|
أضاءت أزمة الحجاب بفرنسا، بعض المساحات التي كانت مظلمة، في طريقة التعاطي الإسلامي، مع قضايا المسلمين، التي تثار خارج الأطر الجغرافية الإسلامية من جهة، وتصطدم في الوقت ذاته مع المرجعية التشريعية لتلك الأطر من جهة أخرى. وهي حالة لم تعتبر مأزقا واختبارا لقدرة المراجع الإسلامية على التماهي أو المواءمة، مع تحديات هذا الواقع، وعلى النحو الذي يحقق التعايش بين تلك الأطر والثوابت العقيدية للمسلم بداخلها وحسب، وإنما اعتبرت اختبارا أيضا لوعي تلك المراجع بطبيعة الأزمة وقدرتها على سبر أبعادها الحقيقية.
والحال أن ما يُعرف بـ"أزمة الحجاب" بفرنسا، كشف الكثير مما كان خافيا ويمثل اضطرابا مخيفا في كثير من المواقف، تجلى ذلك في اكتشاف عدم وجود "صيغة شرعية" جاهزة ومتفق عليها، تعالج "حاضر الأزمة" من جهة، وتحتسب لـ"مستقبل مشابه" لتك الأزمة من جهة ثانية. ما جعلها تقبل في النهاية -وفي مفارقة شديدة الغرابة- الاحتكام إلى المرجعية العلمانية للخروج (أو قل الهروب) من الأزمة. وفي نفس هذا السياق كشفت أيضا عن انحرافات جوهرية في دور المؤسسات الدينية وإعلائها للضرورات السياسة، على حساب المقتضيات الشرعية من جهة ثالثة.
فعلى صعيد الوعي بطبيعة الأزمة كان من اللافت أثناء احتدام الجدل بشأنها، انشغال مراجع إسلامية لها مكانتها ووزنها في مجالي الفكر والدعوة فيما افترضته بأنه "سوء فهم" وقعت فيه باريس بشأن الحجاب، عندما أنزلته منزلة الشارات الدينية الأخرى، مثل "الكيبا" عند اليهود و"الصليب" عند المسيحيين. وصرفت جل جهدها في إثبات أن الحجاب ليس "رمزا" وإنما "فريضة"، وكأن القرار الفرنسي يمكن تعليقه، متى تبين للإدارة الفرنسية، أن تخلّي الفتاة المسلمة عن حجابها، سيكون مدعاة لـ"غضب الرب"!!
والحال أن القضية في مضمونها لم يعُزْها الاستيضاح حول ما إذا كان الحجاب "فريضة" أو محض "شارة" لا تستوجب إثابة بإتيانها ولا عقابا بتركها، وفي الوقت ذاته لم تكن -كما ادعت باريس- خوفا فرنسيا على علمانية الدولة. فلا الافتراضات الأولى كانت صحيحة ولا الادعاءات الثانية كانت حقيقة، والدليل على هذه وعلى تلك، أن فرنسا صدت أية إمكانية للحوار، وذهبت إلى أبعد من ذلك، عندما قررت أن يمتد مشروع القانون -الذي ادعت في بادئ الأمر أن الهدف منه حماية القاصرات في المدارس من أي شكل من أشكال الإكراه الديني، الذي يمكن أن تمارسه الأسرة أو الجماعات الإسلامية "المتشددة" عليهن- ليشمل حتى العاملات في مرافق الدولة المختلفة!!
والحقيقة أن الحكومة الفرنسية نجحت في أن تجعل الجدل عند هذه الحدود -يمس القضية مسا سطحيا- وذلك بحشر الرموز الدينية اليهودية والمسيحية مع الحجاب، فشغلت المسلمين ببيان أن الحجاب شيء مختلف من جهة، وبدت باريس وكأنها مبرأة من شبهة التحيز وأنها تريد فقط الحفاظ على "حيدة الدولة" تجاه كافة المعتقدات من جهة أخرى، لتضيع الحقائق خلف هذا التسطيح والتبسيط للقضية برمتها.
والنتيجة أن استسلم الأزهر للتفسير الفرنسي، وقرر ألا يكون أقل حيدة من "حيدة" الجمهورية الفرنسية المزعومة، وليترك للأخيرة حرية إيذاء المسلمات في دينهن، رغم أن الأزمة في مضمونها وحقيقتها، كانت أزمة صراع هويات وثقافات وأديان، وهو ما لم ينتبه إليه من تصدوا للقرار الفرنسي، ما جعلهم يقبلون -وبلا وعي- "حلا فرنسيا" و"ليس إسلاميا" للأزمة.
|
|
خلافات في المعسكر الإسلامي
|
وفي هذا الإطار فإن ما طرح بشأن مجابهة الأزمة، لم يخرج عن خيارين: الأول يطرح "صيغة قانونية" برفع دعاوى أمام القضاء الفرنسي، استنادا إلى أن قانون حظر الحجاب، جاء منافيا مع الدستور الفرنسي، والثاني -والذي مثله موقف شيخ الأزهر- طرح "موقفا محايدا" من الأزمة، باعتبارها "شأنا فرنسيا داخليا".
