English

 

الثلاثاء. مايو. 22, 2007

أخبار وتحليلات » تحليلات وآراء » القضية الفلسطينية » الداخل الفلسطيني

 
   
روابط من إسلام أون لاين  
أهم الأخبار  

حماس وحسابات ما قبل اللحظة الأخيرة

إبراهيم أبو الهيجاء

Image
شهداء فلسطينيون جراء الغارات الإسرائيلية
21 مايو 2007
أحداث الفتنة الجارية في قطاع غزة، والتصعيد الإسرائيلي ضد حماس ليس فقط ضد قيادتها العسكرية بل والسياسية أيضا.. كلا الأمرين يضع حماس مرة أخرى في موازنات جديدة أحلاها مر.

فحكومة الوحدة الوطنية لم تكن صيغة كافية لكسر الحصار السياسي والاقتصادي في ظل التعنت الأمريكي والتلكؤ الأوروبي والتهرب العربي، وتململ مراكز قوى فلسطينية مناكفة لها.. صحيح أن ثمة اختراقات في جدار الحصار ولكنها بقيت تتعامل بانتقائية مع أعضاء الحكومة بما يبقي وزراء حماس في عزلتهم وحصارهم. وهذه الصيغة على إشكالياتها مررتها حركة حماس على أمل تحسن الأوضاع وخلق تمييع تدريجي للحصار، ومراهنة حماس في محلها في حال إذا بقيت الجبهة الفلسطينية متماسكة وواحدة في مواجهة الحصار واحترام شرعية حماس والمضي بتطبيق ما تبقى من بنود اتفاقات مكة وأهمها إصلاح منظمة التحرير الفلسطينية، وإصلاح الأجهزة الأمنية لكونها اللبنات الأولى في إصلاح الوضع الفلسطيني برمته.

لكن تفجر أحداث الفتنة الشديدة التي تخطت هذه المرة الخطوط الحمر فوصلت إلى حد التصفيات الجسدية على قارعة الطريق وعلى مرأى من الناس ومسمع، يجعل من اتفاق مكة صيغة مؤقتة لا تصلح لمعالجة الوضع الفلسطيني؛ بسبب غياب الآليات المفصلة والضمانات الكافية. ورغم أصوات الرصاص الفرحة بتحقق اتفاق مكة، فإن أيا من المراقبين العارفين بدقائق الساحة الفلسطينية لم يُخفِ تشاؤمه من تحقيق اتفاق مكة لوحدة فلسطينية جادة أو على الأقل حالة توافقية تدوم طويلا.

وكان يمكن للحصار أن ينكسر حتى في ظل أحداث الفتنة الفلسطينية لو امتلكت الدول العربية الشجاعة وقامت باحتضان حكومة الوحدة الوطنية سياسيا وماليا، وقالت "لا" حقيقية للتدخلات الأمريكية في تحريك الفتنة الفلسطينية. لكن الضغط الأمريكي أثبت نجاعته وقوته ليس فقط في جر الرئيس الفلسطيني إلى مفاوضات عقيمة مع رئيس الوزراء الإسرائيلي "أولمرت"، بل وكان فاعلا ضد الحماسة العربية لحكومة الوحدة الوطنية، لدرجة أن الموقف الأوروبي والروسي والصيني أكثر جراءة من الموقف العربي ذاته.

صحيح أن ثمة مخاوف عربية أيضا من سيطرة حماس على مقاليد السلطة الفلسطينية من حيث امتداداتها الداخلية وضررها على تحالفاتها الغربية، فكان يجب على الدول العربية أن تكون أكثر حنكة في تقدير مصالحها، حيث إن تفاقم الأوضاع الداخلية الفلسطينية لن يؤدي إلا إلى تفاعلات عربية داخلية أكبر تضر باستقرار هذه الدول ولا سيما المجاورة للجغرافيا الفلسطينية، أو توريط لهذه الدول بالمشكلة الفلسطينية ودفع أثمان الاحتلال كما تتمنى إسرائيل.

التحديات

كل ما تقدم يؤكد أن الأحداث الفلسطينية الداخلية ليست خالية من العبث الخارجي وعلى رأسها الأمريكي والإسرائيلي. لذا فالحاجة أكيدة لوعي فلسطيني أولاً وعربي إسلامي شعبي ثانيًا يتجاوز الصورة المختزلة التي تريد تصوير القتال الفلسطيني، وكأنه صراع على مناصب وسلطة بالكاد تؤدي مهماتها. فهذه السلطة بالقطع مغرم وليست مغنما.

