|
| عناصر من حركة فتح الإسلام |
رغم أن تنظيم "فتح الإسلام" المنشق أصلاً من منظمة التحرير الفلسطينية والذي يضم جنسيات مختلفة، منهم سوريون ولبنانيون وفلسطينيون وسعوديون وغيرهم، هو ظاهرة قديمة مضى عليها أكثر من عام في المخيمات الفلسطينية، فقد أثارت المعارك التي جرت بينه وبين الجيش اللبناني مؤخرًا وسقط خلالها عشرات القتلى، تساؤلات كثيرة حول سر هذا التصعيد المفاجئ ومن المسئول عنه، وما هي أغراضه؟.
وبشكل عام يمكن القول إن تفجير قضية "فتح الإسلام" وحصار المخيمات الفلسطينية في شمال بيروت له علاقة بعدة ملفات فلسطينية ولبنانية وسورية معًا، حتى يمكن القول معها إن فتح هذا الملف في هذا التوقيت -سواء عمدًا أم عرضًا- له علاقة بأجندات غربية وإسرائيلية تستهدف تصفية قضية سلاح المخيمات، وتدجين سوريا وإنجاز المحكمة الدولية لمحاكمة قتلة الرئيس الحريري، وأن العنوان الأكبر لكل هذه التحركات هو تصفية بؤر المقاومة في لبنان وفلسطين.
لماذا فتح ملف "فتح الإسلام"؟
فالملفات تكاد تتشابك وتشي بنوع من التنسيق بينها، بحيث لا يمكن إغفال وجود علاقة بين مشروع القرار الأمريكي البريطاني الفرنسي لتشكيل محكمة دولية للمشتبه بهم في قتل الحريري، وبين الضغط على سوريا لوقف رعايتها لفصائل المقاومة بالعصا والجزرة بعد اجتماع وزيرة الخارجية الأمريكية "رايس" ووزير الخارجية السوري "وليد المعلم" الأخير في شرم الشيخ في مايو الجاري، ومحاولات فصل المعادلة الإيرانية - السورية، ربما لضرب إيران، علاوة على فتح ملفات "أسلحة المخيمات" الفلسطينية الذي أثير أكثر من مرة على الساحة اللبنانية.
وربما كان التوقيت مناسبًا لإعادة فتح ملف سلاح المخيمات مرة أخرى بعد حرب يونيو 2006 واستهداف سلاح المقاومة في لبنان باعتباره احتياطيًّا لسلاح الداخل الفلسطيني، بهدف تصفية بؤر المقاومة في لبنان خصوصًا وفلسطين بالتبعية. كما يأتي توسيع هذا الملف ضمن فكرة تدجين سوريا بعد لقاء شرم الشيخ والضغط على السوريين باتهامهم بالوقوف وراء هذه العمليات في لبنان من قبل فصائل يقال إنها مرتبطة بهم وهي ليست كذلك، بهدف إعداد المسرح لجلوس دمشق على موائد التفاوض وخلع سوريا عن معسكر المقاومة، مقابل وعود بحل مشكلة الجولان.
ولا يمكن أيضًا إغفال أن حصار وتصفية تنظيم "فتح الإسلام" له علاقة بالمخاوف الغربية والإسرائيلية من تمدد أفكار أو مناصري تنظيم القاعدة في لبنان وفلسطين معًا، خصوصًا أن أفكارهم تتقاطع مع أفكار القاعدة، ويؤكد التنظيم أن هدفه "قتل اليهود ومن يساندهم من الغربيين المتصهينين"، وأن غايته "الشهادة في سبيل الله"، وهناك مخاوف من سعي "قاعديين" متسربين من العراق للبنان -عبر سوريا- لبناء قاعدة لهم في طرابلس شمال لبنان.
أصل المشكلة
وليس سرًّا أنه منذ ظهور هذا التنظيم في لبنان، وهناك تحفظات فلسطينية وسورية ولبنانية عليه، حيث خشيت منظمة التحرير من منافسته لها في المخيمات، وخشيت سوريا من تأثيره على دورها في لبنان ومن انتقال نشاطه لأراضيها، خاصة أن معاقله تقع قرب الحدود السورية، وحدث قلق لبناني من تدخل التنظيم في الصراعات الداخلية الهشة أو تنفيذه لأجندة مختلفة جديدة في لبنان تزيد خلط الأوراق.
وظهر هذا في عدة تطورات هامة ومواقف للأطراف الثلاثة من تعاظم دور "فتح الإسلام".
فعلى الساحة الفلسطينية سبق أن أعلن ممثل منظمة التحرير الفلسطينية في بيروت عباس زكي 10 إبريل 2007 أن المنظمة اتخذت تدابير لـ"عزل" مجموعة "فتح الإسلام" المسلحة المتحصنة في مخيم نهر البارد للاجئين الفلسطينيين في شمال لبنان؛ لأنه قريب من القاعدة، وقال: "نحاول عزل ظاهرة فتح الإسلام شعبيًّا؛ لأننا لا نريد إظهار الفلسطينيين عنصر تفجير".
وفيما يخص سوريا، حدثت عدة مواجهات بين قوات حرس الحدود السورية ومقاتلي "فتح الإسلام". وآخرها ما أكده المتحدث باسم جماعة "فتح الإسلام" يوم 11 مايو الجاري من أن القوات السورية قتلت منذ أسبوع أربعة من عناصر المجموعة كانوا يحاولون العبور إلى العراق عبر الحدود السورية وقتل منهم خمسة جنود سوريين، وأن من قتلى فتح الإسلام القياديين "أبو ليث الشامي" و"أبو عبد الرحمن الشامي"، إضافة إلى مقاتلين اثنين "كانا يحاولان العبور إلى العراق لنصرة إخوانهم في الإسلام".
