|
فتح عينيه.. وتنهد على سريره، وقام يخطو بخطواتٍ واثقة، وما إن توضًّأ لصلاة الفجر.. حتى سمع أصواتاً تتعالى في الطرقات.. أطلَّ بنظره من شرفته.. وسأل أحد المارة عن الأمر، فقال له: (كل عام وأنت بخير..)، دهش علي ثم قال: (ما الأمر..؟! )، فردَّ متعجبا: (ما بك..؟! اليوم عيد...)، صمت علي برهة، وأخيرا استطاع أن ينطق قائلاَ:" و.. أ..أ.. أنت.. بخير"، ثمَّ أغلق نافذته قائلا:
"يا إلهي.. أين كنت من كل هذا..؟! أيعقل أن اليوم هو العيد.. هل مضت الأيام بهذه السرعة..؟ وهل يأتي العيد بلا أمي وأبي وعائلتي..؟؟!".
تمتمم علي بهذه الكلمات والعبرات تنسكب من عينيه.. ثم استعاد نفسه قليلا.. وأقام صلاته، ولكن عندما حان سجوده لربه، لم يتمالك نفسه، وانفجر باكياً مناجياً ربه بكل ذرة من آلامه الدامية…:
"ربي أنت أعلم بحالي.. ربي إنَّك وهبت لنا العيد لتبهج قلوبنا وتسر سرائرنا.. لكن أين لي بفرحة يفرحها قلبي وهو.. بلا أب يأويه، وبلا أم تحتضنه..
ربي إني رضيت بقضائك وابتلائك لي.. لكني أرجوك بأن تهوّن على قلبي وتزيل الهم من صدري.. يا أرحم الراحمين..".
بعد انتهائه من صلاته ومناجاته لربه، خرج يخطو بخطواته على أرضه التي تدبها الأحزان..
أرض مخيم الأنين، الذي يهرم فيه الشباب، ويموت به الأطفال، ويدفن به الشهداء..
أرض لا تعرف للفرحة باباً، ولا تعرف للبهجة طريقاً..
أرض ترابها دماء.. وهضابها من جثث الشهداء..
أطلق عليٌّ نظراته بين أرصفة الطرقات.. سمع أنين مآذن المساجد.. وصمت أجراس الكنائس.. وأحزان تتفجر باكية من المعابد..
رأى نساء قد رملت، وأطفالاً قد يُتمت، ومآذن قد هدمت، وبيوتاً قد دمرت، وأوراقاً منثورة قد مزقت.. وشظايا قد بعثرت.
أخذت نظراته تبحث هنا وهناك عن فرحة العيد.. أين عيدنا..؟!! ألسنا بشر من حقنا الفرحة والسعادة.. أم أنّ الحزن قد طبع على صدورنا طيلة حياتنا..!!
وظلت أقدامه تطأ الأرض معلنة ثروة الغضب.. والحزن في آن واحد.. حتى وصل إلى المكان الذي كان يقطن فيه جده..
اتّكأ على ما بقي من حطام بيته البالي.. وانطلقت آهاته الحرَّى.. ورجع بذاكرته إلى الوراء.. فتذكر الماضي الأليم الذي حاول تناسيه طيلة حياته.. إنها مشاهد لم تغب عن أمّ عينه.. تلك الصور التي اختزنها عقله وأبعدها عن قلبه، وأغلق عليها طيلة هذا الزمن ليحجب عنه الآلام، وأما الآن فقد ضعفت عزائمه وخارت قواه، وأخذت ذكريات الماضي تتسلل إلى قلبه الحزين، وتنتشل بقايا فرحة كانت في الوريد...
ها هي المشاهد تتراءى أمام عينيه.. وها هو يرى نفسه باكياً فزِعاً عندما انقضّ الغاصبون على أرضه، وهاجموهم بغتة كالريح العاتية، فأخذوا يعصفون بهم، وقتلوا جده أمام عينيه، كم كان منظرا مروّعا!!، فهل يعقل أن طفلا ً لم يتجاوز العشرة خريفاً يرى منظراً كهذا؟!.. ولم يمض ِ إلاّ يومان أو ثلاث إلاّ وعادوا للافتراس بمخالبهم الحادة، وأسواطهم المميتة، وبنادقهم القاتلة..
رأى أباه ملقىً على الأرض يُضرب بأسواطهم وأرجلهم ضرب العبد والأسير، يضربونه تعذيباً وإهانة لكرامته. لا يريدون قتله وإراحته من الظلم.. بل يريدون له العيش بذل واحتقار..
جرّوا أباه إلى الخارج حيث الآلام.. نظر الأب لابنه نظرات الوداع الأليم، وكانت تلك اللحظات هي لحظات وداع ٍ ما بعده لقاء...
اُعتقل أبوه في سجون الغدر، وراء أسوارٍ تحجب الحياة، وتميت القلوب؛ حتى يعيش ما بقي من عمره بعيداً عن زوجه الرءوم وطفله البريء..