ومنهنا تأتي أصوات الحريصين على المقاومة الفلسطينية بالنصح لحركة حماس كي تخلي ساحة السلطة وتتفرغ بالكامل لملف المقاومة. وصحيح أن هناك أصواتا تبغي من خلف انسحاب حماس إثبات أنها فاشلة في إدارة متطلبات المجتمع الفلسطيني وإدارة العلاقات السياسية للسلطة مع المجتمع الدولي، لكن في كل الأحوال، فإن أحداث الفتنة في قطاع غزة، وبغض النظر عن أسبابها وإرهاصاتها، فإنها تفعّل مرة أخرى الأسئلة الكثيرة عن خيارات حماس والجدوى من بقائها في السلطة وتأثير ذلك على القضية الفلسطينية، في ضوء أن دخول حماس للسلطة لم يكن إلا وسيلة في إطار تعزيز الحق والحقوق الفلسطينية، وإعادة تعريف القضية الفلسطينية في إطار ثوابت محددة بعدما ضاعت في تفاصيل الاتفاقيات الانتقالية التي استفاد منها الاحتلال الإسرائيلي في تعزيز الاستيطان وتهويد المقدسات.

بيدأن حماس ليست الفاعل الوحيد في الساحة الفلسطينية؛ لذا لا يمكننا فهم خيارات حماس بمعزل عن المراهنات الأمريكية والإسرائيلية التي لم تُخفِ عداءها لحماس، ولم تتردد أن تعلن أنها ستدعم إسقاطها بالمال والسلاح.. صحيح أن ثمة من سيجادل بمحاولاتهم توريط حماس بعسل السلطة في بدايات الانتخابات التشريعية، ولربما رغب البعض في تغير تدريجي لمواقف الحركة من خلال إعطائها فرصة تختبر فيها الحركة ويلين: حديدها بين مطرقة تشابكات السلطة الخارجية، وسندان متطلباتها الداخلية.

ولكن رياح حماس التي أتت بغير ما تشتهي السفن الإسرائيلية والمغريات الأمريكية، أدى إلى تغلب الأصوات التي ترفض إعطاء حماس أية فرصة معتبرة لأن في ذلك مضيعة للوقت. ورغم اتفاق مكة والمرونة السياسية الكبيرة التي تقدمت بها حركة حماس، فإن ذلك لم يفلح بتغيير النظرة الأمريكية للحركة، بل ربما أغرى الأصوات المتشددة بالقول إن الضغط يولد المزيد من التنازلات السياسية وليس العكس. إزاء كل ذلك لم يكن أمام حماس من بد إلا بتأكيد تماسك حكومة الوحدة رغم هشاشتها.

ولكن إلى متى يمكن لهذه الحكومة الصمود؟ سؤال مشروع في ضوء معطيات مستجدة أهمها:

1. جولة القتال في قطاع غزة لن تكون الأخيرة، وهي ترتفع درجة مع مرور الوقت والتسليح، كما أن التمويل الأمريكي يزداد ويجد طريقه لقوى تسيطر تدريجيا على زمام الموقف وتوجيهه في حركة فتح.

2. التحدي الإسرائيلي بقصف قواعد قوات حماس وقادتها وحتى منازل المناصرين لها، ويجد الإسرائيليون في قطاع غزة هدفا سهلا لاستعراض عضلاتهم وتصدير فشلهم في لبنان. وهذا يعني أن جزءًا مهمًّا من الحركة سيحتاج إلى النزول تحت الأرض في وقت أحوج ما تكون فيه الحركة إلى علانية سياسية وقوة تنفيذية أمينة تحافظ على شرعيتها.

3. قبول الرئيس الفلسطيني بالخطة الأمنية الأمريكية وتفاوضه العقيم مع "أولمرت" يضع حكومة حماس في مأزق يحرجها إن سكتت ويورطها داخليا إن تأزمت العلاقة مع الرئاسة الفلسطينية.

4. الإصرار الأمريكي على إسقاط حكومة حماس وصولاً إلى انتخابات مبكرة تعيد حركة فتح إلى السلطة أو تعلن فيه حالة الطوارئ إلى أجل، أو تقبل فيها حماس دورًا ثانويًّا لا أكثر.

5. نجاح الأمريكيين في منع تحول التراخي الأوروبي في التعامل مع حماس إلى انفتاح كامل ورسمي، وهذا يبقي الوضع الاقتصادي والاجتماعي الفلسطيني قلقا ويموج بالفلتان والجريمة والإضرابات العمالية.

6. البرود العربي الرسمي وضعفه أو عدم رغبته في احتضان حكومة الوحدة التي يقف على رأسها رئيس وزراء حمساوي. وهذا يعني أن اتفاق مكة صياغة عربية مظهرية لا جدية لمعالجة الأزمة الفلسطينية الداخلية.

