|
هذا البورتريه الذي تكتبه أو ترسمه فرنسية لأمريكي هو أقرب لصورة قلمية، ترسم بعضا من معالم حركة تتبلور في فرنسا، وكثير من البلدان الأوربية تطالب بـ"الاستقلال الثقافي"، وتسعى للفكاك من أَسر هيمنة الثقافة الأمريكية، خاصة بعد أن اجتاحها تيار "رجعي" جارف غطى على كل ما هو جميل فيها، وهو أيضا يكشف عن تناقضات داخل الرؤية الغربية للعالم العربي والإسلامي ربما لا نتوقف أمامها كثيرا عند رؤيتنا للغرب رغم أهميتها.
الغرب ليس واحدا!
الرجعي الأمريكي -والوصف من البورتريه- هو "دانيال بايبس" Daniel pipes الذي أثار ترشيح الرئيس جورج بوش له قبل أيام لعضوية مجلس مديري المعهد الأمريكي للسلام.. غضب شرائح كثيرة من المجتمع الأمريكي في مقدمتها الجاليات العربية والإسلامية؛ فهو صاحب تاريخ طويل من ترويج الأفكار الداعية إلى تهميش وتفكيك المسلمين في أمريكا على المستوى السياسي، وله آراء أقل ما توصف به أنها متعصبة وعنصرية؛ فهو يصرح مثلا بأن 10-15% من المسلمين هم "قتلة محتملون"! ولا يتورع أن يردد في خطاب ألقاه في مؤتمر لمنظمة الكونجرس الأمريكي اليهودي: "أنا قلق بقدر كبير جدا من أن وجود وارتفاع مكانة وتأثير وانتشار المسلمين الأمريكيين سوف يمثل خطرا حقيقيا لليهود الأمريكيين"، وسبق له أن احتج وشن حملة ضد شركة PBS؛ فقط لعرضها فيلما وثائقيا عن حياة الرسول محمد -صلى الله عليه وسلم- ودعا إلى "مراقبة موظفي الحكومة المسلمين العاملين في سلطات تنفيذ القانون والجيش والسلك الدبلوماسي بخصوص روابطهم بالإرهاب، وكذلك الأئمة المسلمون في السجون والقوات المسلحة. وإخضاع الزوار المسلمين لفحص إضافي لخلفياتهم. ووضع المساجد لمراقبة أكثر من تلك المفروضة على الكنائس والمعابد اليهودية والمعابد الأخرى، وكذلك والمدارس الإسلامية للتأكد مما يدرس بها"، وقد وصل به الحال إلى أن يطالب بتطبيق قوي "لضغوط سياسية واجتماعية للتأكد من عدم منح الإسلام موقعا خاصا من أي نوع في أمريكا"!! وهذه كلها عينة من آراء وتصريحاته!
أما صاحبة البورتريه "آن كلير" Anne Claire Kerboeuf فهي باحثة فرنسية في المركز الفرنسي للدراسات والوثائق القانونية والاقتصادية والاجتماعي (سيداج) بالقاهرة.
مواجهة غربية.. على الورق!
|
| |
والبورتريه الذي تنشره مجلة "مصر والعالم العربي" الصادرة بالفرنسية هو قراءة نقدية رصينة لكتاب "دانيال بايبس" المثير للجدل والقلق معا "الأيدي الخفية.. مخاوف شرق أوسطية من المؤامرة" ( Middle East fears of conspiracy: The Hidden Hand) الذي صدرت طبعته الثانية في نهاية العام الماضي 2002. وكان الذي لفت "آن كلير" إلى الكتاب هو ندرة الدراسات المكتوبة عن رؤية المؤامرة في المنطقة العربية، وخاصة مصر التي تنتشر فيها الفكرة بقوة؛ حيث تفسر معظم الأحداث والحوادث (حادث الأقصر، وانفجار طائرة مصر للطيران... إلخ) وفق نظرية المؤامرة التي تنسب المسئولية عنها إلى الموساد الإسرائيلي والـ"سي آي إيه" الأمريكي، وكذلك غياب دراسات جادة حول: لماذا وكيف تخترع وتنتشر فكرة "المؤامرة"؟ وهو ما كانت تتوقع أن تجده في كتاب لباحث ومفكر مشهور مثل بايبس، ولكن لم يحدث؛ فقد اكتشفت الباحثة الفرنسية أن الكتاب مليء بأفكار مسبقة لا تستند إلى بحث أو دليل، أخطرها فكرة أن العنف في المنطقة العربية ثقافي المنشأ وليس لأسباب أو ظروف خاصة. كما أنه يحمل روح وإحساس الاستعلاء على الآخر الذي تعيشه الثقافة الأمريكية التي يجسدها قول "بايبس" الذي يبدو متأثرا بسلفه والأب الروحي له "برنارد لويس": إن دافعه للكتاب كان القيام بواجب أخلاقي؛ إذ إن من مصلحة العرب أن يفهمهم خطأ استعمال فكرة المؤامرة؛ لأنه لن يستطيع أحد القيام بهذه المهمة إلا واحد مثله من بلد ديمقراطي كأمريكا!!
