English

 

الاثنين. أكتوبر. 13, 2003

ثقافة وفن » نادي المبدعين » الخواطر والمقالات

 
   
روابط من إسلام أون لاين

جئت أبيعكم ابنتي...

Image
مرت شهور على تلك الحادثة، ليس أيام أو ساعات، بل مدة طويلة مضت على زيارة رجل وابنته الصغيرة للمؤسسة الإعلامية التي كنت أعمل بها...

المكان بالتحديد (دائرة الأخبار) صالة صغيرة تحتوي على مكتب وطاولة اجتماعات ومكتبة مليئة بالأوراق والأشرطة والصحف القديمة.

جاء الرجل يعرض قصته في مساء شتوي، لكن رائحته كانت صيفية وكأنه فرغ من رعاية الأغنام في إحدى البراري.. وكذلك طفلته التي كان وجهها مليئاً بالدوائر البيضاء.. ملابسهم "مهترئة" من الفقر، والشعر أشعث ومغبر، حتى المطر لم يفلح بإنعاشهم!!

خرجت من الغرفة وعدت عدة مرات.. بدأ حديث الرجل الذي لم يكن كلامه بسيطاً بل ممتلئاً بمرارة أو قوة أو معاناة.. لا أدري.

بدأ الحديث يشدني..

كيف خطرت لي هذه الحادثة.. وعادت إلى ذاكرتي الآن.. ولماذا؟ ربما؛ لأنه مر بمخيلتي ألم وصور من طفولة معذبة لا تنفك تحاصر حياتنا ولا تتوقف محطات التلفاز عن بثها.. بينما لا تستطيع الذاكرة المنهكة المرهقة المشبعة بالأحزان.. ذلك.

تحدث الرجل مطولاً.. حتى إننا تعطلنا عن وضع اللمسات الأخيرة على التقارير الإخبارية.

لقد تكلم عن الفقر وحاجته للعمل وأطفاله الجياع ومماطلة المسئولين في تعيينه في إحدى دوائر السلطة الوطنية الفلسطينية، موثقاً كل شيء بقرارات التعيين ومقال له في إحدى الصحف.

في منتصف الحديث، وبينما مللنا من المماطلات والقصص المحشوة والمتتابعة التي قالها وسردها ولم أستوعب عدداً منها، فاجأني -ودعوني هنا أتكلم عن نفسي فلكل من الحضور بالتأكيد طريقة في التصديق والتفاعل- فاجأني بل أفجعني.. حينما أمسك الرجل ابنته من قميصها الرث، وقال: "أنا أعرض ابنتي للبيع..."، قالها وتابع حديثه عن معاناته في الحياة والتوظيف طالباً مساعدتنا في الإعلان عن بيع.. قالها وعلقت كلماته في أفواهنا وصدورنا.. بينما استمر هو في حديثه، ولم أشعر بحرارة كلمات الرجل؛ لأنها كانت باردة.. نائمة تحت طبقة جليد صلب.

إنني لا أقوى حتى على إعادة العبارة، "يا إلهي بيع؟!" كان يتكلم ويتكلم وأنا أبكي بداخلي بدلا منه. تأملت طفلته كثيراً، صحيح أن كل شيء فيها يوحي بالفقر و"الاهتراء"، لكنها كانت أجمل مخلوق في الدنيا في تلك اللحظات، ورغم أن الأطفال ببراءتهم يجذبوننا إلا أنها كانت الأجمل.. ترى هل فهمت ما قاله والدها؟

لا أنكر تأثري، إلا أنني قررت أن أنفض نفسي من هذه الجلسة، بل إن جسدي رفض الاحتفاظ بالقصة حتى؟ وشعرت أن دماغي قد تلوث.

والد يعرض ابنته للبيع؟!!

لماذا نسيت القصة هذه الفترة، ثم عادت الآن إلى ذاكرتي، وها أنا أكتبها، أكتب عن قسوة أب يفكر ببيع طفلة! وليس أي طفلة، إنها طفلة خرجت من بين ضلوعه، تكونت في رحم أم تكبدت آلام شهور الحمل بالساعات والثواني.

رفضت كتابة قصته وقسوت عليه بعدما تأثرت ونزفت، وكأنه بناء تهدم واحتاجه الأمر وقتاً كي يستيقظ.. لم أذكر الأمر لأحد، لم يكن باستطاعتي ذلك، وقد حامت حوله الشكوك فالمشهد كان متحجراً لا يمكن أن "يحكى / يحيى"، تعامل مدير دائرة الأخبار -التي عملت بها- بهدوء تام هدوء رجل مثقل بالتجارب خاصة في سجون الاحتلال والشيب الذي بدأ يكتسح شعره، وعندما غادر الرجل و(طفلته) رفع المدير يديه قائلاً: "كيف أساعد شخصاً في بيع طفلة".