7. التهدئة التي أعلنتها حماس سقطت شروطها الموضوعية؛ حيث إن إسرائيل تمعن بقتل الفلسطينيين بالجملة، وتمسك الحركة بالسلطة يظهرها كمتهافت على مناصب وكراسي، وهذا يفقد الحركة جزءًا من حاضنتها الشعبية.

الخيارات

من الواضح في ضوء ما تقدم أن حركة حماس تحتاج إلى الكثير من القرارات الجريئة في مواجهة التحديات الذاتية والموضوعية المتزايدة مع مرور الوقت، ومن هذه الخيارات التكتيكية المتاحة:

أولا: الحفاظ على حكومة الوحدة الفلسطينية والتمسك باتفاق مكة على رغم نواقصه وإشكالياته والسعي لتنفيذ ما تبقى من نواقصه، ولا سيما على صعيد إصلاح منظمة التحرير الفلسطينية وإصلاح الأجهزة الأمنية والتمسك بتسمية وزير داخلية جديد قوي وفاعل وخبير ومتمسك بروح اتفاق مكة والوحدة الفلسطينية.. صحيح أن حكومة الوحدة تعاني من تحديات لا يستهان بها، لكن إخلاء حماس للساحة السياسية بعد الشرعية المكتسبة والسقف السياسي الذي تم رفعه والإصلاح الجزئي لهياكل السلطة، ناهيك عن الثمن الكبير الذي دفعته نتاج وجودها في السلطة، يؤكد أن الربح المجني لتركها السلطة لن يكون كبيرًا؛ لأن الفتنة التي هربت منها في أتون السلطة ستواجهها أيضا في أتون المقاومة؛ حيث إن المطلوب ليس فقط إسقاطها كمشروعية انتخابية، بل وكقوة عسكرية مقاومة. لذا فالمواجهة اليوم لطردها من السلطة ستكون غدا لتسليم سلاحها.

وبرأيي أن حماس دخلت تركيبة داخلية وخلقت تفاعلات خارجية لا يمكنها التراجع عنها بسهولة أو تركها بسلام حتى وإن أرادات. صحيح أن الحركة قد تواجه حلولاً قسرية على شاكلة انحلال المجلس التشريعي أو إعلان حالة الطوارئ أو تثبيت موعد مبكر لانتخابات رئاسية وتشريعية، لكن أن ترغم حماس على ترك الساحة خير لها من أن تقبل بذلك طواعية؛ لأنها في الحالة الأولى ستكون معذورة، وفي الثانية ستكون ملامة ومتهمة بالفشل مهما قدمت من مبررات.

ثانيا: الصبر تجاه إشارات فك الحصار خطوة مهمة في الدفع المعنوي لدى الشعب الفلسطيني وخلق تكيف تجاهها، ومن المهم الاستمرار في إحراج المجتمع الدولي وتحميله مسئولية الأوضاع الإنسانية الخطيرة. وعلى رغم نجاح الولايات المتحدة في إبقاء الحصار، فإنه ينبغي الإشارة بإيجابية لتضاعف المساعدات الدولية الإنسانية، وللأصوات الأوروبية وحتى الأمريكية الداعية لفك الحصار. وبالرغم من الموقف النظري للدول العربية برفع الحصار، فإن من المهم توريط هذا الموقف النظري بمزيد من الخطوات العملية في تحويل الأموال، ونموذج قطر والسعودية مثال على هذا الاختراق، وأعتقد أن السلاح الإعلامي للحكومة الفلسطينية ماض في تعزيز ذلك.

ثالثا: ينبغي على حكومة الوحدة الفلسطينية أن تكون واضحة وحاسمة في رفضها لمحاولات ضربها من الداخل من خلال السماح للدول التفريق بين وزرائها على أساس الانتماء، حيث بقاء هذه اللقاءات سيكون مريحا للمجتمع الدولي لتجاهل حماس وجعل وجودها في الحكومة شكليا، كما ينبغي للحكومة الفلسطينية رفض أي محاولة للتعدي على صلاحياتها من خلال عنوان منظمة التحرير الفلسطينية. وينبغي بالمقابل وضع آلية مع الرئيس الفلسطيني لحسم القضايا السياسية؛ لأن خوضه لمفاوضات عقيمة تخالف الإجماع الفلسطيني وحكومة الوحدة الوطنية المشكلة، سيكون مصدر أزمات متعددة للحكومة وسيكون من الضرورة فلسطينيا إصلاح منظمة التحرير الفلسطينية بشكل عاجل.

