English

 

الأربعاء. مايو. 23, 2007

الإسلاميون » عمل مسلح

أرسل لصديق  
   
روابط من إسلام أون لاين

في روايته لقصة صعوده للجبل ونزوله منه

أمير جيش الإنقاذ: العمل المسلح يحتاج إلى مجانين!

حوار - هادي يحمد وعبد الرحمن أبو رومي - الجزائر

مدني مزراق
مدني مزراق

في بيت ريفي، كثيرة هي منعرجاته، في أطراف شرق العاصمة الجزائرية، استقبلنا "مدني مزراق"، الأمير الوطني للجيش الإسلامي للإنقاذ، والذي كان يشكل الجناح المسلح للجبهة الإسلامية للإنقاذ، والذي خاض صراعا مسلحا طوال خمس سنوات تقريبا مع الجيش الجزائري، ومع مختلف الأجهزة الأمنية، انتهى منه إلى القول بأن العمل المسلح يحتاج إلى مجانين، وإلى نوعية من البشر ذات طبيعة خاصة!.

كان من ملامح "مدني مزراق" أنه لا يزال يتبع الحذر في تنقلاته، ربما مخافة التصفية من قبل الجماعات الإسلامية الأخرى التي رفضت مشروع المصالحة الوطنية الذي عقده مزراق مع الجيش الجزائري. فعندما تواعدنا على اللقاء كان مكان اللقاء غير واضح المعالم، أمام أحد المبيتات الجامعية في ساحة كبيرة، وبقينا ننتظر على قارعة الطريق إلى أن جاءت سيارته لتحملنا إليه.

ومن الواضح أن الرجل مازال لاعبا أساسيا في المشهد الجزائري، فعلاقاته بأطراف السلطة من سياسيين وجنرالات غير خافية، حيث لم يتوقف طوال المقابلة التي جمعتنا به والتي دامت قرابة ثلاثة ساعات عن الرد على هاتفين نقالين منفصلين، فتارة يرد على صحفيين، وأخرى على أشخاص يبدو أنهم من ذوي النفوذ، ومرات على أتباعه الذين نزلوا من الجبال مثله، حيث من الواضح أنه يمثل سلطة معنوية كبيرة بالنسبة لهم.

جئنا إلى مدني مزراق محملين بالعديد من التساؤلات حول أسباب لجوئه إلى العمل المسلح، وعن أسباب نزوله، وعقده صفقة مع النظام الجزائري، وعن تفاصيل ما حدث في الجبال، وعن المجازر التي ارتكبت بحق المدنيين إبان العشرية السوداء التي عاشتها الجزائر، وعن الصراع المسلح الذي خاضه الجيش الإسلامي للإنقاذ مع الجماعة الإسلامية المسلحة "الجيا"، وعن مستقبله، ومستقبل أتباعه ممن وافقوا على تسليم أسلحتهم والانخراط في مشروع الوئام المدني، وبرنامج المصالحة الوطنية الذي أقره الرئيس عبد العزيز بوتفليقة، وعن تقييمه لتجربته برمتها، ونظرته لمراجعات جماعات العنف في بلاد أخرى كمصر، والتي وصفها بأنها لا معنى لها، لصدورها من السجون، وعما يسمى بتنظيم القاعدة في بلاد المغرب، والذي أعلن مزراق أنه لا يؤمن بوجوده!!.

لا يخفي مدني مزراق - عندما يتحدث عن هذا الماضي - أن حركته والجبهة الإسلامية للإنقاذ، والتي كان عضوا فيها، كانت امتدادا طبيعيا للعديد من الحركات والشخصيات الإسلامية التي تعاقبت على الجزائر من التيار الإسلامي والعروبي داخل جبهة التحرير الوطني، إلى جمعية العلماء المسلمين بقيادة الشيخ عبد الحميد بن باديس، إلى علماء آخرين أطروا الفكر الإسلامي في الجزائر، مثل الشيخ العرباوي، والشيخ عبد اللطيف سلطاني، والشيخ أحمد سحنون، ومرورا بجمعية القيم التي أسست على أنقاض جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، وإلى المفكر مالك بن نبي، ووصولاً إلى الحركة الإسلامية في الشرق الجزائري، والتي نشط فيها مدني مزراق، والتي انضمت إلى الجبهة الإسلامية للإنقاذ حين تأسيسها في سنة 1989، بعد ما يعرف بإقرار التعددية في الجزائر، وهو المسار الذي فرضته ما يعرف بانتفاضة 5 أكتوبر 1988 التي عمت الجزائر.