وفي هذه وفي تلك كانت طريقة التعاطي -وبغير إدراك متعمد- كانت متماهية مع العلمانية الفرنسية. فالأولى استندت إلى مرجعية الدستور الفرنسي "العلماني"، فيما أقر شيخ الأزهر بحق فرنسا، في إصدار القانون، متذرعا بأنها "دولة علمانية" وليست إسلامية. وهي إحدى المفارقات المثيرة للدهشة؛ إذ إنه في الوقت الذي يجمع فيه المسلمون على استعلاء المرجعية التشريعية الإسلامية على ما دونها من مرجعيات، وأن الأولى هي الوحيدة التي يرد إليها ما اختلف المسلمون بشأنه، فضلا عن حالة "العداء الأيديولوجي" والطبيعي غير المفتعل، بين الإسلام والعلمانية، نجد رؤى الحل تستدرج من حيث لا تدري، لتدرج حلولها وفقا لـ"الأجندة العلمانية"!
ومن بين أهم تجليات أزمة الحجاب بفرنسا، أنها أكدت على تراجع دور الأزهر كـ"مظلة حمائية"، يستظل بها مسلمو العالم، من الاضطهاد والتمييز الديني، وغير ذلك من قضايا تتعلق بعلاقة المسلم بالأطر القانونية والسياسية السائدة في بلاده، أو بأية إشكالية شرعية، يجد نفسه في حاجة إلى مساندة الأزهر له فيها.
والحال أن قضية الحجاب لم تكن الأزمة الأولى التي اختار فيها الأزهر "موقفا محايدا" إزاءها، فقد اتخذ موقفا مشابها، عندما طلب منه فتوى دينية بشأن شرعية مجلس الحكم الانتقالي بالعراق المعين من قبل سلطات الاحتلال، حيث سارع شيخ الأزهر إلى إلغاء فتوى "حرمت التعامل مع المجلس" وقرر معاقبة من أصدرها، واعتبر ما يجري في العراق شأنا عراقيا داخليا لا يجوز للأزهر التدخل فيه، وأعاد النظر في فتاوى سابقة، بشأن العمليات الاستشهادية بفلسطين.
بيد أن القليل من التأمل ومراجعة علاقة الأزهر بالدولة في مصر من شأنه فهم ما خفي من دوافع حملت الأزهر على الظهور بمظهر "الطرف المحايد"، في كل هذه القضايا والتي كانت آخرها "قضية الحجاب" بفرنسا. والحال أن الأزهر ليس "مؤسسة مستقلة" عن ولاية الدولة وتدخلاتها، رغم أنه أكبر مرجعية دينية في العالم الإسلامي السني، وهي خصوصية من المفترض أن تعطيه ميزة "الولاية الدينية" على هذا العالم، بمعنى أن قيمته الدينية ليست "قيمة محلية" إنما "قيمة متجاوزة للحدود" وهي قيمة كانت حاضرة في وعي شيوخه، وفي وعي من تعاقبوا على حكم مصر، في الألف عام الماضية.
غير أنها تراجعت إلى أن أصبح الأزهر "حالة مصرية"، بسبب تحوله إلى مؤسسة ملحقة بالسلطة التنفيذية، ومن ثم تحولت فتاواه من "فتاوى دينية" تعتمد فقط على حسابات شرعية، إلى "فتاوى سياسية" تضع الاعتبارات السياسة الخاصة بعلاقات ومصالح الحكومة المصرية مع الخارج في حسبانه.
ويأتي موقف الأزهر سواء مع الحالة العراقية، أو في تلك الأخيرة المتعلقة بالحجاب في فرنسا في هذا السياق. ففي الأولى جاء مراعيا لحساسية العلاقات المصرية الأمريكية، وفي الثانية وضع في عين الاعتبار علاقات القاهرة مع باريس. ولعل ذلك ما يحملنا على الاعتقاد، بأن عجز الأزهر عن أن يتبنى موقفا مستقلا عن الدولة (في حالة الحجاب اليوم، والحالة العراقية من قبل) -رغم أنها حالة استثنائية في تاريخ الأزهر- من شأنه استحضار "نموذج الفاتيكان" وتأمله متى شئنا إعادة الأزهر إلى مكانته الطبيعية في قلب العالم الإسلامي، وهي واحدة من بين أهم الدروس المستفادة من تداعيات أزمة الحجاب، إن لم تكن أهمها على الإطلاق.
|