|
| مخيم البراجنة بلبنان |
بيروت– "لا أريد أن أبني بيتا من جديد، سأنصب خيمة لأسرتي في كل منطقة، فإذا خرجنا من مخيم ننتقل لخيمتنا في المخيم الآخر". هكذا قال رب أحد أسر اللاجئين الفلسطينيين في مخيم "نهر البارد" تهدم بيته في المواجهات بين الجيش اللبناني وجماعة "فتح الإسلام"، مستحضرا بذلك مشهد خيام اللاجئين عندما طردوا من أرضهم عام 1948.
وحاليا أضاف فلسطينيو "نهر البارد" صفة "نازحين" إلى لقبهم كـ"لاجئين" بعدما اضطرت 2353 عائلة -بحسب وكالة غوث وتشغيل اللاجئين "أونروا"- لترك منازلهم في المخيم، وتوجه معظمهم إلى مخيمات "البداوي" و"برج البراجنة"، فيما توجه البعض إلى صيدا وصور بالجنوب.
وقال رجل (40 عاما) لم يرغب في نشر اسمه: "أريد أن أعيش مع أسرتي وأولادي بسلام. مللنا السياسة وأهلها، ألا يكفينا تهجيرنا من أرضنا في فلسطين؟!"
وحكى بحسرة عن منزله الذي تهدم بالكامل والذي وضع فيه جنى عمره ولم ينه سداد ثمنه بعد، قبل أن يتساءل بحسرة: "من سيعوض عليّ ضياع ما جمعته من عملي طيلة خمس وعشرين سنة؟! لقد عدت إلى نقطة الصفر".
لاجئون لدى لاجئين
وإذا كان هذا هو حال النازحين، فقد ازدادت في الجهة المقابلة معاناة لاجئي المخيمات الأخرى التي استقبلت النازحين من "نهر البارد".
ففي غرفتين صغيرتين بمخيم "برج البراجنة" لا تتجاوز مساحة الواحدة منهما سبعة أمتار مربعة، تؤويان عائلة مكونة من 6 أفراد، نزلت الوالدة وأسرتها المكونة من 12 فردا عند ابنتها، الأمر الذي يضطر أفراد الأسرة للتناوب في الجلوس أمام باب المنزل في زقاق ضيق، لتخفيف الزحام داخل المنزل.
وتحدثت الوالدة العجوز بألم قائلة: "نريد السترة والعودة إلى أهلنا.. نزلت مع أسرتي المكونة من 12 نفرا عند ابنتي هنا في هذا البيت المكوّن من غرفتين، فصار عددنا 18 نفرا، انظر إلى حالنا". واغرورقت عيناها بالدموع.
وبسؤالها إن كانت قد تمكنت من إحضار بعض الحاجيات معها أجابت "الحمد لله أننا قدرنا على أن نخرج بملابسنا".
"فتح الإسلام".. ضيق واستفادة
ومع التوتر بسبب تمسك فتح الإسلام بموقفها وتوعد الجيش بسحقها، كان التوجس من التصوير أو ذكر الأسماء أمام الصحافة هو القاسم المشترك بين معظم من التقى بهم مراسل "إسلام أون لاين.نت" في "برج البراجنة"، لكن ذلك لم يمنعهم من إبداء غضبهم وتحسرهم على حالهم.
وعن رأيه في تأثير نشاط "فتح الإسلام" في "نهر البارد" قال شاب نازح من المخيم: "تضايقنا واستفدنا، تضايقنا لأن اقتصاد المخيم تأثر سلبا بسبب تشديد الجيش عند المدخل وتخوف اللبنانيين من دخول المخيم للتسوق، على الرغم من أن الأسعار في البارد أرخص".
واستدرك الشاب اللاجئ النازح: "لكننا في المقابل استفدنا من الجوّ الدعوي والإيماني الذي تركه عناصر فتح الإسلام، حيث صار المجاهر بالمعصية يمتنع أو يخفيها كشارب الخمر أو المجاهر بالكفر"، وأكد أن بعض الناس "اهتدوا على أيدي عناصر منهم".
