English

 

الاثنين. مايو. 28, 2007

دعوي » الدعوة والحركة

أرسل لصديق  
   
روابط من إسلام أون لاين
روابط خارجية

مراجعات الدعاة .. فريضة تربوية غائبة

بقلم - أسامة حمود

Image
أسامة حمود

الدعاة هم أَولى أهل الأرض ببذل النصح وبيان الحق، فالثقة فيما يرون أنه حق، تجعلهم رجال مبادئ لا رجال مصالح، فهم يعاشرون الناس على بصيرة، يتعاونون معهم على الصواب، وينقدون فكرهم وسلوكهم إن كان خطأ.

إن أبعاد الشخصية الإسلامية التي يتغياها القرآن الكريم تكاد تكون غائبة، فالواقع التربوي الآن - الذي يصوغ الشخصية الإنسانية - جنَى جنايات قومية على بلاد الشرق المنكوب، فقد هُزمت التربية حتى الآن في ميادين الاجتماع والقيم والأخلاق، وكذا ميادين السياسة والاقتصاد، فلم نستطع تعميق روح الأخوة والمرحمة وأواصر الحب بين الناس، ولم نوطد معاني الحرية والشورى، ولم نحقق أي معدل عالمي في الإنتاج حتى في الكرة، وبالجملة فقد ضاعت هيبة الدين في النفوس، وتبخرت معها القيم السامية التي تستحق من أجلها أن تكون الحياة حياة.

وبناءً عليه، فقد وجب على الأحرار - خاصة الدعاة - ألا يهادنوا أوضاعا جائرة، تدمر في طريقها الخواص والعوام، لقد أمسى أول واجباتهم إحياء تلك الفريضة التربوية الغائية في أخطر ميادين الصراع، ميدان الثقافة والفكر، الذي يصوغ كيان الإنسان ويهدي سلوكه، عليهم أن يعطوا الإصلاح الفكري والنفسي أولوية مطلقة كضرورة لنجاح أية نهضة مرتقبة. 

لا خير فيكم إن لم تقولوها

المؤمن يفرح بالنصيحة ويحب قائلها، فالنصيحة ضياء، والمؤمنون يحبون الحياة في أشعته، فهو الذي يشع لهم النور العاصم من التخبط، والهداية الواقية من الانحراف والسقوط.

أما المسرفون - الذين يجهلون القيم، ويقل اكتراثهم بالمصائب التي تنزل بالأمة - فإنهم لا يأبهون بالنصيحة أو النقد، بل يعلنون الحرب عليها وعلى قائلها والداعي إليها، رغم ما يخلطون أعمالهم بالحيف مرة، وقلة الإحاطة مرة أخرى.

والعملاق عمر بن الخطاب يبين لنا العلاج بأقوى عبارة وأصفى بيان، فهو يطلب من الناس تقويم أي اعوجاج يظهر منه ولو بحد السيف، أليس هو القائل: "لا خير فيكم إن لم تقولوها .. ولا خير فينا إن لم نسمعها"؟!.

وانعدام الخيرية هنا يعني الشر بكل ألوانه، يعني الإفلاس في كل شيء، وأول الإفلاس تبخر أخلاق العزة والكرامة، لتحل محلها أخلاق المداهنة والتملق والانحناء، ثم ننتهي بالفاجعة، وما الفاجعة إلا الخراب الذي يمكن أن يصيب المجموعة؛ لأن الاعوجاج إن لم يقوّم في وقته، فإنه يعود بالوبال على الأمة كلها.

لقد كان صاحب الفِراسة عمر يرى الناس غير جديرين بالحياة الكريمة إن لم يُعلنوا حريتهم واستقلاليتهم، وإن لم يتجاسروا على الجهر بالحقيقة، ومن ثم فقد جعل الأمر واجبا لكل من يملك ذرة من خير وكرامة.

أما إفلاس المنصوحين، فهو ما عبر عنه بقوله: "ولا خير فينا إن لم نسمعها"، وللخير المنشود هنا مستويات: أوله شجاعة تحمل على سماع النقد؛ لأن كلمة الحق تكون مؤلمة خاصة عند من لم يتعود سماعها، وتمام الأمر الأخذ بالنصح والاعتذار والمراجعة والتصحيح.

إن أول شرط لفكر ونظام يَصلُح ويُصلِح أن يعمل بأمر عمر، أي يعتمد بالقاعدة العمرية ظاهرا وباطنا، دون حرجٍ أو دجل.