رابعا: التمسك بسياسة كظم الغيظ على تجاوزات حركة فتح، والاكتفاء بسياسة الدفاع عن النفس مع الإصرار على محاكمة شعبية وقانونية للاقتصاص من القتلة. لكن في كل الأحوال ستكون حماس مخطئة إن قامت بالسيطرة على مواقع القوات الأمنية الموالية للرئيس الفلسطيني؛ حيث إن ذلك سيعطي إسرائيل مبررًا كافيا لهجوم ساحق يمنعها من ترجمة هذه السيطرة إلى شرعية سياسية، وسيساند هذا السيناريو الأمريكيون وإسرائيل والفاعلون الآخرون في المسرح العربي والأوروبي. لذا ينبغي على حماس أن تكون أكثر حنكة وأقل حماسة في مواجهة استفزاز الفتنة الداخلية أو إزاء إغراء القوة التي تملكها دون تفريط أو إفراط.

خامسا: ورقة المقاومة ستكون رابحة في تخفيف ضغط الفتنة الداخلية المفتعلة، فينبغي رفع وتيرتها مع اشتداد الأزمة الداخلية. ولعل المقاومة وعت ذلك جيدا، لكن من المهم أن تكون المقاومة ذكية في مواجهة العدوان الصهيوني الذي يعتمد الضربات الانتقائية ويخطط لاغتيالات معنوية تربك حركات المقاومة وتخرجها عن صوابها فيكشف أوراقها ويستدرجها لمعركة هو من يختار توقيتها ومكانها. فعلى فصائل المقاومة أن تستخدم الحس السياسي في تقدير الموقف بغية إحراج إسرائيل من خلال إعطاء هدن مؤقتة يستفاد منها داخليا في تأكيد فاعلية خيار المقاومة في ميزان المعادلة الفلسطينية الداخلية. والأهم إفادتها في إجبار إسرائيل للوصول إلى ميزان ردع مع المقاومة وبما يضمن تفعيل هدنة تقوم على التبادلية لا الذاتية وبضمانات دولية أو عربية. وخلال ذلك يجب أن تكرس المقاومة استفادتها من الأجواء السياسية بتكريس شرعيتها وتعظيم قوتها.

سادسا: يجب بالمقابل فضح الخطط الأمريكية التي تخطط جهارًا نهارًا لخلق فتنة فلسطينية ودفع الرئيس الفلسطيني وحركة فتح نحو حل للحكومة الفلسطينية على وقع اقتتال فلسطيني مفتعل. وينبغي أن يقول الرئيس الفلسطيني (لا) واضحة للمخططات الأمريكية التي تتحدث عن دعم وتسليح حرسه لمواجهة حماس، كما ينبغي تحذير الدول العربية المجاورة من مغبة الوقوع في الفخ الإسرائيلي الهادف لتوريطها في المشكلة الفلسطينية في مغريات أو تحت تهديدات.

متى تترك حماس السلطة؟

لا أحد يزعم أن خيارات حركة حماس سهلة بين مراهنات كثيرة وتحديات كبيرة تستهدف سحقها أو توريطها أو تهميشها. صحيح أن حماس ارتكبت أخطاء عديدة في مسيرتها نحو السلطة وإبان دخولها، لكن تجربة حماس لم تتجاوز السنتين، ومن الصعب الحكم على أدائها بموضوعية وعلمية. ويفترض بالحركة أيضا التعلم من أخطائها والاستماع إلى عقلها قبل قلبها ولكل ناصح أمين لها، ومن المهم أن تخرج من قوقعتها الحزبية الضيقة إلى الحسابات الشعبية الرحبة. وعليها في كل الأحوال ألا تفقد البوصلة، فعندما تصل الحركة إلى استنتاج قاطع أن بقاءها في السلطة مضر في مشروع التحرير وأن القوى المضادة لإصلاحها متمكنة من أوراق اللعبة تماما، فعليها أن تكون شجاعة في مغادرة سفينة السلطة وأن تتركها لأصحابها والمتمسكين بها والمحركين لمركبها؛ لأنها في النهاية سفينة غارقة أو متحطمة على إحدى شواطئ الحقوق الفلسطينية.

وبالطبع ينبغي لحماس ألا تفعل ذلك في هذه المرحلة. وبرأيي أنه برغم الثمن المدفوع، فإن حماس يجب أن تواجه أقدارها لأنها أصبحت في قلب العاصفة والانسحاب منها لا يقل خطورة عن البقاء فيها، لكن كل ذلك يجب أن يقاس في إطار زمني يقيس المرحلة بمرحلتها مع ضرورة ثباتها على مبادئها والحفاظ على سلاحها في كل الأحوال حتى لا تفقد أوراقها ومبرر وجودها!.


كاتب وباحث فلسطيني، مدير مركز القدس للدراسات والبحوث.  

 

أرسل لصديق أرسل لصديق

 

 

«

ابحث

«

بحث متقدم

أخبار وتحليلات
  ساحات الحوار
أخبار وتحليلات
خدمات