ومضى على بعدها محروماً من حنان الأب، يتيماً وأبوه على قيد الحياة، ولكن أيّ حياة تلك.. التي صباحها بالإهانة والاحتقار، ومساؤها يَسْوَدُّ وتسود معه القلوب والأبصار..
ومضت أيام من العذاب.. قضاها علي بصمود وصبر وإيمان بالله الواحد القهار.. نعم.. هو وحده القادر على تسيير السحاب وهزيمة الأحزاب، ولم يكن قلبه وحيداً في ذلك العالم الموحش، بل كانت معه أم صبور حنون بكل معاني الكلمة.. تشد أزره وتقوي عزائمه.. أم تتعب بالنهار في مساعدة النسوة العجائز، وتسهر في ليلها على راحة المرضى ومداواة آلام الجرحى.. ودارت الأيام ومرت بصبر حيناً وألمٍ حيناً آخر، حتى كبر علي، واشتدّ عوده؛ بفضل - الله تعالى أولاً وأخيراً- ثم أمه التي ضحت من أجله كثيراً، ولكنّ ذلك الصدر الحنون الذي كان يبكي فيه علي ويخرج فيه كل طاقاته وأحزانه المشتعلة، لن يظل هكذا طويلا...
فهذا هو يوم أراد الله تعالى لعليّ أن تكتمل أحزانه، ويُؤخذ منه الشعاع الذي كان يبعث الأمل في طريقه وحياته..
نعم.. هو يوم لا تنساه ذاكرة علي أبداً مهما طال الزمن، ما زال يرى نفسه أثناء عودته من مدرسته.. ودبابات الاحتلال في كل مكان في مخيمه، تهدّم هنا بيتا، وتدمر هنا مسجداً وهنا يهرول مسرعا إلى بيته؛ ليحتمي به.. لكنّ الأمل في الحماية قد ضاع بين حبات الرمال، وقذفته الرياح بعيداً.. فلم يعد له مكان في الوجود.. فقد رأى بيته رماداً يطير هنا وهناك، وكتبه قد نثرت على التراب، وأوراقه قد مزقت من الظلم والقهر والاستيطان...
أخذت دقات قلبه تهرع فزعا: "..أمي...أمي..!!"، فأخذ ينقب بين الأنقاض، فرأى جثة الأم العصوم ملقاة، وقد انتقلت روحها إلى بارئها برضا من الله وشهادة في سبيله.
".. أمـاه.. قد لحقتِ بجدي وأبي.. فهل ألحق بكِ..؟!! " قالها وقلبه قد مزق كمداً، واحترق ثائراً غَضِباً.. احتضن فؤادُهُ أمَّهُ وعانقها بحرارة، ليرى ابتسامة الكبرياء ترتسم على وجهها، وريح المسك قد عطرت ثيابها.. وتفارقت الأجساد.. لكنّ القلوب ما زالت معلقة بحبل الوصال، ليكون آخر لقاء بينهما في الحياة الدنيا، وبذلك قد ذهب أمله أخير في دنياه.. كأنّ ربّه يناديه ليلتجِئ إليه؛ فقد ضاقت به الدنيا بما رحبت، فلا ملجأ ولا منجا من الله إلا إليه، فيتودد إليه ربه قائلا ً:
"عبدي.. هل لكَ الآن معين سواي.. هل لك إله غيري..؟!"
أُخذ منه الحبيب والقريب والمعين ولم يبقَ سوى الله تعالى..
ومنذ تلك اللحظات عزم بإصرار على الثأر من المعتدين..
فنظر إلى العالم من حوله،وقال: "أين أمتي.. أين عروبتي.. أين قلوبكم.. أين هي قلامكم..؟؟؟!!" صرخات تتبعها صرخات من مرارة العذاب..
عاش وأمله في شعب العرب وإخوانه من دم العروبة والشهامة، كان يهرع كلما رأى الصمت على ألسنتهم.. والخوف من المغتصبين مزروع في قلوبهم..
".. ما هذا العجز الذي تملّك قواكم.. إننا نباد.. إننا نموت.. ننا نفنى.. كن.. أين أنتم.. هل أنتم قادمون؟.. هيا تعالوا.. تعالوا إلينا.. فإنا منظرون..".
كان الأمل يراوده.. ظنّ أنّ شهامتنا عالية، ورجولتنا شامخة، وإيماننا صادق..
لكنّ الواقع مر.. والحقيقة أمرّ وأعظم..
ومع هذا ظلت عزيمته قوية إلى يومه هذا، وأمله في الله وفينا كبير بأن ننصره ونشد من أزره..
توقفت ذاكرته عن رؤية الماضي المرير الذي يستمد قواه من عواقبه، لكن أمله في العرب ما زال مطبوعاً على قلبه.
وتابع سيره في طرقات بلدته، لكن أقدامه يجب ألاّ تطأ أرضا بها ظلم بعد اليوم.. كان عليه أن يقضي عمره في مكان آخر يحيا فيه حياة هنية بعيدا عن أي مباداة واغتصاب لحقوقه.. حان يوم عرسه، آن الأوان ليزفّ إلى جنان الرحمن بملائكة من نور؛ فيلبس من نور، ويمشي على نور، ويفرش له من نور؛ ليرى ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشرٍ.
