|
| ضيوف الندوة خلال النقاش |
"الزواج نظام إلهي لا يملك ولي الأمر أو طرفاه تغييره أو تعديله وفق حالات وظروف خاصة".. كان ذلك أهم ما خلصت إليه الندوة التي نظمها القسم الاجتماعي بشبكة إسلام أون لاين. نت الخميس 24-5-2007 تحت عنوان: "أنماط الزواج.. فهم الإباحة وتطرف الإتاحة".
هدفت الندوة إلى حل الإشكالية التي تسببت فيها بعض الفتاوى التي أطلقها بعض علماء الدين وأحدثوا بها أنماطًا جديدة للزواج كـ(المسيار، والمسفار، وفريند... وغيرها)، من خلال إتاحة هذه الأشكال التي يتنازل فيها أحد الطرفين عن حقوقه، ولا يكون البناء الأسري والحفاظ على النسل هدفها الأول.
وأكد المشاركون في الندوة أن تلك الفتاوى لا تصلح سوى لحالات فردية، ولا يصح تعميمها كنموذج قابل للتطبيق من المجتمع ككل، وهو ما فتح الحديث بدوره عن فكرة المقاومة الاجتماعية لتلك الأنماط، استنادًا إلى النظام الواحد والعام للزواج الذي أقره الشارع الكريم.
وفيما يتعلق بالزواج السري أكدت الندوة أن هناك ضوابط معينة يجب أن تحكم أي زيجة، من أهمها أنه لا سرية ولا صورية في الزواج، كما أنه لا يصح لأي من طرفي العلاقة الزوجية أن يتنازل عن حقوقه التي رتبها الشارع له؛ لأنها تتصل بحق الله أولاً، فإذا أراد أحد الطرفين أن يتنازل عن أحد هذه الحقوق فعليه أن يحصل عليه أولا.
تحدث خلال الندوة كل من د.محمد كمال إمام أستاذ الشريعة الإسلامية بكلية الحقوق جامعة الإسكندرية، ود.عمرو أبو خليل إخصائي الطب النفسي ومستشار القسم الاجتماعي بشبكة إسلام أون لاين.نت، كما شارك فيها عدد كبير من مستشاري الشبكة الاجتماعيين والشرعيين.
انعكاس للواقع
|
|
عمرو أبو خليل
|
في البداية أكد د.عمرو أبو خليل أنه من خلال رصده للواقع واحتكاكه به -بحكم عمله كطبيب نفسي- وجد أن ظهور تلك الأنماط الجديدة في واقعنا العربي يرجع إلى الحالة الاقتصادية والاجتماعية والنفسية التي أصبحت تعاني منها مجتمعاتنا، خاصة فيما يتعلق بالشباب.
وأضاف: بعض الفتيات أصبحن يتقبلن هذه الأشكال من الزواج هربا من شبح العنوسة الذي بات يطاردهن في ظل افتقاد الشباب للقدرة المادية اللازمة لتكوين أسرة شرعية يقبلها المجتمع.
كما أن هناك من يطبق هذه الأنماط بحسب واقعه الخاص، أو يوظفها بحسب هواه، فهو في النهاية زواج مصلحي ربما ينتهي بانتهاء تلك المصلحة، كما هو الحال في زواج المسفار أو المسيار.
ومن خلال رصده للواقع وجد أن عددا كبيرا من السيدات اللاتي يلجأن للزواج السري -على سبيل المثال- لم يكنّ من الأرامل والمطلقات، أو ممن فاتهن قطار الزواج، ولكن ممن يتمتعن بمستوى مادي واجتماعي مرتفع؛ وسبب ذلك رغبتهن في الزواج دون تحمل أي مسئولية تترتب عليه، في إطار ما بات يطلق عليه زواج الـ"part time ".
وعلى ذلك فالزواج السري ما هو إلا علاقة غير شرعية في الأساس، يحاول طرفاها شرعنتها بغطاء فقهي؛ ليبرروا لأنفسهم التجرؤ عليها، وفي النهاية يدفع الأطفال الناتجون عن تلك العلاقة الثمن، وبرهن على ذلك بأن معظم نزلاء دور رعاية الأيتام من الأطفال مجهولي النسب الذين رفض آباؤهم الاعتراف بهم، برغم أنهم كانوا ثمرة لزيجة سرية.
وأشار إلى أن غزو الثقافة الغربية والأساليب الحديثة للتواصل التي صنعت قفزة في عالم العلاقات أوجدت جرأة على تلك العلاقات من المجتمع، مؤكدا أن العامل الاقتصادي ليس هو السبب الرئيسي بدليل أن أغلب من يلجئون إلى تلك العلاقات هم ممن يتمتعون بقدرة مادية عالية.
وفي ختام حديثه اعتبر د.عمرو أبو خليل تحديد الضحية والجاني في هذه الزيجات أمرا غير ممكن غالبا؛ حيث تقوم على مبدأ الاستغلال المشترك وتحقيق رغبات متبادلة سواء عاطفية أو اجتماعية أو حتى جنسية، دون قيود أو مسئولية، وتحت غطاء مما يرونه مظلة شرعية كفلتها لهم الفتاوى الصادرة في هذا السياق.