من هو مدني مزراق؟

* من هو مدني مزراق؟ وكيف انخرطت في الجبهة الإسلامية للإنقاذ؟

رفضنا أي توحيد بيننا وبين "الجيا"، ومن ثم وقع القتال بيننا وبينهم، وسقط قتلى من الجانبين..

- لما تأسست الجبهة، كنت في مدينة جيجيل شرق العاصمة الجزائرية، أمثل أحد قياداتها المحلية، بعد أن كنت أنشط في هذه المدينة فيما سمي آنذاك بحركة الشرق، حتى انضمامي رسميا إلى الجبهة الإسلامية للإنقاذ في أواخر سنة 1989.

ونشطت ضمن حركة الإخوان المسلمين الإقليميين، وهم الإخوان الذين رفضوا الانضمام إلى التنظيم الدولي للإخوان، أي تيار الجزأرة داخل الحركة الإسلامية، والتي كان أبرز قادتها عبد الله جاب الله، وعبد القادر بوخمخم، وعبد القادر حشاني، الحبيب آدمي فيما بعد.

وتربيت في الكشافة الجزائرية الإسلامية طويلاً، وكنت أحفظ الكثير من المبادئ والمنطلقات الإسلامية، ثم بعد ذلك تحركت بقوة داخل التيار العروبي، والذي كان له الفضل في تعريب الكثير داخل الجزائر، وكنت زعيم حركة الإضراب الشهيرة في جيجيل، وكنت حين ذاك أحد القيادات في الثانوية في ذلك الوقت، واستطعنا أن نفرض على الدولة تعريب بطاقة الهوية سنة 1978، وتحولت البطاقة من اللغة الفرنسية إلى اللغة العربية، وكذا جواز السفر فيما بعد.

دخلت الحركة الإسلامية مبكرا، وكان لي نشاط مسجدي وتصوفي، وبدأت العمل الحركي القوي في بداية الثمانينيات، واشتغلت في مساجد جيجيل حتى سنة 1989، وفي انتفاضة أكتوبر لم نستطع مع بعض الإخوة أن نقبل موقف حركة الشرق التي لم تتخذ أي موقف واضح تجاه الأحداث وقتها، والتقيت بالشيخ عبد الله جاب الله، و قلت له إنه من غير المعقول أن تبقى الحركة مكتوفة الأيدي، غير أن لقائي به لم يأت بأية نتيجة، فقررت أن أغادر حركة الشرق، وانضممت إلى الجبهة الإسلامية للإنقاذ.

وبعد انضمامي إلى الجبهة، شاركت في الإضراب المشهور الذي قامت به الجبهة بسبب التقسيم الإداري للدوائر في 25 مايو 1991، وشاركت في هذا الإضراب الذي دام حوالي عشرين يوما، ووقعت احتكاكات مع قوات الأمن، وتوقيف للشيوخ، وحينها لما كثرت الاعتقالات هربت مع بعض الإخوة إلى جبال جيجيل، وبعد مساعٍ جنح النظام وقبل بنتائج ما سمي بمؤتمر الوفاء، الذي عقد  بمدينة باتنة، صائفة 1991، وهو المؤتمر الذي أحبط محاولة تقسيم الجبهة الإسلامية للإنقاذ.

صدمة الانتخابات وما تلاها

عندما اتفقنا على المصالحة قلت: لو أصر واحد فقط على البقاء في الجبل فسأبقى معه، وكنت آخر من نزل..

فوجئ النظام بعد مواصلة المسار الانتخابي بالنتائج التي كانت صدمة  للجميع في الداخل والخارج،  ولكنهم اعترفوا بالنتائج، ولما بدأنا الاستعدادات للدور الثاني من الانتخابات، فوجئنا بتوقيف المسار الانتخابي يوم 11 يناير 1991، بإعلان الرئيس الجزائري وقتها الشاذلي بن جديد عن استقالته، ومن ذلك الوقت بدأت المسيرات، وبدأ القتل، ففي يوم واحد مثلا في مدينة بانتة قتل 60 شخصا، وفي العاصمة كان الموتى كل يوم في الشوارع، إلى جانب توقيف أزيد من عشرة آلاف مناضل من أنصار الجبهة، علاوة عن باقي قياداتها، كالشيخ رابح كبير (الذي لجأ فيما بعد إلى ألمانيا)، والشيخ عبد القادر حشاني (الذي اغتيل نهاية 1999)، وبدأ العمل السري، وبعد ذلك وضعت البلاد تحت حالة  الطوارئ بقرار من الجيش، وتلا ذلك حل الجبهة الإسلامية للإنقاذ في مارس سنة 1992.