إلا إسرائيل!
أول أخطاء دانيال بايبس التي ترصدها الباحثة هو خلطه الواضح والمتعسف بين الإستراتيجية السياسية وخطاب المؤامرة، وتضرب مثالا بتحليله لفكرة "إسرائيل الكبرى"؛ حيث ينفي الفكرة تماما، ويرجعها إلى عقدة المؤامرة، ومبرره الوحيد في ذلك أن سياسة الدولة الإسرائيلية لا تقوم على التوراة؛ رافضا لكل ما ورد بشأن إسرائيل الكبرى في الأدبيات والمراجع السياسية والتاريخية بما فيها تصريحات مؤسسي الحركة الصهيونية أنفسهم التي اعتبرها غير مهمة، على الرغم من كونهم الآباء المؤسسين لإسرائيل، وهو بذلك يلغي بسهولة وبجرة قلم -كما تقرر آن كلير- كل ما استقر عن طموحات حقيقية لقيادات إسرائيلية كبرى عن إسرائيل العظمى.
وطوال صفحات الكتاب يملأ دانيال كتابه و"يصدّع" قارئه بمئات الأمثلة على تغلغل هذه "المؤامرة"، وهي أمثلة حين نتأملها نجده يتعمد فيها توزيع معلومات خاطئة، مثل انتقاده لحقيقة أن القوات الإسرائيلية ساعدت الميليشيات المارونية في ذبح الفلسطينيين في صابرا وشاتيلا، ويقول: إن هذا غير صحيح، وهو في سبيل ذلك لا يتورع عن رد أي دليل يناقضه حتى لو كانت شهادات لبعض عملاء المخابرات الإسرائيلية، مثل "فيكتور أستورفسكي" الذي يصف شهادته بأنها غباءات!! كما لا يتردد في رفض شهادة العشرات من الذين كتبوا عن المجازر وقرار القضاء البلجيكي سنة 2000م.
تلفيق أكاديمي!
ضعف منهجي آخر -ترصده آن كلير- يخص ضعف المصادر التي يعتمد عليها دانيال بايبس؛ فهو لم يقم بأي لقاء مع الناس في المنطقة التي يتهمها بعقدة المؤامرة (مواطنون / مفكرون / سياسيون... إلخ)، وأغلبية مصادره غير مباشرة، أو نقلا من كتب. وحين يستشهد بأمثلة يأتي بها من كتب أخرى تنقل بدورها عن أخرى، ويستمر النقل إلى الدرجة الثالثة! ولا مانع لديه من النقل -متعمدا- عن صحف الإثارة في اتهامات تستلزم الدقة! فهو -على سبيل المثال- يقول: إن نسبة كل الإيرانيين يؤمنون بفكرة المؤامرة؛ بداية من السلطة إلى العلاقات الزوجية! ومصدره في ذلك كتاب "أبدًا بدون ابنتي" الذي كتبته بيتي محمودي (وهي أمريكية كانت متزوجة من إيراني في أواخر الثمانينيات، وأخذ منها ابنتها، ويحكي الكتاب قصة صراعها لاستعادة ابنتها)، وكان قد أحدث ضجة كبيرة في أوروبا، وتحول إلى فيلم سينمائي، والكتاب -كما تصفه الباحثة الفرنسية- سوقي تافه بسيط، ويفتقد لأي درجة من الجدية والمصداقية، كما أنه مستفز، ويؤكد كل الأفكار المسبقة المتحيزة عن المسلمين..
في الفصل الثاني الذي يتكلم فيه عن تاريخ الاستعمار يفاجئنا دانيال بايبس بتحليل يجمع ما بين السذاجة والعنصرية، حين يقرر مسئولية الشعوب المستعمَرة عن استعمارها، وأن الاستعمار تم برغبتها!!
