English

 

الأربعاء. يناير. 2, 2002

ثقافة وفن » لغة وأدب

 

مؤتمر القصة القصيرة.. بين المنصة والقاعة

أحمد زين

ادوارد الخراط
ادوارد الخراط
دارت رحى الحديث، وتكسرت نصال الكلام على تروس الحروف، ولكن لم نرَ طحينًا، ولم يُرَقْ دم، ولم يخرج مستقبل القصة القصيرة في مصر إلا بقبض الريح. ففي الفترة من (22 - 24) ديسمبر 2001 أقامت لجنة القصة بالمجلس الأعلى للثقافة مؤتمرًا بعنوان "اتجاهات القصة القصيرة في مصر"، ولم أحب أن أرصده كالجميع؛ وإنما تداخل لدي ما كان يُلقَى على المنصة بما كان يدور في القاعة من أحاديث جانبية وتعليقات من جانب الحضور الذي لم يخرج عن الكتاب والأدباء.. وأنا أرى أن المشهدين (المنصة والقاعة) مكتملان، ولا ينفصل أحدهما عن الآخر؛ فما همهمات القاعة إلا صدى لصوت المنصة.. وهذا ما سنراه.

يؤكد "إدوار الخراط" (مقرر لجنة القصة) في افتتاح المؤتمر أن هذا المؤتمر قد عُقِد أساسًا لبحث الإشكاليات المثارة حول أهم مميزات القصة التي تفصلها عن الفنون الأخرى.. هل هو التكثيف، أم الزمن المحدود، أم الحجم القليل؟ وقد وجدنا كثيرًا من القصص التي لا تلتزم بهذه المبادئ، ورغم ذلك فإنها -بلا شك- أعمال تستحق الإشادة والاهتمام.

جابر عصفور

وفي كلمته الافتتاحية لاحظ د. جابر عصفور (أمين عام المجلس الأعلى للثقافة) خلو القاعة وبرنامج الندوة من الشباب، وتساءل عن السبب في هذا!

أحد النقاد المشهورين جاء متأخرًا، ووسط مناقشات حامية الوطيس ذهب ليسلم على قاصٍّ مشهور؛ ففاجأه القاص: "فلان مات.. كيف لم تأتِ للعزاء؟".

فيرد مذهولاً: "لا يمكن أبدًا.. قابلته منذ شهر أو أقل، كيف ذلك؟".

فيعقب ثالث: فعلاً لم نسمع عن ذلك، ربما تشابه في الأسماء!.. "جايز"، يعني لو كان المرحوم "رقاصة" كان حتمًا سيُسخِّرون له التليفزيون والإذاعة والصحف!.

ويؤكد د. عبد المنعم تليمة (الأستاذ بكلية الآداب، والناقد المعروف) أن العرب لم يأخذوا القصة الحديثة عن أوربا، فـ(القَصّ) جذوره ممتدة في التراث العربي.. أما القصة القصيرة بشكلها الحديث الذي وصلت إليه فهي نتاج أوربي بلا مراء، ولكن العرب لم يتخلفوا عن ركب القصة القصيرة؛ لأننا أبدعنا في هذا المجال في عصر موازٍ للإبداع الغربي، ودعوى سبق أوربا لنا لا تقوم؛ لأن الفارق الزمني بيننا وبينهم لا يتعدى عشرات من السنين، وهذا -في رأيه- ليس زمنًا طويلاً ولا عصرًا كاملاً.

ويمضي الدكتور تليمة مؤكدًا رأيه بأن مَواطن الرواية الآن أربعة: الشرق الأقصى، وأمريكا اللاتينية، والمنطقة العربية، وأفريقيا.. هذه هي مواطن الرواية الآن، ولا وجود للغرب في هذا الأمر، وإلا فقل لي: أين فحل غربي في الرواية أو القصة الآن؟