لو كنت أنا مكانه لوبخته أو طردته.. والآن بعد كل هذه المدة عطفت قليلاً على ذلك الرجل، وإذا ما كانت معاناته وفقره "صحيحاً" فلم لا، فكل يوم نذبح وننزف، لم لا وقد تجردنا من أرضنا، أليس بيع الأطفال ذبحاً أيضاً، أليس نزيفاً؟ إنها المرحلة التي تصل إليها أفقر المجتمعات والأكثر تعرضاً للذل والظلم.

الآن وبعد كل هذا الوقت، هل ما وصل إليه ذلك الأب هو جزء من مذبحة وعقاب جماعي من قبل حكومة الاحتلال؟

رغم ذلك يبقى هناك (لكن) أخرى وأخرى..

أحاول البحث عن مخرج ما.. حقيقة ما وأمل رأيته في عيون الطفلة، وعيون أمها التي لم أرها وملامح أخواتها وهم ينتظرون رغيف الخبز.. إليهم أريد أن أقدم اعتذارًا؟!  


النقد والتعليق:

السيناريست والناقد: عماد مطاوع

صعد الإنسان إلى القمر منذ نصف قرن مضى، وشهد العالم تطورا مذهلا لوسائل الاتصال مما جعل الكرة الأرضية قرية إلكترونية صغيرة، كما تطورت المجتمعات الإنسانية تطورا سريعا، وأصبحت تتعاطى الرفاهية في صور متعددة.

ولكن وسط هذا كله ما يزال هناك أناس يعانون شظف العيش، بل تدهور الحال بالكثيرين في معظم المجتمعات ذات الوضعية الخاصة، وأصبحوا يلاقون عنتا في الحصول على قوت يومهم؛ وهو ما يضطرهم للإقدام على فعل أي شيء لتوفير متطلباتهم، وقد يصل الأمر ببعضهم إلى بيع أعضائه، بل ويصل بالآخرين لبيع أبنائهم، ولهذا أجدني متعاطفا مع نص فكرة نص "جئت أبيعكم ابنتي" لكاتبته بثينة عبد المنعم حمدان، وأقول فكرته؛ لأن هذا النص يعتمد على فكرة جيدة جدا وهامة للغاية، ولكن عدم وقوف الكاتبة على أرضية صلبة وتحديدها أدوات كتابتها جعلنا غير قادرين على تلقي هذا النص بشكل كامل.

وبداية أود التنويه إلى أنني تعاملت مع هذا النص كنص سردي يقترب إلى اللوحة القصصية أو كنص سردي أدبي يقترب من قيمة المذكرات الصحفية التي تركز على ظاهرة ما وتحاول تعريتها بغية الانتباه لها ومعالجتها، والحق أن كاتبة هذا النص تحمل هما إنسانيا عاليا وشعورا بالمسئولية طاغيا تجاه هذه الحالة التي عرضتها، ولهذا نجدها تقدم اعتذارا في نهاية النص، ولكنها للأسف ظلت على طول النص تقدم لنا جملا تقريرية مباشرة تقترب إلى اللغة الصحفية دونما اهتمام أو تركيز على رصد لحظة قصصية واحدة، فهي منذ البداية تؤهلنا لسماع حدوته أو موقف مرت به وليس قصة لها طابعها ورونقها الفني فنجدها تقول: "مرت شهور على تلك الحادثة ليس أيام أو ساعات، بل مدة طويلة مضت على زيارة رجل وابنته الصغيرة للمؤسسة الإعلامية التي كنت أعمل بها".

واستطردت مستخدمة لغة مباشرة مضطربة في بعض المواقف مثل قولها: "بدأ حديث الرجل الذي لم يكن كلامه بسيطا بل ممتلئا بمرارة أو قوة أو معاناة"، وكثير من هذه الأمثلة التي تفسد محاولاتها لنسج لحظة قصصية ما، ولهذا لا نكاد نسلم أنفسنا لسردها إلا وتستوقفنا جمل استطرادية، مثل: "كيف خطرت لي هذه الحادثة وعادت إلى ذاكرتنا الآن ولماذا؟!!".

وأهم ما يميز هذا النص هو الهم الإنساني، ولو أنها تروت قليلا واستكملت أدواتها وقرأت بشكل جيد، ومكثف ومتخصص، ستسعدنا بالطبع بأعمال فنية تضيف لنا جميعا، خاصة وهي ابنة قضية تعد أرضا خصبة للأعمال الإبداعية مجتمعة.

 
أرسل لصديق أرسل لصديق

« 

ابحث

«

بحث متقدم