اعتقال ثم هروب إلى الجبل

* في خضم المسيرات والمواجهات، أين كنت؟

- كنت في المقر المركزي حينما اعتقلت، ووقع  ذلك يوم 9  فيفري (فبراير) 1992، حيث تم اقتيادي  من العاصمة حتى مدينة جيجل، حيث حوكمت بعام سجن نافذ، بتهمة التحريض، وفي السجن مرضت بالجهاز الهضمي، ونقلت من السجن إلى المستشفى، وجاءتني الفرصة، وقمت بالهروب من المستشفى.

* كيف هربت؟

- كنت مربوطا إلى الفراش والحراسة مشددة، ولكني استغللت طيبة أحد حراسي، ووضعت خطة ونجحت.

* وأين ذهبت عقب الفرار من المستشفى؟

- مباشرة إلى الجبل الذي أعرفه كجيبي، ومن غرائب الصدف أن هروبي من المستشفى هو الموافق لهذا اليوم الذي نلتقي فيه بكم  (19 مايو 1992).

* وعندما صعدت إلى الجبل هل كان الجيش الإسلامي للإنقاذ موجودا؟

- عندما صعدنا كانت بعض القيادات موجودة في جبال الشرق، وكانت لهم سلطة على أغلبية الفارين، فكل أفراد خلية الأزمة التي كونتها الجبهة أثناء مرورها إلى العمل السري انتهى بهم الأمر بعد حلها إلى الالتحاق بالجبال، كالشيخ محمد السعيد الذي تمت تصفيته من قبل الجماعة الإسلامية المسلحة بعد أن التحق بصفوفها، ويخلف الشراطي الذي قتل بسجن سركاجي في تمرد داخله سنة 1995، ومحمد شلي الذي كان في المجلس الشورى ونجح في انتخابات البلديات، وخلخال سعادة الذي كان  رئيس المجلس الولائي بقسنطينة، وكان عضو مؤتمر باتنة.

وكان هناك أيضا الشيخ أحمد بنعائشة والذي كان منتخبا في تشريعيات برلمان 1992 وأصبح فيما بعد أمير الغرب، وكان معنا أيضا مصطفى قرطالي، الذي انتخب رئيس بلدية مدينة الأربعاء، وأصبح فيما بعد أمير منطقة الوسط، والشيخ فوضيل بوبيدر، عضو المجلس الشورى لجيجيل، ورئيس بلدية برج طهر، وأحمد بن يوسف الخطيب المشهور بقسنطينة، والعديد من القيادات الأخرى داخل الجبهة الإسلامية للإنقاذ، والتي وجدتها في الجبل، والذين مات الكثير منهم في المواجهات فيما بعد.

تأسيس الجيش الإسلامي للإنقاذ

* كيف أسستم الجيش الإسلامي للإنقاذ؟

شرعيتنا أقوى من شرعية القيادة السياسية، لأنننا على عكس العديد من القيادات تحملنا مسؤوليتنا في الوقت المطلوب..

- سنة 1993 بدأنا توحيد خلايا المناطق والولايات، والتقيت العديد من العناصر، وسعينا إلى إطار موحد لكل المجموعات، فجاءت فكرة تأسيس الجيش الإسلامي للإنقاذ الذي قبلته الخلية الوطنية للجبهة، وحاولنا إقناع قيادات الجماعة الإسلامية المسلحة التي انطلقت في العمل المسلح بالإعلان عن نفسها مبكرا.

