|
غذت الأيام في سيرها (لتلق) بي في محفل الذاكرة المبهم.. إنه متسع ولكنه كئيب.. تضطرم فيه أنوار صاخبة ولكنه ضبابي..
يشد الداخل فيه إلى الماضي.. يصهره في بوتقة رتيبة من لحظات الزمن..
لم أعرف كيف دخلت ولا متى أو لماذا؟؟ فالسؤال في المحفل (ضرب) من العبثية ينهش عبث الذكريات اللاعبة على أوتار النفس والحس..
أتراه ذلك الإنسان إذ لاح لي من بين سفوح القدر.. من أجج الذكرى في أغصان وعيي.. أم تراها كلماته الساجية من ملأ بعيد عن مقالات البشر!!
أم تراه يوم اللقاء.. لحظة اللقاء.. أنية العمر وهو يولد ويموت في طرفة عين واحدة..
نعم كان الزمن طرفة عين رمشت (برؤياه)، ولكنها في حساب الذاكرة والنفس العمر الماضي والعمر الذي يصطخب في الرحم رجاء الخروج.
مددت يدي أتحسس حرارة جسده فإذا به هالة نور تراها ولا تقبض عليها.. رميت بقوتي أشد بساط أرضه حتى لا يرتحل، ولكنه ما جاء ليبقى..
فهو انتباهة البرق في عتمة الشتاء
وأشلاء الحلم في أجفان النوام
أتراه يعود؟؟ أم أنه للرحيل أتى..
لا يهم.. المهم تلك الكلمات المنحدرة من شفتيه صيبا شفى الضنى وهدأ روع الشريد. محال أن تسقى روح أمحلت إلا برشفة من روح كبيرة تعرج على الدنيا لتؤوي إليها فقيرًا داسته مدى الواقع الجامد، وراحت أشوال الصبر القاسية في حناجر بشره تنخل منه أماني الروح البريئة وتسحق وجوده على وتيرة ادعاء مقيت من وصاية "هدنا" على البشرية.
كان يعمل ما أريد أن أقول.. نظر إليّ بمقت حبيب يرحم حبيبه أن يشقى بأوهام وصال مفند..
قال: ماذا بعد كل هذا؟! ما النهاية.. إلى أين ستحط بك ريح الألم واليأس؟.. متى (ستنهمر) على أمانيك وابل الخوارق المنتظر؟ أم تراك ستظلين العمر كله سارحة الأحلام في عالم الأوهام؟
قلت: انتظرتك طويلاً، طار بي الشوق كل سبيل يسعفني الإدراك أن أشقه إليك.. أتراك لم تعلم أم أن الروح وهنت فلم تقو أن تحمل إليك روحها أو تلامس وعيك أناتها..
قال: هل وصل بك اليأس أن تظني أن في الأموات قوة حياة ينفثونها في الأحياء؟.. أم أنك استكثرت بأمنية هوجاء من أمانيك العاجية: إن في القبور وأهلها بارقة روح أغفلوا عنها يد الفناء فراحوا يداعبون بها أهل الأديم.
قلت : ولكنك كنت دومًا غير إنسان.. غير واقع في حساب البشر ومصائرهم القاصرة.. عرفتك فريدا في حياتك، عظيما في موتك، مشفقا على محبيك الوحشة من فقدك..
أوليس العزاء في غيرك (عبث) والموت (بعد جلل)!!...
قال : ولكني لا أهب الحياة أرضا ليست من رحمة السماء، ولا أنتشل غريقا تلاطمت عليه أمواج الفوضى فصار يرى النور ظلاما والواقع سرابا، والحق ثورة لحن في موعظة (فاه) فارغ القلب صهيل الصوت..
قلت: لماذا أتيت؟؟
قال: طرقت مخدعي روحك تشكو سجن السرابيل الذي زويتها (فيها)، وكل رقعة منه تعريها ولا تسترها. لماذا تخيطين لها بشرا ليسوا هي، لماذا تحملينها أن تحيا حياة ليست لها؟ لماذا (تصهريه) وجودها في وجود الغير؟؟..
قلت: ها قد لمست جرحا ما يزال صديده يفضح عجز الالتئام والنسيان.
قال : أترى الدمع في عينيك دموع ذاتك أم دموع نفس تسربلت بها روحك؟ ما أدراني أن البسمة في شفاهك ليست بسمة الغير أو الشوق الذي تتحرقين به إليّ ليس شوق غيرك؟؟ هل تستطيلين على الدين الذي كره الوجهين فها أنت تتقنعين وجوها عديدة بعدد البشر في محيط الأرضين!..