وفي مقاعد الحضور كان حديث آخر يدور بين أديبين؛ أحدهما سيناريست مشهور، اقترب أخيرًا من عالم الشهرة والنجومية بعد سنين من الخفوت في عالم القصة، اقترب السيناريست من أذن جاره قائلاً: يعني حضور الندوة (كم؟) 25 تقريبًا؟! ومباراة الأمس (يقصد مباراة النهائي الأفريقي بين الأهلي المصري وصن داونز الجنوب الأفريقي) حضرها 100 ألف أو يزيدون!!" فيبدي جاره الحسرة، ويقول بعدم اكتراث: "مهزلة والله...!"، ثم يغير الموضوع سريعًا: "ماذا فعلت بسيارتك؟ سمعت أنك غيرتها"، فيجيبه ببرود: "الحقيقة لم تعد مناسبة تمامًا"، فيميل عليه متخابثًا ويقول: "طبعًا بعد المسلسل الأخير الذي كسَّر الدنيا"، ويتضاحكان في صخب.

المكان والمستقبل

ويشير "محمد قطب" -القاص والروائي المصري- في ورقته البحثية بعنوان "المكان في القصة القصيرة" إلى أهمية هذا العنصر في هذا الفن؛ حيث إن المكان هو الذي يحوي الحدث والأبطال والزمان، ويؤكد أنه ما من قصة كتبت إلا وفيها مفردة مكانية، وفي اتجاه آخر، فلا يوجد مكان بعينه يتحتم على القاص أن يجعله إطارًا لقصته.

تدور في الصالة أحاديث حول شقق نقابة الصحفيين التي أُعلن عنها مؤخرًا، وتطرق الحديث عن الخبر الذي قرأه الجميع عن 50 ألف جنيه لكل لاعب في الأهلي بمناسبة فوزه الأمس، والتعليقات المريرة التي انطلقت من الحناجر..

ويتحسر القاص الشهير -الذي يُنشر له منذ عام 1954 إلى الآن- على ماضيه المشرف، ويقول بمرارة: إن مجموع ما حصل عليه من خلال هذا العدد الهائل من القصص التي نُشرت له لم يتجاوز 3 آلاف جنيه.

أما د. مجدي توفيق فقد أكد في كلمته حول مستقبل القصة القصيرة أنه لا يعتقد أن أي أحداث سياسية يمكن أن تؤثر على مستقبل القصة القصيرة؛ لا حرب الخليج، ولا أحداث 11 سبتمبر، ولكنه يعتقد أن التأثيرات "الاتصالاتية" هي المؤثرة تأثيرًا حقيقيًّا على مستقبل القصة؛ فثورة "الصورة"، وهذا الفيض الهائل من الصور التي أصبح الإنسان محاطًا بها، يصنع تغيرًا في إدراك هذا الإنسان لنفسه ولعالمه ولمفاهيمه كذلك، وهو يتوقع في المستقبل حدوث تقارب بين القصة والقصيدة بما يؤدي إلى نوع من أنواع التوحُّد.

يتعجب "عدلي رزق الله" -الفنان التشكيلي- في مداخلته على المنصة من عدم حضور بقية الفنانين؛ يعني لا روائيين ولا تشكيليين ولا سينمائيين، ويقول: "إننا بهذا نخنق أنفسنا ونحاصر فنوننا؛ فنحن نضيِّق الخناق على عملنا، وإذا كنا لا نسمع بعضنا بعضًا؛ فكيف نريد أن يسمعنا الناس؟!".

ويشرح "سليمان فياض" في ورقته حول أزمة القصة القصيرة في مصر، فيقول: "إن من أصعب مشاكل القاص أنه لا بد أن يسعى على رزقه؛ لأن القصة لا يمكن أبدًا أن تضمن له الحد الأدنى من المعيشة؛ فأول التحديات عدم تفرغ القاص وتمزقه بين أدوار مختلفة في الحياة"، وذكر أنه نفسه قد اضطر للعمل مدرسًا لمدة 24 عامًا؛ وهو ما عطله كثيرًا عن إبداعه، ثم المشكلة الثانية التي تواجه المبدع، وهي تتمثل في النشر؛ حيث لا يجد القاص مَنْ ينشر له؛ لأن ذلك لم يعد -حقيقة- مجديًا، بل يؤدي لخسارة الناشر خسارة فادحة، والمشكلة الثالثة مسألة القراءة؛ فهي شيء صعب جدًّا في هذه الظروف؛ حيث تتراجع أعداد القراء دومًا…

وفي مداخلته يهتم الأديب "محمد جبريل" بهذه المشكلة الأخيرة، ويدلل عليها بقوله: "إن كتب نجيب محفوظ كان في الستينيات يطبع منها سنويًا 10 آلاف كتاب، تراجع هذا العدد الآن إلى أقل من 1000 نسخة سنويًّا، وإذا كان هذا هو حال كتابات نجيب محفوظ؛ فما بالك بمن هم دونه شهرة وحِرْفِيَّة، وتمكنًا وقبولاً لدى القراء؟!!".