* ولكن إذا كانت الجماعة الإسلامية المسلحة "الجيا" موجودة أصلاً، وتقوم بالعمل المسلح ضد النظام، فلماذا أسستم الجيش الإسلامي للإنقاذ؟

- لاحظنا أن "الجيا" أو الجماعة الإسلامية المسلحة، ذهبت بعيدا، وبدأت تكفر المشايخ، ولذلك أردنا أن نكون تنظيما مسلحا يكون امتدادا للجبهة الإسلامية للإنقاذ. وفي آخر 1993عقدنا لقاء في منطقة  الميلية (التي تبعد حوالي 450 كم عن العاصمة)، وحضره قادة الشرق، وكونا ما يسمى بـ "اللجنة  العسكرية"، وأرسلنا لإخواننا في الغرب الذين قاموا بدورهم بتأسيس "اللجنة العسكرية في الغرب"، ثم عقدنا بعد ذلك لقاء موسعا جمع القيادة الوطنية، وكان ذلك في أواخر سنة 1994، ووقعنا أول بيان  باسم الجيش الإسلامي للإنقاذ الذي توليت شؤونه منذ البداية.

* كم كان يضم الجيش الإسلامي عند تأسيسه؟

- لا يوجد إحصاء دقيق، فالفرق بيننا وبين الجماعة الإسلامية المسلحة أننا قمنا بانتداب العناصر الملتزمة، والتي لها علاقة وثيقة بالدين، وبسيطرة خلايانا على السرية كانت عملية الانتداب سهلة بالنسبة لنا. وقد كان العدد الكلي بيننا وبين الجماعة الإسلامية المسلحة في هذه الفترة 30 ألف مقاتل تقريبا، لنا منهم ما يقرب من سبعة آلاف.

* هذا يعني أن "الجيا" كانت أكثر عددا منكم؟

- يجب أن تعلم أن "الجيا" استغلت في الفترة الأولى غياب قيادات "الفيس"، أي الجبهة الإسلامية للإنقاذ، الذين لم يقوموا بدورهم في البداية كقيادات عسكرية في الجبال، وفي سنة 1994 صعد محمد السعيد (وهو أحد قيادي الإنقاذ) وأعلن انضمامه إلى "الجيا" أثناء ما يسمى بلقاء الوحدة الذي عقد بأحد المناطق الجبلية بالوسط سنة 1994، و لكن محمد السعيد كان ضعيفا، وسيطرت عليه عناصر "الجيا".

مشروع جبهة الإنقاذ لم يمت حتى نحييه، وعازمون على إعادة الجبهة قبل نهاية هذه السنة..

كما يجب أن تعلم أن الشباب الذي التحق في الأيام الأولى بالجبال أغلبه كان شباب "الفيس"، والأموال كانت أموال "الفيس"، غير أن قيادة الجماعة الإسلامية المسلحة من أمثال عبد القادر الشابوطي، والشاقندي، وسعيد زرياط، وروجي، الذين كانوا يديرون جماعات "الجيا" سيطروا على أولى الدفعات من الشباب الناقم الذي صعد إلى الجبال. وترأس التنظيم في البداية عبد الحق العيايدة، وتغولت "الجيا" وقتها، وتحولت إلى تنظيم لا يقهر.

علاقة الجيش الإسلامي بـ "الجيا"

* كيف كانت علاقاتكم بالجيا (الجماعة الإسلامية المسلحة)؟

- علاقتنا في الأول كانت محترمة وحذرة، وكنا نتعاون ولكن بمنطلقات وأفكار مختلفة، وفي أواخر سنة 1994 وصلنا في الجيش الإسلامي للإنقاذ إلى نتائج مهمة حول الخطورة التي تمثلها أفكار الجماعة الإسلامية المسلحة، وإلى أين ستصل بنا، وقمنا بتجمع في الجبل، وتحدثنا فيه عن قضية الفتاوى، وتحدثنا في قضية الغنائم، وفي قضية السبي، ورفضنا أي توحيد بيننا وبين "الجيا"، ومن ثم وقع الاصطدام المسلح بيننا وبينهم، وسقط قتلى من الجانبين.

* كيف كان توازن القوى بينكما؟

- ما أستطيع قوله إنه لو حارب الجيش الجزائري مائة عام فلن يستطيع القضاء على "الجيا" (الجماعة الإسلامية المسلحة)، وأعتقد أننا ساهمنا بدور كبير في القضاء عليها وتشتيتها، ولو تشهد قيادات الجيش الجزائري لشهدت بذلك.