سلاح المخيمات
بالمقابل، أدان نازح في الستينيات من عمره أي عمل يخالف القانون أو يؤذي الدولة، وقال: "نحن خاضعون للقانون اللبناني، ونحن ضيوف عند الشعب اللبناني ولا نقبل بأيّ ضرر لهم".
واعتبر الكهل الفلسطيني أن "ما يجري هو مخطط لتنفيذ قرار مجلس الأمن الدولي 1559 القاضي بسحب سلاح المخيمات"، وربط بين ما جرى في "نهر البارد" وأحداث غزة (الصراع بين فتح وحماس).
وتساءل الكهل: "لدى حركة فتح الإسلام أموال كثيرة. من دعمهم؟ ومن درّبهم وأين تدربوا؟". مشددا على أن "خلف هذه المجموعة جهة سياسية لتنفيذ أهدافها".
أربع عائلات ومنزل
وبهدف إعانة "اللاجئين النازحين" تشكلت في برج البراجنة "هيئة الطوارئ للإغاثة" التي تضم المؤسسات الأهلية العاملة في المخيم، وقد شكلت الهيئة لجانا لمتابعة الأوضاع، فيما عملت التنظيمات الفلسطينية الأساسية كحركتي فتح وحماس من خلال مؤسساتها الاجتماعية المستقلة.
ووصل عدد النازحين حتى صباح الجمعة 25-5-2007، بحسب الشيخ محمد عبد الحليم العضو بهيئة الطوارئ إلى "150 عائلة، عددهم الإجمالي 620 شخصا". مشيرا إلى أن "العدد يتزايد باستمرار".
وعن آلية تسجيل النازحين قال عبد الحليم: "نفذت هيئة الطوارئ جولة ميدانية وقامت بإحصاء العائلات الوافدة".
والأمر نفسه قامت به حركة حماس في مخيم البرج، بحسب تصريح مسئول العمل الاجتماعي في حماس نديم ناصر.
لكن فضلا عن الإحصاء اعتمدت الحركة على محطة تلفزيونية تملكها وتبث داخل المخيم فقط، في الإعلان عن الخدمات الاجتماعية وتوجيه الأهالي للإبلاغ عن العائلات الوافدة.
وتحدث الشيخ عبد الحليم عن "أسرة في المخيم استقبلت ثلاث عائلات من أقاربها النازحين من مخيم البارد، وأقاموا جميعهم (4 عائلات) في منزل واحد مؤلف من ثلاث غرف".
وذكر أن هيئة الطوارئ تعمل على "تأمين غرف الروضات والمدارس لإيواء النازحين الذين ليس لديهم أقارب في المخيم"، مضيفا: "هناك أسر تبادر بإبلاغنا أنهم مستعدون لاستقبال أسرة أو أسرتين نازحتين".
دور الدولة
ونفى ناصر أن تكون الدولة اللبنانية قدمت أي مساعدات حتى الآن، وقال: "تواصلنا مع هيئة الإغاثة في الدولة، وأفادتنا أنه في حال لم تقم الأونروا بتوزيع مساعدات، فإن الهيئة ستقوم بذلك".
وكانت الحكومة اللبنانية قد أعلنت تشكيل لجان مشتركة بين الجيش والهيئة العليا للإغاثة لمسح الأضرار التي لحقت بالمنازل في "نهر البارد"، ودعت المواطنين إلى تحضير مستندات الملكية لهذه المنازل تمهيدا لمنحهم تعويضات.
وعدّد مسئول العمل الاجتماعي في "حماس" أبرز احتياجات النازحين: "الفرش وحفاظات وحليب الأطفال، الملابس، الأدوية". وكشف أن "بعض الموسرين من النازحين تمكن من استئجار شقق صغيرة في المخيم". وأضاف ناصر: "تسعى لجنة حماس لإجراء مسح في المخيم لمعرفة الشقق الشاغرة لاستئجارها وإسكان النازحين الذين لم يجدوا مأوى أو أقارب لهم في المخيم".
وتحتضن لبنان أكثر من 400 ألف لاجئ فلسطيني يقيم أكثر من نصفهم في 12 مخيما موزعا بأنحاء لبنان.
|