نتائج غياب النقد

إن نتائج غياب الرؤى النقدية كثيرة ومريرة، نذكر منها نقطتين:

1- أسر الأشكال التاريخية: 

فالمجتهدون الذين استنبطوا بعض القواعد المنهجية من الوحي لم يهتدوا - في الغالب - إلى التحرر من شكلها التاريخي وطريقة تنزيلها في المجتمعات الإسلامية القديمة، لقد اهتموا بالطقوس أكثر من الحقائق، فلم يستطيعوا تجسيدها في أطر جديدة تتناسب مع المجتمع المعاصر.

2- عدم الاستفادة من التراث الإنساني المعاصر: 

فمنهج الدفاع عن الذات الذي انتهجه كثيـر من الإسلاميين تجاه الحضارة المعاصرة قضى عليهم بالتقوقع حول الذات، والتوجس من استيراد الحكمة الإنسانية من مواطنها.

 فض الاشتباك بين الفكر والوحي

والنصيحة - أو الرؤية النقدية - تعتمد على شيئين: الأول، العلم الكاشف، أو الإحاطة بالموضوع إحاطة لا شبهة فيها ولا غَيم معها. والثاني، أن تُبذل بشيء من الأدب لتكون بالتي هي أحسن، أي تعتمد على الفهم أولا ، وثانيا على أسلوب وطريقة بَذلها.

والناس يكرهون النقد لأسباب متعددة، منها ما هو نفسي، ومنها ما هو بيئي، والبيئة تؤثر في البناء النفسي ولا شك، فالإنسان ابن بيئته، وبيئتنا العربية لم تتعود على الرؤى النقدية، إنما تعودت على الكمال المطلق، والشعارات العامة، مثل "الزعيم الملهم"، و"النصر قادم"، و"الأمة بخير"، و"الإسلام هو الحل" ... إلخ.

فحين يخطئ إنسان الشرق، يظن - خطأ - أن اعترافه بالذنب إهانة للذات، فيجادل بالباطل لإبعاد النقص عن نفسه، وتسمى هذه العمليات بحيل الدفاع النفسي، وتلك بَلية من البلايا.

نعم إن العمل السيئ يُذهب مكانتنا كأشخاص وكأمة، لكن الاعتراف بالخطأ والخجل منه، يزيد في مكانتنا ومكارمنا.

لقد دعا بنو إسرائيل لإنشاء لجنة لدراسة تداعيات حرب لبنان وأسباب الفشل فيها، وخرجت ببيان واضح يدين هذا العمل ونتائجه الكارثية، وهذا بلا شك عمل شجاع، فإذا كانوا بني إسرائيل هُم، فبَنو مَن نحن؟.

ثم تجيء بَليّة أخرى أكبرُ من أختها، إذ يظن البعض أن الحركة التي ينتمي إليها هي الإسلام نفسه، وحين يمتد النقد إليها، فقد امتد النقد إلى الإسلام ذاته!.

وهنا يجب على العقلاء أن يُفهموا العوام أن الإسلام المعصوم شيء، وأن الفكر الإسلامي شيء آخر، الإسلام هو وحي الله لرسوله، هو النص المعصوم، أما الفكر الإسلامي فهو اجتهادات البشر في فهم النص، هذه الاجتهادات بشرية، بمعنى أنه يسري عليها قانون الصواب والخطأ.

هذا الاشتباك في الفهم، وهذا اللبس في الخلط بين الوحي والفكر، يجب أن يُفض في أسرع وقت، فلا يحق لأحد أن يقول أنه المتحدث الرسمي باسم الإسلام، وأن من ينقده فإنما ينقد القرآن والسنة.

المراجعات .. منهج قرآني

إن المراجعات النقدية تزيدنا نورا ويقينا ولا شك، والمضي بالعمل بعيدا عن النقد والمراجعة كالتاجر الذي لا يراجع نفسه، إنه لا يخسَر فحسب، بل إنه يمضي إلى الانتحار وهو لا يشعر.

أقول - كما قلت سابقا -  يجب ألا يقعدنا التعويل على مفاهيم قديمة عن المراجعات في ضوء البلاءات الجديدة، بل يجب أن تنشرح صدورنا بالاجتهاد المتجدد الممتد الذي لا تنسد أبوابه، ولا تَبلى صحائفه، فحينئذ تصفو نفوسنا من ركام العصبية الموروثة، وتتخلص من قيود وأغلال المذهبية الضيقة.