وللعلم فإننا رفضا الاصطدام بالجيا في البداية، وكنا نحفظ لهم قضية الإسلام والاشتراك في الأرضية الكبرى التي خرجنا من أجلها للجبل، ولكن ما دفعنا للاصطدام بهم أنهم بادروا بالغدر في بداية سنة 1995، حيث بوغتنا في مناطق عديدة بهجمات منظمة من قبلهم.

* ألا يمكن أن يكون الجيش الجزائري هو الذي حرك الأحداث؟

مراجعات جماعات العنف المصرية لا معنى لها؛ لأنها صدرت من السجون ..

- لا أبدا، الجيش الجزائري كأي جيش في العالم، والمخابرات الجزائرية كأية مخابرات في العالم، قاموا بعمليات اختراق ومحاولة شق صفوفنا عندما سنحت لهم الفرصة، ونحن قمنا بنفس الفعل تجاه الجيش، فكم من جندي انضم إلينا. وعلى كل فما حدث وما وقع كان من الجماعة الإسلامية المسلحة، ومن حاربنا هي أيديهم، ومن حرض ضدنا هي أفكارهم.

وأعتقد أن حربنا ضد "الجيا" كانت إيذانا بنهاية هذا التنظيم، ومن المفارقات أنه لما بدأت الجيا حربها ضدنا بدأت حملات كبيرة من الجيش ضدنا أيضا، وتمشيط وغارات جوية ضد مواقعنا، و ليس ضدهم!!.

* وماذا عن المجازر التي حصلت في صفوف المدنيين، من ارتكبها؟

- هذه يلزمها حديث طويل ليس مجاله الآن؛ لأني لا أريد أن أظلم الجيش الجزائري، ولا أريد أن أظلم "الجيا".

النـزول من الجبال

* متى بدأت اتصالاتكم بالجيش الجزائري؟ وكيف كانت؟

لو لم يفرضوا علينا خياراتهم بالموت أو الاعتقال لما لجأنا إلى الجبال، ولم نسفك دم أي شخص لم يقاتلنا ..

- بدأت منذ سنة 1994، وصعد العديد من المسئولين إلى الجبال وقتها، ولم نصل إلى نتيجة إلا سنة 1997 عندما تنازل الطرفان.

أما عن الكيفية، فقد كان مبعوث من هيئة الأركان ومفوض من الرئاسة يصعد إلى الجبل لملاقاتنا، وكل اللقاءات كانت تتم  في معاقلنا الجبلية، والمفوض دون سلاح، ونحن نقدر للسلطة هذا الأمر,  فهذه شجاعة، حيث تدفع بأحد وتغامر به وهو غير مسلح، وهي من الأشياء التي جعلتنا نذهب بالمصالحة إلى أقصى مدى.

* عندما قررتم النزول من الجبل، هل حدث انشقاق أو رفض من قبل البعض؟

- يوم أن اتفقنا على المصالحة في الجيش الإسلامي للإنقاذ، كان قراري واضحا، وهو أنه لو أصر واحد فقط على البقاء في الجبل فإني سأبقى معه، وكنت آخر عنصر نزل من الجيش الإسلامي للإنقاذ من بين كل الكتائب، وفي الساعة الواحدة ليلا كنت في بيتي في مدينة جيجيل. واستقبل الإخوان في أحياءهم بالزغاريد والأحضان كأبطال، ومنعنا الصحافة من الحضور. ومن قوة حفاوة الاستقبال قام الإخوة بتهريبي من باب جانبي لأحد مساجد جيجيل، للابتعاد عن الاحتفال والناس الذين كانوا ينتظرونني خارج المسجد.

* كم نزل من الجبال وقتها من أنصاركم؟

- حوالي أربعة ألاف شخص، كلهم مجندون هاربون، ومبحوث عنهم من قبل قوات الأمن.

مستقبل الجبهة الإسلامية للإنقاذ

* هل تعتقدون أن قيادتكم الميدانية المسلحة قد أصبحت اليوم أكثر شرعية من القيادة السياسية للجبهة الإسلامية للإنقاذ؟

لا وجود للقاعدة في الجزائر، والجماعة السلفية للدعوة والقتال لا تمثل خطرا ..