قلت: لا عليك أن تظن أني أعيش أياما في انعكاسة الغير على شخصي.. ولكن ليس لك أن يخامرك الشك ولو للحظة أن الشوق الذي يضطرم في جوانح نفسي وهفوات القلب التي استحالت ماء العين في أجفاني أستسقيه ليبرد فؤادًا يتوهج بحبك.. ليس لك أن تظن ذلك كله زيفا اجتمع من وجوه عديدة وأنه ليس صدقا تتلألأ به نفسي وترتيلا يترنم عليه خاطري..
إني معك أعرض ذاتي مجردة من الزمن والمحل، إني أمامك أبسط قلبي الذي أضن به على الغير أن يعرف مدة التياعه بك..
إن (سنين) عمري تبث إليك أناشيد صبر أهدهد به الروح ليالي الرؤى كلما لاح من الشوق (سوطا) يطيل عليها زمان الانتظار.
قال: سأرحل ولن أعود حتى أتيقن أنك أنت من تنطقين بهذه الكلمات وأن دفقة الصدق تنطلق منك أنت أنت..
وسأعود يوم أعلم أنك لن (تعيشين) في ظل بشر..
النقد و التعليق:
الناقدة والكاتبة: عزة سلطان
"أناشيد صبر أهدهد به الروح ليالي الرؤى كلما لاح من الشوق سوط يطيل عليها زمان الانتظار" إني أمامك أبسط قلبي الذي أضن به على الغير أن يعرف مدة التياعه بك"
في حالة من الرومانسية الحالمة تنتقل "غادة" بنعومة شديدة ورقة تكاد تقارب النسيم بين مفرداته، تقص حكاية عشق متوهج يكاد المتلقي يذوب فيه حتى عندما يعرف أن الحبيب قد فارق الحياة.
تعمل القاصة على رسم ابتسامة حزينة من خلال حالة الحب التي صنعتها في عملها حيث تسرق المتلقي من أحزانه فنجدها تستخدم عبارات تؤكد هذه الحالة الشاعرية مثل "فهو انتباهة البرق في عتمة الشتاء" و"أشلاء الحلم في أجفان النوام"
وقد جاءت لغة القاصة جيدة فقد صنعت حالة جيدة من خلال اللغة ويتضح ذلك من خلال التشبيهات والاستعارات الجمالية المتعددة نورد منها "السؤال في المحفل (ضرب/ درب) من العبثية ينهش عبث الذكريات اللاعبة على أوتار النفس والحس، لاح لي من بين سفوح القدر... ماء العين في أجفاني أستسقيه ليبرد فؤاداً يتوهج بحبك... إن في القبور وأهلها بارقة روح أغفلوا عنها يد الفناء فراحوا يداعبون بها أهل الأديم... أو ليس العزاء في غيرك عبثاً...
وهو ما يدل على اطلاع جيد، كما يتضح أن القاصة تعتمد على اللغة في بنائها القصصي وهو ما يستدعي أن تهتم بالقواعد النحوية، حيث أغفلتها في القصة فجاء المنصوب مرفوعًا والمجزوم مرفوعًا مثل "لن تعشين" والصحيح "لن تعيشي"؛ لأنها مجزومة بحذف النون (برجاء مراجعة قواعد النحو)، ويتكرر ذلك في أكثر من موضع، كما أن هناك أخطاء إملائية أرجو الاهتمام بها.
القصة مليئة بالجمل الشاعرية التي تعلو موسيقاها على نحو كبير مما يُشعر القارئ بحاجته لإعادة القراءة مرة أخرى.
خلقت حالة الرومانسية التي فرضتها على القصة في مجملها حالة واحدة بين لحظتي الحب والغضب؛ فكانا متوازيين والمفترض أن يكونا متقابلين، فعلى الرغم من أن المقطع الخير هجوم من الحبيبة على حبيبها فإنه جاء حياديًّا؛ مما نتج عنه عدم وضوح شخصيتي العمل الحبيب والحبيبة فلا يستطيع المتلقي أن يفرق بينهما إلا بصعوبة وهو ما يعيب تلك الحالة الرومانسية.
اختارت "غادة" مفرداتها مناسبة ومتوافقة مع حالة القصة، لكن العنوان لم يكن مبررًا وربما وجدنا أن الحبيبة تحاول أن تخرج من حالة حبها بعد رحيل الحبيب وربما يكون ذلك دافع القاصة في اختيار عنوانها، إلا أن نهاية القصة غير مبررة ولا تتناسب مع فكرة موت الحبيب.
|