وهكذا يرى أن الانقلاب على محمد مصدق سنة 1953م كان طبيعيا؛ لأنه قام بتأميم النفط، ولم يستجب للتحذيرات، كما لم يأخذ في اعتباره تعليمات البنك الدولي! ولا مانع لديه من التهكم بعد ذلك على اتهام الإيرانيين بمسئولية المخابرات البريطانية والأمريكية عن الانقلاب، ويقول: إن الأفضل أن يهتموا بنقطة ضعفهم!! وهو ما يكرره عند الحديث عن مصر؛ فالمثل الذي يضربه كدليل على مسئولية الشعوب عن تأخر تحريرها هو اختلاف المصريين حول تاريخ الاستقلال (1922، 1936، 1952،1956)، وهو ما عده دليلا على عدم نضجهم ومسئوليتهم عن تأخر التحرير! ثم هو يتهكم من زعماء النضال السياسي الداعين لاستقلال بلادهم؛ فيرى أنهم دائما يريدون أشياء كثيرة، لكنهم ليسوا بقدرها!
وتلاحظ "آن كلير" أن المؤلف على مدار الكتاب كله يتجنب الحديث عن تأسيس الدولة الإسرائيلية وظروف نشأتها؛ وهو ما تعده مهما في تفسير شيوع فكرة المؤامرة عند العرب تجاهها؛ فهو يتجاهل تمامًا الوجود الفلسطيني، ويركز دائما على العلاقات بين إسرائيل وأمريكا فقط.. ولا يتكلم أبدا عن تأسيس أو تاريخ إسرائيل، ويقول: إن مخاوف العرب تجاه إسرائيل مبالغة ووهمية ولا تعطيهم الفرصة للنظر إليها كدولة عادية مع اهتمامات وأولويات أمنية. وهذه الكراهية هي التي تدفع -في رأيه- الإسرائيليين للحفاظ على أراضي ما قبل 1967، وتدفعهم لرفض اتفاقيات السلام. ودائمًا ما يعمد إلى مقارنة تاريخية بين حالة إسرائيل حاليًّا واليهود المطرودين من أوروبا في الحرب العالمية الثانية -ربما أكسب ذلك التعاطف معهم- وهو ما يتناقض مباشرة مع ما يردده حول سيطرة الإسرائيليين عسكريًّا.
وتتفق الباحثة الفرنسية مع ما ذهب إليه المؤلف على مدار فصول طويلة من أن الإمبرياليين والصهاينة كانوا دائمًا في نظر العرب مدبري المؤامرة، ولكنها تتعجب من تهربه من محاولة تقديم تحليل أو تفسير لهذا الاتهام.
الهوس الديني في الحقل الأكاديمي!
وترصد آن كلير بعض التعليقات والآراء لدانيال بايبس اعتبرتها دليلا على الهوس الديني، مثل اتهامه المسلمين بأنهم الأقل قدرة من غيرهم على تحمل أعباء الاستقلال!! وكذلك اتهامه لزعماء وعلماء دين -مثل الأفغاني- بالتحريض والتآمرية والطعن في سيرتهم الدينية بدون دليل.
وتقول آن كلير: إن بعضا من التحليلات التي يقدمها بايبس لا علاقة لها بالعلم، ولا يمكن أن يرددها عالم أو باحث مثل قوله: "من القوى المحركة للتاريخ عوامل غير طبيعية، مثل: الله، الشيطان، القدر، والقوى الغيبية"!
وفي سياق توصيف من أسماهم بالتآمريين العرب يصنفهم دانيال بايبس إلى فئات ثلاث: الأولى: المهووسون (الخوميني..)، والثانية: الساخرون (صدام حسين..)، والثالثة: الغامضون (ياسر عرفات..)، ثم يضع قادة الشرق الأوسط مع نظائرهم النازيين!! وتعلق "آن كلير" متهكمة من هذا التوصيف الذي يعتمد أساسا على رؤية الولايات المتحدة، وطبيعة علاقاتها بهؤلاء الزعماء، فتقول: "على المصريين أن يفرحوا؛ لأن رئيسهم معفي من هذه التصنيفات. فدانيال بايبس لا يتوقف عن وصفه بالاعتدال، وإنه لا علاقة له كثيرًا بالمؤامرات، ونادرًا ما يتهم الآخرين بالمؤامرة، وقليلاً ما يكون متهمًا بالمؤامرة"!
اليد الخفية.. يد بايبس!!
النهاية التي تصل إليها "آن كلير" في دراستها النقدية أن كل النعوت والاتهامات التي يصف بها بايبس التآمريين العرب تنطبق عليه نفسه؛ ومنها:
أ - غارق في مشاعره، ولا يترك فرصة للوقوف أمام نفسه لإدراك صفاته.
ب - قلة العلم على عدوانيته.
جـ- لغته غير واضحة.
د - يضع مسئولية الأفعال في عنق مجهولين باستعمال كلمات غير دقيقة.