وهذا ما ينفي عمليًّا أن تكون "فتح الإسلام" مدعومة سوريًّا لأنها في حرب معها، ويؤكد أن هناك من يسعى لاستغلال ظهور "فتح الإسلام" والغضب اللبناني عليها في الضغط على سوريا، وإكساب قضية محكمة الحريري زخمًا أكبر بالقول إن ما تقوم به هذه المنظمة "محاولة لعرقلة خطوات الأمم المتحدة لتشكيل المحكمة الدولية لمحاكمة المشتبه بتورطهم في اغتيالات سياسية بلبنان".
وفيما يخص الشأن اللبناني، فهناك مخاوف لبنانية منذ بداية ظهور هذا التنظيم أن تعود الأزمة القديمة الخاصة بانتشار السلاح بين سكان المخيمات الفلسطينية ومحاولات للسيطرة عليه بالتنسيق مع منظمة التحرير الفلسطينية، كما لوحظ من تسلسل الأحداث أن اتهامات وجهت لفتح الإسلام بداية بالمسئولية عن تفجيرات في أحياء مسيحية في شرق بيروت، ثم حصار الجيش اللبناني المخيمات الفلسطينية التي تتواجد بها المنظمة خصوصًا "نهر البارد" في طرابلس، ووضع نقاط حراسة حولها، ثم حدثت المواجهة حينما سيطر مقاتلو فتح الإسلام على هذه النقاط، فاندلع قتال شرس بين الطرفين قتل فيه العشرات.
وضمن هذا أيضًا يمكن الإشارة إلى أن أطرافًا لبنانية مثل حزب الله اتهمت فتح الإسلام بالتخطيط لاغتيال عدد من زعاماته في لبنان.
هناك بالتالي اتفاق كبير بين الأطراف الفلسطينية واللبنانية والسورية بشأن تصفية مسألة "فتح الإسلام" والتصدي لها، ولكن كيفية تنفيذ هذه الفكرة عبر إقصاء أو قتل أو احتجاز كل أعضاء هذه المنظمة المسلحة، وفي هذا التوقيت الساخن الذي تمر به المنطقة ربما عجل بالصدام وأعطى للحدث دلالات أكبر، وسمح لأطراف أن تستغل قضية هذا التنظيم في تحقيق مصالح خاصة لها وفق أجنداتها المختلفة.
فقد عمد أنصار تقنين محاكمة قتلة الحريري عبر المحكمة الدولية في الداخل اللبناني والخارج للنفخ في القضية؛ لتسريع تشكيل هذه المحكمة من جهة والضغط على سوريا من جهة أخرى. فيما عمد الحلف الأمريكي - الإسرائيلي للاستفادة منها أيضًا في الضغط على سوريا ومحاولة تصفية بؤر المقاومة، فضلاً عن إعادة فتح ملف "أسلحة المخيمات". وهناك من سعى لاستغلال الظاهرة (فتح الإسلام) في تحقيق مكسب لطرف الحكومة ضد المعارضة في لبنان، خصوصًا عقب الانفجار الذي وقع في أحياء مسيحية في سيارات، والقول إن مؤيدين لسوريا وراء هذه التفجيرات.
وربما شجع الجيش اللبناني على تصفية فتح الإسلام وقصف المخيمات بالمدافع والدبابات والمورتر أن هناك ثأرًا قديمًا بين الطرفين منذ بضعة أشهر؛ إذ سبق في 12 فبراير الماضي أن احتجز عناصر من "فتح الإسلام" ثلاثة من رجال الأمن الداخلي في مخيم نهر البارد للاجئين الفلسطينيين شمال لبنان، وفي 13 مارس 2007 قالت السلطات اللبنانية إنها أوقفت ستة أشخاص ينتمون لتنظيم "فتح الإسلام" اعترفوا بتورطهم في تفجيري عين علق.
المشكلة الآن أن هذه الدماء الغزيرة التي جرت بين الطرفين، قد تفتح العديد من الملفات الساكنة مرة أخرى وتزيد الوضع في لبنان تعقيدًا. وما يزيد الأمور اشتباكًا أن هناك أطرافًا داخلية وخارجية عديدة لها مصلحة في استغلال هذا الحدث والنفخ فيه وتأويله وفق مصالحها، بل وقد تفتح المجال لنشاط أبرز لتنظيم القاعدة في لبنان في ظل الثأر بين الحركة والجيش وقوى الأمن اللبنانية.
فالمكتب الإعلامي لحركة فتح الإسلام "حذر الجيش اللبناني من مغبة استمرار الأعمال الاستفزازية ضد مجاهديه والتي سوف تفتح عليه وعلى لبنان كله نيرانًا وبراكين لن تغلق إلا بإذن واحد أحد"، والجيش شدد قبضته حول مخيم نهر البارد وقام بقصف للمخيمات طال أبرياء ومدنيين، ما أعاد أجواء السبعينيات والثمانينيات للبنان، وفتح بابا للدس والتحريض بين اللبنانيين والفلسطينيين منذ اتفاقية 1969 التي منعت الجيش من دخول المخيمات الفلسطينية.
المحلل السياسي بشبكة إسلام أون لاين.نت
|