعرفون هناك أو هم مدركون تمامًا أنني قادر على عمل أفلام تحقق إيرادات ويقبل عليها الجمهور؛ لذلك فأستوديوهاتهم مضطرة للاستعانة بي، وبهذا المنطق لجأت يونيفرسال ستوديو إليّ لكي أخرج لهم هالاوين رقم 8، وبهذا المنطق نفسه أتلقى عروضًا للعمل مع شركات الإنتاج المختلفة رغم سيطرة اليهود على 90% من شركات التوزيع.
وبمنتهى البساطة يلخص العقاد الوضع في هوليود فيقول: إنها حسابات الربح والخسارة، وهنا لا بد أن أشير إلى أن هناك خطًّا أحمر وحيدًا لا يستطيع أحد أن يتخطاه وهو عدم انتقاد اليهود، ولكن في الوقت نفسه ليس هناك إجبار على امتداحهم، وطبعًا أنا من رابع المستحيلات أن أقبل أن يوضع اسمي على فيلم أشك -مجرد شك- في احتوائه على أي شيء يسيء لأمتي العربية.
خلال جلستنا جاء شاب يشبهه في الثلاثينيات من عمره ألقى علينا التحية، ولما لم يدعه العقاد للجلوس كان طبيعيًّا أن أسأله عنه لكنه لم يمهلني وقال: هذا هو مالك ابني، هوى الإخراج منذ صغره، وتخصص فيه، وقياسًا لعمره، أعتبر أنه سبقني وهو يشارك في إخراج "هالاوين" بشكل مميز، ويستطيع أن يتواصل مع الشباب ويتفهمهم أكثر مني، وأنا اليوم عندما أريد أن أقدم شيئاً للشباب أستشيره وآخذ برأيه، وسيساعدني في إخراج فيلم "صلاح الدين"، وهو رغم نشأته في أمريكا متمسك جدًّا بجذوره وبقوميته العربية.
ربما رأى علامات الاستغراب على وجهي فقال لا تندهش فأنت إذا دخلت بيتي هناك ستشعر تمامًا أنك تعيش في حلب من جميع النواحي، أجواؤه، أكله، الموسيقى التي نسمعها، اللغة، والدين، لكنني في المقابل عندما أخرج من البيت وأغلق الباب تجدني أمريكيًّا 100% في التفكير والطريقة العملية والمنطقية ونظام العمل وكل شيء.
اقرأ في الحوار:
|