تكريم الرواد

كان أحد محاور المؤتمر الهامة تكريم الرواد، وممن تمَّ تكريمهم "نجيب محفوظ"، الذي قُدمت حول أعماله القصصية ورقة بحثية، قدمها الناقد "إبراهيم فتحي" حول: "القصة القصيرة في أدب نجيب محفوظ"، وقد ركَّز فيها على الأعمال القصصية المبكرة للكاتب، التي نشرها في الفترة من 1932 إلى 1946، والتي لا قيمة فنية لمعظمها؛ إنما بعضها يستحق الوقوف أمامها؛ لأنه أسهم في تطور القصة المصرية القصيرة بشكل لافت، مثل: "همس الجنون" 1945، و"صوت من العالم الآخر" 1945، و"الشر المعبود" 1939.

ويشير الباحث إلى أن ثمَّة أصداء من "موباسان" تظهر في قصص نجيب محفوظ، ليست في قصصه الأولى فحسب، ولكنها كذلك في قصصه في فترة النضج، وذلك في حديثه حول غرابة الحياة الإنسانية وشدة تقلباتها والحوادث العظيمة، التي يمكن تفاديها بسهولة وبأقل القليل من المجهود أو الإمكانيات.

ومن المكرمين كذلك القاص "عبد الله الطوخي"، الذي أعدَّ عنه "أبو المعاطي أبو النجا" ورقة بحثية عن بعض ظواهره الأدبية المميزة؛ فهو مثلاً: يلاحظ أن الطوخي كان دومًا يتناول الصراع والتناقض بين الأشياء، لكنه في فترة المدِّ الاشتراكي كان يركز على التناقض بين الطبقات المختلفة أو بين الفرد والجماعة، لكنه في فترة السبعينيات وما صاحبها من نبذ للاشتراكية، بدأ يرصد تناقضات الفرد الداخلية.

ومن المكرمين كذلك الكاتب الروائي "صالح مرسي"، الذي أعد القاص "محمد جبريل" ورقة عن أعماله، وخاصة روايته "زقاق السيد البلطي"، التي كانت في الأصل قصة قصيرة، وهي تحفل بأدق التفاصيل عن حياة البحر والصيادين.. هذه الحياة التي ولع بها مرسي، وربما قصر إبداعه عليها.

ويقارن جبريل بين هذه الرواية وأعمال أخرى تتناول البحر وعالمه، مثل: "الشارع الجديد" لعبد الحميد جودة السحار، و"الخيط الأبيض" لمفيد الشوباشي، و"البنت من بحري" لجاذبية صدقي؛ فكل هذه الأعمال رغم أنها تدور في الإسكندرية، وهي نفس الحيز المكاني الذي دارت فيه رواية صالح مرسي، فإننا لا نكاد نشم فيها رائحة البحر؛ فالمكان فيها ليس بطلاً كما هو الحال عند مرسي.

ورغم انتهاء المؤتمر بعد 3 أيام مكتظة بالمناقشات فإن المائدة المستديرة التي عُقدت في آخر أيامه كانت هي الأعمق والأكثر صراحة في التعبير عن الواقع الأدبي الرديء الذي نعاني منه والذي لم يَبْدُ له حل في الأفق القريب في هذه المائدة المستديرة، والتي رفض كثير من المتحدثين فيها إصدار توصيات أو قرارات؛ لأنه -على حدِّ تعبير أحد الرافضين- منذ 40 عامًا يشترك في مؤتمرات، ويصنع توصيات، لكنه لم ير توصية واحدة منها قد نفذت، أو على الأقل اهتم بها المسئولون.

 
أرسل لصديق أرسل لصديق

« 

ابحث

«

بحث متقدم