هـ- استعمال أدلة غير مقنعة لإثبات معلوماته؛ لذلك فإن أي شيء يستعمل كدليل.
و- يعرف الخاتمة قبل بداية الكتاب، ويدير بحثه في اتجاه هدف وحيد هو محاولة إقناع الآخرين.
ز - يتجنب المناخ التاريخي، ولا يستعمل الدراسة المتأنية، وليست لديه رؤية واسعة.
لذلك فهي تنصح قارئي كتابه بألا يرهقوا أنفسهم في البحث أكثر من ذلك. فاليد الخفية هي يد "بايبس" نفسه!
رجعية للنشر والتصدير!
الخطورة -كما تقرر آن كلير- ليست في الكتاب نفسه؛ فهو ضعيف ومتهافت علميا، وإنما في شخصية مؤلفه وتأثيره الكبير في الرأي العام، وفي صانعي القرار الأمريكي على حد سواء؛ فدانيال بايبس كان أستاذا في هارفارد -إحدى أهم الجامعات الأمريكية- ويكتب في كبريات الصحف الأمريكية (واشنطن بوست، ونيويورك تايمز...)، ويعمل مستشارا لعدد من مراكز الاستشارات المؤثرة في السياسة الأمريكية، كما يدير "ملتقى الشرق الأوسط"، وهي منظمة مستقلة أنشئت سنة 1994، ودورها دعم وتشجيع المصالح الأمريكية، وتحديدا مصالح اليمين المتطرف (عبر النشرات والبحوث والاستشارات والتعليم والإعلانات... إلخ).
وهو الآن يشغل مهام خاصة في قسم العمليات الخاصة لمواجهة الإرهاب التقني في وزارة الدفاع الأمريكية. وله علاقات قوية بالسلطة ما بين 1980-1998، ويفاخر في سيرته الذاتية على موقعه الخاص على شبكة الإنترنت (يرعاه مستوطن إسرائيلي!) بكونه شارك في 4 حملات رئاسية لدعم اليمين القريب من الجمهوريين. وكان قد ألف عدة كتب عن الإسلام والمسلمين في أمريكا، وعن خطر الإسلام السياسي، كان آخرها "الإسلام الحركي يصل أمريكا" الذي صدر العام الماضي (2002م).
ودانيال بايبس هو أبرز تجسيد لحالة العصاب التي تلبست أمريكا مؤخرا؛ فهو لم يكن مشهورًا حتى أحداث 11 سبتمبر التي تحول بعدها إلى نجم في كل وسائل الإعلام الأمريكية؛ فبدأ حملته بكتاب أسماه "عمارات على الرمال.. فشل البحوث الشرق أوسطية في أمريكا"، انتقد فيه كل الدراسات التي تخالف رؤيته العنصرية تجاه الشرق الأوسط بما معناه أنها لا قيمة لها، ودعا إلى تقليص ميزانية البحث العلمي المخصصة للشرق الأوسط، كما فاجأ الأوساط الأكاديمية حين أطلق هو ومجموعة من أصدقائه -روبرت كابلان ومارتين كرامر- موقعا إلكترونيا "مراقبة الحرم الجامعي"، دعا فيه لمراقبة الأساتذة والمؤسسات الأكاديمية التي تنتقد إسرائيل، وتتعاطف مع الإسلام والمسلمين، وطالب الموقع الطلاب بتزويده بمعلومات عن أساتذتهم وآرائهم السياسية.
كما روج حملة صحفية ضد كل من يعارض السياسة الإسرائيلية من الباحثين والأساتذة والأكاديميات، واتهمهم بالتطرف والعنصرية ضد اليهود! وأقدم -في خطوة تذكر بأجواء المكارثية- على نشر قائمة لمن أسماهم بأعداء اليهود من الأكاديميين يطلب طردهم من الجامعة!! وهو ما أثار الخوف والفزع في الأوساط العلمية والأكاديمية على حرية البحث العلمي والحرية الأكاديمية واستقلالها.
وتزداد الخطورة في أن المشكلة -كما تصف آن كلير بقلق- لم تعد في أمريكا وحدها خاصة بعد 11 سبتمبر؛ فأمثال هذا الرجعي انتقلوا أيضا إلى فرنسا، وصار هناك مفكرون يعتبرون المصالح الخاصة والشهرة الإعلامية أهم من التفكير، تماما مثل دانيال بايبس الضيف الدائم على كل وسائل الإعلام. وبدلا من أن يتصدوا للمواقف العاطفية بعقلانية ركبوا الموجة، وأعادوا إنتاج أغلب الأفكار العنصرية، ورددوا بشكل أعمى دعوات الصدام الحضاري.
|