English

 

الاثنين. أغسطس. 4, 2003

ثقافة وفن » نادي المبدعين » الخواطر والمقالات

 
   
روابط من إسلام أون لاين

حائر..

Image
وقف يتأمل قرص الشمس الهادئ وكأنها صحت لتوها من غفوتها.. وكأنها تزيح عنها ما بقي من فتات النوم.. "وهل تغفو الشمس؟" سأل نفسه هذا السؤال، ومضى يستمتع بمشهد صحوتها.. كيف له أن يكذب مرآها وهي تصحو، وهو يرقبها وهي تعلو وتغضب وتسطو بعد ذلك.. لتحيل نهارهم الصيفي ذاك إلى "قطعة من جهنم" كما اعتادت الألسن أن تتناقل وهي تشكو سطوة الشمس البريئة..

بلا شك كان ذاك اليوم مميزا؛ فمن مدة لم يدرك صلاة الفجر في المسجد، ومن مدةٍ أطول لم يخلُ بنفسه تلك الدقائق يتأمل شروق الشمس، ويفك عن روحه بعض قيود الدنيا لتسمو حيث قُدّر لها أن تسمو.. ما عرفت نفسه هذي الطمأنينة منذ زمن بعيد، وهو يعلم أنه اليوم في ذمة الله.. فقد صلى الفجر في جماعة، لأول مرة يترك كتبه التي سهر عليها ويذهب إلى الصلاة، ولأول مرة يستشعر نوعا آخر من الفائدة لسهره الطويل على دروسه، غريب هو ذلك الشعور الذي ينتابه.. بعد أن قام عن دراسته وتركها ليذهب إلى المسجد، أيكون شعور النصر؟.. ولو لمرة انتصر على متع الحياة وزينتها! لا يدري ويبدو أنه لا يريد أن يدري، ولا يريد أن يفسد متعته بشروق الشمس الخلاب.. حقّا، فاتنة هي الشمس!

وبينما هو في خلوته.. وفي فتنته إذ بزميل له يوقظه للحظة كي يذكره بدوامه، يا له من حجر عكّر صفو تلك اللحظات! مضى الزميل بعد أن فعل فعلته التي فعل.. وتركه يحاول التقاط ما بقي من صفو اللحظات، ليسأل نفسه حينها "حقًّا.. لماذا أذهب إلى الدوام كلّ يوم؟ ولماذا أجهد النفسي بكل هذه الدراسة وأحملها كل هذا العناء؟"، كان الرد جاهزا في أعماقه أو قل في ذاكرته: "حتى أصبح طبيبا..." لا يعلم من أين تأتيه الأسئلة أو الأجوبة.. إنما تأتي: "ولماذا تريد أن تصبح طبيباً؟".. من مكانٍ ما يأتيه الرد "كي أحيا، كي أجني المال، كي أتزوج، وأربي أولادي"، وجاءه صوت خافت من بعيد يكمل "وكي أساعد الناس بعلمي" يسأل نفسه من جديد: "وماذا بعد؟ ماذا بعد أن تحقق كل ذلك؟.. أتكون أنهيت دورك في الحياة؟ أتكون أديت رسالتك؟ ما موقفك بعد أعوام عشرين أخرى؟.. وقد تقف موقفاً كهذا تراجع أيام عمرك وتراجعك! قد تسألك شمس الشروق: ما فعلت بكل يوم جديد أتيتُ به إليك؟

ما حصاد تلك المشقات وتلك العقبات التي اجتزتها والتي صرفت من جهدك الكثير لردها... أهي الحياة؟ أن تحيا لأن تحيا! أو أن تحيا لأن تموت.. وكل ما حييت لأجله زائلٌ فانٍ، يمضي العمر لتجد أنك استنفدت أيامه وأنت تنظر لأيامه.. وأنت تجري وراء أيامه! وماذا بعد أيامه؟".. يأتي الجواب وأظنه في هذه لم يكن من أعماقه أو حتى ذاكرته، إنما كان كلمات تكرر سماعها "ماذا بعد الأيام يا هذا؟ الموت.. أولم تكن من المصلين؟ أولم تؤدِ فرائضك؟ فها أنت أعددت للموت عدته.. فكفاك بهذا الجدل.. إنها الحياة.. هكذا الحياة ومشاغلها وزينتها، عليك أن تسعى لها وتحقق ما استطعت منها" بدا حائراً، مقتنعاً وغير مقتنع بما قيل.. عاد يتأمل تلك الشمس التي بدت حنونة ساعتها، أرهقته الأفكار.. فليترك الأفكار وليذهب الآن، عليه أن يحيا.. عليه أن يصل إلى جامعته، عليه أن يجتهد في امتحاناته الأسبوع القادم... عليه.. عليه، ولكن "لماذا؟ لماذا؟ ألأنها الحياة.. وهل علينا أن نمضي حسبما تريد هي؟ أين عقولنا؟ أين إرادتنا؟"، إنه يفتقد شيئاً ما، حلقة ما تربط الأمور ببعضها.. "أيتها الشمس.. لماذا تدورين؟ لماذا تصحين وتغفين؟" لن تجيبه، لكنها كانت شامخة، فيها شيء من العظمة؛ لأنها من خلق ربٍّ عظيم... أدرك ساعتها شيئاً أو لمح نوراً كأنه نور الفجر "ألا تدورين أيتها الشمس طاعة لربك؟ أليست حركاتك وتقلباتك تبعاً لأوامره جلّ وعلا.. إذن فأنت تحيين في طاعة الله، وكل حياتك طاعة لله.. وفي كلّ أمر تبغين مرضاته، ألست أحق منك بهذا؟ وأنا الذي هديت السبيل وهديت العقل؟ وأنا الذي أنعم الله علي ما لا يحصى من نِعم.. نَعم وجدتها أيتها النفس، أنا لست إمّعة.. أنا لست أحيا بلا "هدف حي"... كل أهدافك التي ذكرتها أهداف ميتة، آتية هي أثناء سعيي لهدفي الحي.. لكن حياتي أسما وأرقى، في سبيل الله هي.. كل أفعالها هي لأجل الله... نعم فأنا أدرس كي أصبح طبيباً فأنصر بالطب دين الله... نعم، أن كنت سأجني المال، فإني أريده كي أصرفه في الدعوة إلى الله.. أن كنت أريد زوجة أو أبناء فإني أريدهم لله.. دعاة وجنوداً لخدمة رسالة الإسلام... أنا لست أحيا بلا هدف، بلا فكرة.. لي فكرة في سبيلها أترك كل شهوات الدنيا وزينتها.. تماماً كما تركتها اليوم كي أصلي الفجر... ما أجملها من دقائق انتصرت فيها على رغبتي ومتعتي لأجل ربي... لبيك ربي، لبيك ربّي... هكذا يا نفس أمضي في الحياة بملء إرادتي، هكذا يا نفس أعلم أنّي ما أضعت ساعة جرياً وراء دنياك الزائلة الهازلة.. غايتي إرضاء الله، وواجبي حمل الأمانة، وهدفي نشر الرسالة.. حبّا لله.. فلك الحمد يا الله".

