|
عندما كنت صبيا وكانت:
دماء الشباب تغلي في عروقي
كنت أقرأ عن هؤلاء الرجال الأحرار
الذين وقفوا ببسالة في وجه روما واليونان
كانوا ثلاثمائة وثلاثة رجال
وقتها كنت أصلي لأرى ذلك اليوم
الذي تنشطر فيه أغلالنا إلى نصفين
وأرى أيرلندا التي طالما كانت مجرد مقاطعة
وقد عادت أمة تارة أخرى
ومنذ ذلك الوقت الذي لمع فيه الأمل
وعبر كل سنوات الحزن، كان هناك ضوء بعيد
بريقه أقوى من كل بريق حتى بريق "سومر"
ومن بريق النجم الساطع
كان هذا الضوء فوق رأسي يرقبني
في الساحة.. في الحقل وفي المعب
كان صوته الملائكي بجوار فراشي يغني:
"أمة تارة أخرى"
كان يهمس قائلا: "إن ملاذ الحرية وقدسيتها
لا يُدنس إلا بمشاعر الكآبة والإحساس بالدونية
لأن الحرية هي هبة يمنحها الله بيده اليمنى
وهي لا تحتاج إلا لأمر إلهي
ولرجال صالحين يعيدون هذه الأرض
أمة تارة أخرى"
عندما شببت عن الطوق لأصبح رجلا
رجوت نفسي ألا أكون أنانيا قاسي المشاعر
هذا ما تمنيته، يوما ما أكون نافعا
فهل يذهب هذا الأمل عني؟ عندما تصبح بلدي أمة تارة أخرى.
طالع القصيدة باللغة الإنجليزية
|
| شعب ايرلندا كافح من أجل فردوسه الأرضي |
قصيدة "أمة تارة أخرى" من التراث الشعري الوطني الأيرلندي كتبها شاعر الوطنية الأيرلندي الأشهر "توماس أوزبورن ديفيس" في مرحلة تعد من مراحل احتدام المقاومة ضد المستعمر البريطاني في النصف الثاني من القرن التاسع عشر.
والقصيدة من التراث التقليدي الذي يقوم على إثارة الحمية وتقوية العزائم لمواصلة الكفاح عن طريق استحضار الماضي الشامخ وانتصاراته المبهرة، فالتاريخ وأمجاده جزء لا يتجزأ من القصيدة الوطنية الأيرلندية، وأيضا استحضار أمجاد الأبطال صانعي المعجزات هو الوسيلة الأمثل لمحو مرارات الحاضر وانتكاساته وعبور الهزائم.
كلمات هذه القصيدة تعبر عن الروح الأيرلندية المقاومة التي لا تعرف غير الأمل الذي يجعل من الحزن واليأس عارا ودنسا، هناك دائما ضوء مبهر يهزم عتمة الظلم والاحتلال.
وكما لم تخل قصيدة وطنية أيرلندية من روح الأمل لم تخل أيضا أي قصيدة من إعلان صريح عن هذه الهوية وجذور القضية، فالعِرق هو العِرق الجالي Gaelic الذي لا يقبل الذوبان في عرق المستعمر الإنجليزي، والعقيدة هي العقيدة الكاثوليكية التي لا تقبل أنصاف الحلول من عقائد وافدة منزرعة في أرض ليست لها وإن طال بها الزمان!
فالإشارات الدينية تعددت في القصيدة لتعبر عن المرجعية العقدية للقضية برمتها كالهوية الدينية التي لا تقبل التمييع فالحرية "هبة من الله" يمنحها بيده اليمنى، والبلاد يحررها الرجال "الصالحون". والشاعر يستنهض الأخلاقيات الإيمانية كسلاح ضد المستعمر فهو يطالب نفسه والناس بالسمو عن التمركز حول الذات وأنانية العيش؛ لكي تعود أيرلندا موحدة غير ممزقة ولا محتلة، ولكي تعود "أمة تارة أخرى" بكل ما تعنيه لفظة "أمة" من مقومات دينية وعرقية وقومية ولغوية وقيمية.. وفوق الكل إنسانية.
|
| الحلم الأيرلندي تغنوا به في أمة تارة أخرى |
إن نجاح الأغنية -التي اتخذت من هذه القصيدة كلمات لها- في انتزاع المركز الأول في سباق الأغنيات على مستوى العالم في هذا الوقت بالذات له دلالات مذهلة؛ فهي وإن كانت تعبر عن قضية محدودة لشعب صغير يعيش منعزلا في أطراف الأرض استطاعت أن تقفز فوق هذه الحدود لتنطلق بمعانيها الإنسانية الفريدة لتعبر عن واقع عالمي مرير لشعوب حوصرت أحلامها في مستقبل أفضل، وتم احتكار اقتصادها لحساب هذا النظام، ففي مثل هذه الظروف العصية اختار العالم هذه القصيدة التي تبدو كحلم يقظة في واقع مفزع وصرخة لكل الشعوب التي اختارتها كأغنية مفضلة لها.
إن اختيار هذه الكلمات لتفوز في استفتاء عالمي كأنه إشارة على اختيار الشعوب لنظامها القيمي الذي لا يجد لها صوتا وسط الأصوات العالية لهؤلاء الذين احتكروا أدمغة الشعوب ليفكروا، ويختاروا لهم ويتحدثوا باسمهم.
إن هذا الاستفتاء على الأغنية جاء ليؤكد أن العالم كله يغني للحب والحرية والكرامة وحقوق الإنسان كما أرادها الله وأرادها الإنسان لا كما أرادها النظام العالمي الجديد.
ولتصبح أغنية "أمة تارة أخرى" هي أمل كل إنسان حر فوق هذه الأرض في استرداد أمته هو، وليس فقط حلم الأيرلندي في استرداد وطنه المسلوب.
طالع في نفس الموضوع:
مدرسة الأدب الإنجليزي - جامعة القاهرة
|