الزواج في الإسلام
|
|
محمد كمال إمام
|
أما د.محمد كمال إمام فقال: إن نظرتنا للواقع الاجتماعي يجب ألا تكون بهدف تبريره حتى تتحول لظل له، وإنما يجب أن تتم بهدف نقده وتصحيحه، وعلى ذلك فإن تعميم استخدام بعض الفتاوى التي أباح فيها علماء الدين تلك الأنماط من الزواج من الخطأ الواجب تداركه.
كما نبه إلى أن تلك الأشكال من الزواج قد تصلح للثقافة الغربية، أو للمسلمين الذين يعيشون في الغرب بضوابط معينة، لكن القاعدة العامة في بلادنا هي أن الشريعة الإسلامية تتعامل بخصوصية فيما يتعلق بالعلاقة الأسرية وعقد الزواج.
المجتمع الغربي له ثقافة مغايرة وقوانين مختلفة عن المجتمعات العربية، ونحن هنا بصدد نمطين مختلفين تمامًا؛ حيث إن الأصل في الثقافة الغربية أن العلاقة بين الرجل والمرأة "حِلّ" إلا ما منعه الشرط أو التراضي، والأصل في الثقافة الإسلامية هو "تحريم" تلك العلاقة إلا ما أباحه عقد الزواج؛ لذا يجب أن ننطلق من هذا الاختلاف ليس لإيجاد الائتلاف وإنما للنظر في إمكانية توضيح الواقع الاجتماعي المطروح من الناحية الشرعية.
فالزواج قائم في الأساس على اعتبار ديني، وهذا الاعتبار قائم على مجموعة أسس في التشريع الإسلامي تؤكد أن الأديان السماوية تحترم البناء الأسري، ولا يمكن أن توافق هذه الأديان على ما يمكن أن نطلق عليه الزواج المدني الذي ينفرط فيه عقد الأولاد وعقد الزوجية، ووضح أن هناك ثلاث خصائص أساسية للزواج عند المسلمين؛ وهي:
أولا: أن الزواج نظام إلهي لا يملك المجتمع تغييره، ولا يملك ولي الأمر تغييره، ولا حتى الفقيه؛ لذلك نحن لا نستطيع أن نقيم بناء أسريا بعيدا عن نظام الزواج الإسلامي مهما حدث من الانقلابات الاجتماعية.
ثانيا: الديمومة وليس الأبدية، بمعنى أن إقامة الزواج تكون بقصد استدامته، وقد تحدث خلافات فينتهي الزواج؛ فهو ليس أبديا.. وعلى هذا فإن الزواج المؤقت والمحدد زمنه غير مشروع.
وهذا ما يقود إلى جزئية غاية في الأهمية؛ فعقد الزواج لا يقبل الصورية، وما يتم الآن في هذه الأنماط هو صوري، والصورية غير مشروعة في جميع المذاهب الإسلامية فيما يتعلق بنظام العقود؛ بما فيها الزواج.
ثالثا: أنه قائم على اختلاف الجنس، ومن ثم جميع الصور التي تصدرها إلينا الاتفاقات الدولية مثل: اتفاقية "سيداو" باطلة.
فإذا فقد شرط من هذه الشروط الأساسية في نظرية الزواج عند المسلمين أصبح هناك شبهات تثار حول صحية الزواج.
في هذا الإطار يتساءل د.إمام: "كيف يمكنني التعامل مع حالات اجتماعية أفرزها الواقع الاجتماعي والإسلامي المأزوم، والتي أصبح بينها وبين شريعتها فجوة بل جفوة؛ لأنه لم يضع في ذهنه وجود التشريع، وإنما شغله الشاغل هو إيجاد حل؟".
وأوضح أنه لا يمكن التعامل مع هذا الأمر إلا على أساس كونه معصية أو جريمة؛ لأنه إذا أقررنا هذا الواقع وتعاملنا معه على أنه وضع اجتماعي مسلم به، فسنكون قد سلمنا الشريعة إلى المجتمع، بينما المفروض أن يسلم المجتمع نفسه إلى الشريعة، فلا يستطيع أن يسحب الحكم الشرعي الذي يعالج مشكلة فردية إلى أن يصبح ظاهرة اجتماعية.
وعن مدى حداثة هذه النوعيات من الزواج قال د.إمام: إن هذه الأنماط ليست جديدة؛ حيث يوجد زواج المسفار منذ القرن الرابع الهجري تحت عنوان: "الزواج بنية الطلاق"، وفيه اختلف الفقهاء؛ فمنهم من أقره، ومنهم من قال إنه مكروه، ويرجع ذلك للنية التي تم عليها الزواج.
ومن فتح الباب من الفقهاء أمام ذلك الزواج فقد فتحه احتياطا للمعصية، وإعفافًا للرجل، وعصمة للمرأة، واحتراما للعقيدة من أن تنتهك، فيمكن إجازته في حالة الضرورة إذا ما بقي داخل الإطار الشرعي، ولكن إذا وجدنا في هذا النوع تحولا إلى ظاهرة اجتماعية تعود على المجتمع بالسلب نفسيا واجتماعيا، فيجب الحد منه أو تجريمه وفقًا للمذهب المالكي.