- كل واحد له شرعيته، وأظن أن شرعيتنا لدى النظام والناس هي أقوى من شرعية القيادة السياسية، لسبب واحد، وهو أن العديد من القيادات لم تتحمل مسؤولياتها، ونحن تحملنا مسؤوليتنا في الوقت المطلوب، واتخذنا القرارات التي نفعت البلاد، ولكن على المستوى الشعبي كل له احترامه ومحبته، فالشيخ عباس مدني المستقر في قطر، وبالرغم من كل ما يقال عنه، له مكانته عندما يعود، والشيخ علي بلحاج الذي له أخطاؤه أيضا، وإذا قمنا بالعودة إلى العمل السياسي، فإن له مكانته، ومكانته كبيرة.

* هل يعني هذا أنكم تنوون إعادة إحياء مشروع الجبهة الإسلامية؟.

- مشروع الجبهة الإسلامية للإنقاذ لم يمت أصلاً حتى نعمل على إحيائه!!.

* ولكن هل ستواصلون استعمال نفس التسمية التاريخية إن سمح لكم بإعادة النشاط؟

- المهم هو المشروع وليس التسمية، فإذا حافظنا على نفس المشروع، فإن المهم هو البرنامج والتصورات والخيارات، ونحن عازمون على المضي قدما في إعادة الجبهة، قبل نهاية هذه السنة.

* هل تتصور أن جماهيرية الجبهة الإسلامية للإنقاذ مازالت قائمة؟

- نعم بإذن الله، فالجبهة كانت لها الفرصة أن تكون صريحة ونزيهة ومحتكة بالطبقات الشعبية والمحرومة، ونجحت، ونحن ماضون في نفس الطريق.

تقييم ومراجعة

* ما تقييمكم لتجربتكم، بعد عشرية دامية للجزائر؟

مهما كان من عيوب، ومهما كان من أخطاء، إلا أن الجبهة الإسلامية للإنقاذ كانت لها تجربة ثرية وغنية تشرف الجزائر، وكانت مثالا لكل البلدان العربية والإسلامية. فالذي وقع في الجزائر كان من الممكن أن يقع في أي بلد عربية وإسلامية، والحمد لله أن هذا وقع في الجزائر، والشعب الجزائري متدرب على المحن، وعلى البلدان العربية والإسلامية أن تشكر الجزائر؛ لأن الذي حدث في الجزائر من مواجهات ومصالحة وما تلاها جعل الكثير من الجهات الإسلامية تقوم بمراجعات، والأنظمة كذلك قامت بمراجعات، ولكن بأي ثمن؟  ثمن باهظ جدا بالنسبة للشعب الجزائري.

* بخصوص العمل المسلح بالذات، كيف تنظرون إلى المراجعات التي قامت بها  العديد من الحركات الإسلامية الجهادية؟

- إن العمل المسلح كقناعة أعتقد أن لا أحد يتبناه، فأي بلاد يقع فيها ظلم وطغيان، ويقع فيها حيف، وتصل الأمور إلى عدم الاحتمال، فإن فكرة العمل المسلح تأتي إلى أي فرد في العالم، يهوديا كان أم مسيحيا أم  شيوعيا أم غيره، فهذا أمر لا نقاش فيه.

لكن العمل المسلح يحتاج إلى مجانين، وجماعة تحتاج إلى طبيعة خاصة في بنية الناس، وأكبر دليل على ذلك الحروب، حيث إننا نجد أن شعوبا قليلة من قاومت وحاربت, والتجربة بينت أن حروبا خاضتها بعض الشعوب كانت مفيدة لتحرير شعوب أخرى، فحرب التحرير الجزائرية ضد الاستعمار الفرنسي ألهمت فكرة الاستقلال في كل إفريقيا، وكذلك الحرب التي خاضها الشعب الفيتنامي ضد الأمريكان التي ألهمت شعوب أخرى. ونحن نعتقد أن التجربة الجزائرية أفادت الشعوب العربية والإسلامية وأنظمتها.

* كيف تنظر إلى المراجعات التي قامت بها الجماعة الإسلامية في مصر؟

- هذه قضية أعطيت حجما أكبر من حجمها، فأي عمل مسلح قامت به الجماعات المسلحة المصرية؟!  "ولو"!! (يعني لا شيء باللهجة الجزائرية)، وإذا استثنينا بعض المراحل العابرة مع جماعة  التكفير والهجرة وحركة الجهاد والجماعة الإسلامية، فما قامت به كل هذه الحركات كان أعمالا معزولة، والعمليات عدت على الأصابع، وفي هذا الإطار نعلم أن كل المراجعات التي قامت بها  قيادة هذه الحركة هي مراجعات في السجن، وهذا لا معنى له؛ لأن المراجعة تكون من إنسان حر خارج السجن.