غابت الشمس الحنونة، أو قل استبدلت وجه الغضب بوجه الحنان.. وقد تكون مضت تعلم قوماً آخرين الدرس ذاته بأسلوب مختلف، لم يفلح معهم ذاك الأسلوب.. فمضت بغضبتها تذكرهم، وتحيل نهارهم الصيفي "قطعة من جهنم" لعلهم يعتبرون!!


النقد و التعليق:

الناقد والسيناريست: عماد مطاوع

كثيرا ما يتساءل الإنسان عن جدوى وجوده على ظهر هذه الأرض، وكثيرا ما يحاول البحث عن دور ما يقوم به، وكان هذا موضوعا للعديد من الأعمال الفنية والفكرية على مدار التاريخ البشري، ويبدو أن هذا ما أثار كاتب نص "حائر" الذي يتأرجح بين القصة والمقال في محاول لجمع ما بين خصائص كل منهما، لكن صديقنا الكاتب أراد أن يقول كل شيء وبمصارحة شديدة -مباشرة- دون اعتبار لأي دواعٍ فنية تتطلبها القصة؛ لأنه أراد توصيل رسالته تلك بشكل تعليمي؛ فنراه قد أغفل الاهتمام باللحظات القصصية الصغيرة التي من المفترض أن يهتم بها النص على أساس أنه قصة بالطبع "وماذا بعد؟ ماذا بعد أن تحقق كل ذلك.. أتكون أنهيت دورك في الحياة؟ أتكون أديت رسالتك؟ ما موقفك بعد أعوام عشرين أخرى.. وقد تقف موقفاً كهذا تراجع أيام عمرك وتراجعك! قد تسألك شمس الشروق: ما فعلت بكل يوم جديد أتيتُ به إليك؟".

وأيضا نجد ثمة ارتباكا في هذا العمل نلحظه منذ البداية.. "وقف يتأمل قرص الشمس الهادئ وكأنها صحت لتوها من غفوتها.. وكأنها تزيح عنها ما بقي من فتات النوم.. وهل تغفو الشمس؟ "ولنلحظ تكرار "كأنها" في تساؤل ذهني شديد المباشرة، ثم نجده مرة أخرى يقول: "يا له من حجر عكر صفو تلك اللحظات! مضى الزميل بعد أن فعل فعلته التي فعل".

وربما كان سقوط صديقنا في هوة الذهنية الشديدة بسبب رغبته في توصيل رسالته بشكل مباشر وصريح يقترب من الأسلوب الوعظي، وكان يمكنه تحميل ذلك من خلال ثنايا العمل بحيث تكون الحالة القصصية هي المعبر عنها بلا تصريح وبلا مباشرة كما يقول..

"لماذا؟ لماذا؟ ألأنها الحياة؟.. وهل علينا أن تمضي حسبما تريد هي؟ أين عقولنا؟ أين إرادتنا؟".

ورغم ذلك فإن بالقصة شيئا إيجابيا هاما، وهو قدرة الكاتب على بناء الصورة بشكل جيد، وإن كان مقتصدا، بل وكان يحد بنفسه قلمه عن الاسترسال بأن يصنع كلمة أو جملة تعترض طريق هذه الصورة.

لكن خلاصة القول أن هذا العمل يبشر بقلم مجتهد، يبحث عن مسار يستطيع التعبير من خلاله عن موقفه من هذه الحياة ومن نفسه، وكل ما هو مطالب به أن يحدد الجنس الأدبي الذي ينوي الكتابة فيه، ثم يمتلك ناصيته بعد ذلك، ويعمل على تجاوز المطروح وتقديم رؤيته التي تضمن له الخصوصية والتفرد.

 
أرسل لصديق أرسل لصديق

« 

ابحث

«

بحث متقدم