وأكد أن الفقه الإسلامي يستطيع من خلال القواعد والمقاصد أن يتمدد على المساحات الاجتماعية الكبيرة، بشرط أن نؤمن أن هذه الأحكام من عند الله، وأنها جاءت لمصالح العباد، وأنها قابلة للتطبيق، وألا يكون لدينا صدود اجتماعي أو سياسي أو نفسي تجاه اللجوء إلى هذا الحكم.
ولكن إذا تحول هذا الأمر إلى ظاهرة اجتماعية يختلط فيها الحلال بالحرام، يجب على الدولة أن تتدخل وتضع حلا يتناسب مع المشكلة بشكل يضمن الحقوق، ولا يحرمه الدين، وهنا لا بد أن تتدخل أيضا السلطة التشريعية والقضائية لكي تضع تشريعات تحد من هذه المشكلات.
"حقوق الزوجية"
وشدد د.إمام على أن القواعد الإسلامية للزواج كلها تتصل بحقوق الله حتى ما اتصل منها بحقوق العباد، ومن ثم لا تقبل الإسقاط إلا حينما يحصل طرفاها عليها فعلاً، ثم يقومون بإبراء ذمة من تعلقت بذمته؛ لأن حقوق الله لا تقبل الإسقاط إلا بالأداء، بخلاف العباد فلا يمكن أن تسقط حقوقهم بالإبراء.
وعن أصل توثيق عقد الزواج بيّن د.إمام أن الفقهاء في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين لجئوا إليه بعدما صار الإشهاد وسيلة غير مأمونة على عقد الزواج؛ حيث يمكن للمرأة بشاهدين القول بأن هذا زوجها، وكذلك يأتي أي فرد بشاهدين من على قارعة الطريق، ويقول: هذه زوجتي، فيتم التصديق على القول.
فوجد الفقهاء أنه مع خراب الذمم واتساع رقعة العلاقات الاجتماعية بات الأصل (الإشهاد) مصدرا لا يعتد به، وهنا انتقلنا من الأصل إلى البدل (التوثيق) بحسب القاعدة الشرعية التي تقول: إنه إذا لم يؤتمن الأصل لجأنا للبدل.
وتم اختيار الوثيقة الشرعية والتنحي عن العقد الرسمي (وهو ما يتم عن طريق أقسام الشرطة)؛ لأنه قد يتم ما لا تحمد عقباه من أنماط التزوير المختلفة؛ بغرض المصالح وغيرها من المكائد.
وفي ختام حديثه أكد د.إمام أن ما يحدث من ارتباك الواقع الاجتماعي فيما يتعلق بمسألة الزواج تتحمل ظاهرة الإفتاء الفضائي بشكلها الحالي جزءًا كبيرًا من مسئوليته؛ حيث إن الأصل أن يتم تضمين القواعد الاجتماعية السائدة داخل القاعدة الشرعية الحاكمة، وأن ما يصلح لإتاحة الحلول على المستوى الفردي لا يمكن بأي حال من الأحوال تعميمه على المستوى العام؛ حتى لا يصير الاعوجاج هو الأصل، ونتحول إلى باحثين عن تبرير له.. وهذا تماما ما فعلته تلك الفتاوى.
ويجب على المجتمع أن يخضع بقادته ومفكريه وأولي الأمر فيه للقاعدة الشرعية العامة، وليس العكس.
أنماط جديدة
يذكر أنه قد انتشر في الفترة الأخيرة عدد من أنواع الزواج منها: زواج المسفار والمسيار، وهما على وزن واحد، ولكن الفرق بينهما صغير؛ فكلاهما زواج يقوم على تحقيق رغبة طرفيه في أمر ما.
فإذا كان زواج المسيار يتم اللجوء إليه لتلبية احتياجات الرجل الجنسية خلال سفره، أو احتياجات الزوجة العاطفية أو الاجتماعية، مع تنازلها عن حقوقها الزوجية في النفقة والقسم، فإن زواج المسفار هدفه تلبية احتياجات المرأة الإجرائية، وعلى رأسها قضية السفر للخارج، خاصة في تلك الدول التي تشترط على الزوجة ألا تسافر للخارج دون محرم، أو حتى لطلبة العلم المبتعثين أو العاملين في الخارج من الرجال؛ بغرض إعفاف النفس.
أما زواج الفريند فهو عقد يرتضي فيه الطرفان الزواج مع بقاء كل منهما في بيته، على أن يلتقيا في أحد المنزلين، بينما الزواج السري يتم بعقد عرفي أو رسمي، ويشهد عليه شاهدان، ولا يعلم به إلا طرفاه أو الوسط الاجتماعي الضيق المحيط بهما.
استمع إلى النص الكامل لحديث الدكتور محمد كمال إمام .
محررة بالنطاق الدعوي بشبكة إسلام أون لاين . نت
|