* ولكن في المطلق، كيف ترى خيار العمل المسلح بالنسبة للحركات الإسلامية؟ هل تعتقد بضرورته أم أنه في رأيك خيار فاشل؟

- إذا كان الإسلام يقول: إن ذروة الإسلام هو الجهاد، فكيف لا نعتبره ضرورة؟! فالجهاد هو قمة إيمان المسلم.

* و لو كان ذلك في مواجهة الحكومات؟

- لا يجب أن نخلط بين الأمور، فالجهاد فريضة إسلامية، والله أقر بذلك في كتابه، والصحابة عملوا بذلك إلى يوم الدين، ومن تنكر له مات ميتة جاهلية، وفي الحديث: "من مات ولم يحدث نفسه بالجهاد مات ميتة جاهلية"، ولكن هذا الجهاد كما عرفه العلماء له شروط يرتبط بالمقاصد الأربعة، وشرع الجهاد لإزالة شر أعظم، ولإزالة حيف، وفقهاء المالكية لهم قاعدة ذهبية تقول: "يجوز قتل الثلث من أجل إنقاذ الثلثين"، ومثل الأمراض، فإذا كان يجب أن نقتل العضو لينجو بقية الجسد فيجب أن نفعل ذلك، ولكن كل هذا لا يقره أي أحد، فهو عمل يحتاج إلى علماء وآليات واجتهادات وإسقاط صحيح وفهم الواقع، مع ثوابت أن قتل المسلم حرام، والتمرد على السلطان المسلم لا يجوز، والرسول كلامه واضح عندما نظر إلى الكعبة وقال: "أيتها الكعبة، إن حرمتك عند الله عظيمة، ولكن حرمة المسلم أعظم منك".

ونحن لم نرفع السلاح في الجزائر هكذا، ولم نعلن الجهاد هكذا، ولكن فرض علينا الدفاع عن النفس، وإذا لم يفرضوا علينا خياراتهم بالموت أو الاعتقال في الصحراء لما التجأنا إلى الجبال، ولذلك كنا نقول دائما أثناء المواجهات: نحن نقتل من كان حريصا على قتلنا، ولم نسفك دم أي شخص لم يقاتلنا.

* كيف تنظرون لما يقوم به ما يسمى بتنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي؟

- أنا لا أؤمن بوجود ما يسمى بالقاعدة في الجزائر؛ لأن الكثير ممن أشرفوا على العديد من الكتائب في الجماعة الإسلامية المسلحة منذ التسعينيات كان الكثير منهم من العائدين من أفغانستان، وتدربوا في معسكرات الشيخ أسامة بن لادن، بمعنى أنهم كانوا جنودا في الحركة التي سميت فيما بعد بالقاعدة، وجاء هؤلاء وكانوا يقودون كتائب قوية، ولم يدعي أحد منهم تمثيل القاعدة، ولا تبنى اسمها، ولم يحصل هذا الأمر نهائيا، فكيف بعد أن انتهت الأمور وبعد كل ما حدث من ارتكاب "الجيا" للمجازر وحلول الجماعة السلفية للدعوة والقتال محلها وهو الفريق الصغير أن يدعي أنه يحمل تسمية القاعدة؟! وخاصة أن القاعدة أصبحت "ماركة"  لجلب الناس واستدرار عطفهم؛ لأن الجماعة اقتنعوا بأن المبررات القديمة انتهت، والشيخ علي بلحاج أصبح يتنقل بكل حرية، والوضع تحسن كثيرا، فلم يجد هؤلاء أية مظلة يستظلون بها إلا قضية الالتحاق بالقاعدة، وأعتقد أن هذا التنظيم "الجماعة السلفية للدعوة والقتال" لا يمثل  خطرا على المنطقة.

إن الخطر الحقيقي الآن هو النظام الذي يصر على الممارسات البائدة، وعلى تهميش معظم الشعب الجزائري، وعلى الظلم والتعدي، وهو الذي يبقي الحال على ما هو عليه.

 

ابحث

بحث متقدم