انطلقت رصاصة غادرة.. تلقـّاها علي بابتسامة صادقة ملؤها النقاء، وفرحة قلبه للقاء الله تعالى، فاخترقت قلبه الطاهر؛ لتخرج روحه الطيبة الأبية برضى من الله ورب غير غضبان، فتحفظها ملائكة الرحمن وتخرجها من جسده.. كما تسيل القطرة من فم السقاء.
لقد رحل شهيدنا إلى حياة أكرم، ولكنّ أمله ظل باقيا صامدا.. ربما تحاول الأيام أن
تلاشيه وتقبره.. لكن..
هل لنا أن نحيي الأمل من جديد، ونحوّل خذلاننا نصرا ما بعده نصرا..
هيا يا شباب الأمة.. فكم هكذا نوم بغير يقظة!.. فلنعلن ثروتنا.. ونعيد الأمل إلى قلوب المظلومين..
فلنحط آلامنا وأحزاننا بسور الصمود والحزم، ونعيد العزة لإسلامنا وأمتنا..
قبل فوات الأوان...
النقد و التعليق:
النقد والتعليق: عزة سلطان:
وعد الله الشهداء بخلود في جنانه وحياة يتمناها كل إنسان، هكذا حلمت القاصة المتحمسة جدًّا للشهادة والاستشهاد في سبيل الله حين يصحو البطل فيكتشف أنه يوم العيد وهو لا يعرف ثم يتذكر أنه وحيد بلا أم أو أب، وهنا تعود القاصة بطريقة "الفلاش باك" إلى الخلف لتوضح أين ذهب أبوه وأمه في مشاهد توضيحية مفسرة لغياب الوالدين، ثم تستكمل توضيحها لحياة البطل في صغره ورعاية أمه له ثم استشهاد والدته، وفي هذه اللحظة تعود القاصة إلى لحظة البداية وتنطق منها إلى المستقبل وتصاعد الحدث لنهاية القصة، وذلك باستشهاد البطل وهي نهاية متوقعة من عنوان القصة؛ فكل الذكريات التي سردتها القاصة هي لشهيد، وإن كان ما زال حيا بين السطور.
استخدمت القاصة طريقة جيدة وهي البدء بنقطة أو موقف والانطلاق منه إلى الماضي لتوضيح الآن ثم المضي نحو المستقبل، وهي طريقة يستخدمها عادة الروائيون وكتاب السيناريو، تؤدي إلى عمق التخيل لدى المتلقي.
القاصة انفعلت كثيرا بمضمون القصة وهو الاستشهاد هذا الانفعال الذي لم تجد توظيفه في خدمة القصة فجاءت الجمل في بعض منها ذات نبرة خطابية عالية أقرب إلى لغة المقالات منها إلى لغة القص، واستخدمت في ذلك التناص مع القرآن لتؤكد على أهمية فكرتها، إلا أنها مع هذا التصوير الجيد للشهادة والاستشهاد فهي لم توضح أسباب استشهاد البطل...
انفعلت القاصة بفكرة الشهادة أكثر من انفعالها ببطلها وأحداث قصتها فتصاعدت القصة بداخلها أكثر من تصاعدها على الورق؛ وهو ما دفعها إلى ترك أدوات القص وتوجيه الخطاب والقول إلى المتلقين، وحولت القصة إلى مقال في الجزء الأخير خاصة في ندائها هيا يا شباب الأمة.. فنلعن ثورتنا.
نأخذ على القاصة هذا الانفعال غير الموظف، حيث بدأت القاصة قصتها بداية جيدة ناجحة.. الحدث واضح والجمل بسيطة قصيرة مكثفة.
وأوضح أن القاصة تمتلك أدوات جيدة وتتمكن من أدواتها وتتحكم فيها، إلا أن الحماس والانفعالية أفقدتها هذا التحكم فجاءت القصة غير محكمة.
من المهم أن يؤمن الكاتب بما يكتبه وتحركه إليه مشاعر قوية، ولكن عليه ألا يجعلها تسيطر على عمله... وعليه التعامل بحذر تجاه حماسه وتوظفيه لخدمة النص.
أخيرًا أهمس للقاصة الصغيرة "إيمان": لديك فرصة كبيرة، حذار أن تتسرب من يديك وهي بدايتك في سن صغيرة (الرابعة عشرة)؛ وهو ما يعني أن الفرصة أمامك لتحقيق ذاتك وتطوير أدواتك، وتخيلي معي لو انطلقت من البداية الواعدة التي بين أيدينا وأصقلت ذلك بالقراءة المستمرة لكتاب القصة العالميين والقراءة قي نقد القصة، وتخيلي نفسك في عامك العشرين أي بعد ست سنوات من المحاولات والتجريب والدأب، أتصور أنك ستكونين شيئا كبيرا إن أردت إن شاء الله، أمنياتي بالتوفيق.
|