وبحسب الأستاذ عمر عبيد حسنة، في كتابه "مراجعات في الفكر والحركة والدعوة" فإن الفكر الإسلامي اليوم، بعد هذه الرحلة الطويلة من تحقيق الوعي بالذات، وإعادة الاعتزاز بالإسلام، مدعو للقيام بالمراجعات التي تمكنه من التعرف على أخطائه، وتصحيح مساره، وإيجاد البرامج والأوعية الشرعية لحركة الأمة، حتى تكون مؤسساته مواقع متقدمة تحيي المعاني الغائبة، وتحاول تمثلها وتحقيقها في الحياة بشكل يثير الاقتداء، وأن يعاود المراجعة بين حين وآخر لخطابه، وطروحاته، ووسائله، ويضع الخطط المدروسة، ويختبر الجدوى، ويقوّم المراحل، ويحدد بجرأة مواطن الخطأ وأسبابه.

ونعتقد أن النقد والمراجعة مؤشر صحة، ودليل خلود كامن في قدرة الأمة على التجدد والتصويب، وأنه - أولاً وقبل كل شيء - منهج قرآني وتطبيق نبوي، رافق الدعوة في خطواتها الأولى، وعلى الرغم من عصمة الرسول صلى الله عليه وسلم - المسدد بالوحي والمؤيد به - فقد كانت بعض الاجتهادات في مواقف النبوة محلاً لتصويب الوحي، وعتابه، وتنبيهه؛ لتكون وسائل إيضاح، وبصائر معينة على الإدراك، وسنة جارية للتدليل على أهمية هذا المنهج، وضرورة تطبيقه، لتسديد المسيرة، والإفادة من تجارب واجتهادات الخطأ، للوصول إلى فقه الحقيقة والصواب، وامتلاك القدرة على النهوض، وتحريك آليات التغيير الاجتماعي، وتوجيه نشاطات الإنسان كلها وفق المنهج  الرباتي؛ شكرا لله الأكرم".

إذن المراجعة والتجديد هما طوق النجاة، فلا شك أن الإسلام الحركي المتجدد لا يزال في سن المراهقة؛ لأنه لم ينضج بعد عند كثير من الدعاة، فمع الجهود المشكورة لعلماء الإسلام ومفكريه، فإن غالبية الطلائع الإسلامية لم تتطلع إلى فكر شخصيات مجددة ومهمة، بل قد يتطاولون عليها متهمين رموزها - كالشيخ محمد عبده والعلامة رشيد رضا والأفغاني - بأنهم دعاة للتغريب، أليس هذا غريبا؟!.

روى أبو داود والبيهقي والحاكم في مستدركه، من حديث أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ "إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها".

إذن فتجديد الدين مشروع ومأمور به‏، وهو واحدة من المهام التي يجند الله لها العلماء الراسخين، بعد أن ختمت الرسالات وأكملت الديانات ببعثة خاتم الرسل محمد بن عبد الله، صلى الله عليه وسلم.

وإن المجدد الآن هو من القلة القليلة التي تتقن تقديم الإسلام بوصفه منظومة فكرية وأخلاقية تصلح للجميع، ثم هو يشتمل في خطابه على أعلى درجات التعبئة الفكرية والاجتماعية.

يجب ألا تحملنا حمى التعصب على رفض النقد وسماعه، فإذا أهملنا تلك المراجعات النقدية، ونسينا تلك الفريضة التربوية الهامة ولم نقبلها، فقد بلغ بنا الجمود مبلغ الغياب عن الحوادث العظام التي تحيط بنا، فعندئذ يصبح الزمان ركاما من الشهور والأعوام، وهنا قد يكون من أكبر الجهل أن نسمي هذا "غفلة"، إنما هو ضرب من الموت يصيب الأحياء لينقلهم إلى لحود مظلمة، فالحياة ليست مجالا مفتوحا أبدا الدهر للتجارب، بل هي حياة مضطربة شديدة الغوائل، مخوفة الساعات، فمن أخذها بجدها فقد نجا ونجا الناس معه، ومن فرط فيها فقد هلك وأهلك الناس معه.

فيا دعاة الإسلام في أي موقعٍ كنتم، ويا مفكري الإسلام في أي مكان أقمتم، ويا شباب الإسلام، ويا رجال الإسلام، ويا نساء الإسلام، انشروا ثقافة النقد والتجديد، بدل ثقافة الطاعة والتمجيد، هذه فريضة اليوم والغد، فلا خير فيكم إن لم تقولوها .. لا خير فيكم إن لم تقولوها.


كاتب ومستشار تربوي مصري.

 

ابحث

بحث متقدم