|
يا هاوي الجزيره
|
يا حمام الحِمَايا
|
هاوي الجزيره
|
|
يا هاوي الجزيره
|
وَدِلّونِي النبي
|
فِ أَنْهِي قبيله
|
|
يا بِتِّ نَبِيْنَا
|
يا فاطمه فاطنه
|
يا بِتِّ نَبِيْنَا
|
|
يا بِتِّ نَبِيْنَا
|
وِافْتَحي الْبَوَابه
|
لَبُوْكي دَعِيْنَا
|
بهذه الكلمات المنغمة وغيرها يصوغ البسطاء مشاعرهم وأشواقهم إلى القيام برحلة الحج، التي أولوها عناية فائقة في فنونهم الشعبية من كلمات مغناة بموسيقى أو بدون وكذلك بلوحاتهم التشكيلية.. جدران البيوت لوحة تهنئة بالرحلة المقدسة، تلك الجداريات البسيطة الملهمة التي اعتبروها من المراسيم الاجتماعية التي تحتفل بالحاج لدى عودته، وتظل ذكرى تثبت أداءه للفريضة المباركة.
الشعائر.. قصص حية
لقد حظيت رحلة الحج المقدسة بنصيب وافر من اهتمام الفن الشعبي (كلمة وتشكيلا).. فالمسلمون يعلمون أن الكعبة التي يحجون إليها هي بيت الله الذي وضعت الملائكة قواعده، ثم بناه نبيان (إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام)، وبه حجر من الجنة هو الحجر الأسود.. ويحفظون قصة كل شعيرة من شعائر الحج.. يذكرهم السعي بين الصفا والمروة بالأم هاجر وابنها الرضيع إسماعيل يبكي وهي تهرول بين الجبلين بحثاً عن الماء، ويرون زمزم كرمز لرحمة الله بالأم الصابرة المؤمنة وابنها، والحجر الذي جاء به سيدنا جبريل من الجنة وقبّله النبي محمد -صلى الله عليه وسلم- يحرص كل حاج على لمسه وتقبيله، أو حتى الإشارة إليه، والذبح يذكرهم بقصة النبي الذبيح إسماعيل الذي افتدته السماء بكبش هابيل بن آدم.. ورمي الجمرات يذكرهم بمحاولة مراودة الشيطان لإبراهيم وإسماعيل وهاجر حتى لا ينفذوا أوامر الله في رؤيا الذبح التي رآها إبراهيم في منامه ثلاث مرات..
بالإضافة إلى ما كان يكتنف الرحلة من صعوبات كثيرة عندما كان السفر بالرواحل "الإبل" أو السير على الأقدام.. وعندما كان أهل الحاج يودعونه وهم غير واثقين تماماً من عودته.. فالرحلة طويلة، والسفر شاق، والطريق غير مأمون.. لذا فكل خطوة من خطوات الرحلة المقدسة بداية من الاستعداد لها حتى عودة الحاج إلى داره بعد أداء المناسك تعتبر جهاداً في سبيل الله، وتحظى باهتمام الفن الشعبي بصوره المختلفة التي تعبر عما ترسخ في الوجدان الشعبي الجمعي من حب ولهفة وتقديس تجاه كل ما يتصل برحلة الحج.
أغاني الحجيج.. أداء مختلف
ويصف الدكتور أحمد مرسي أغاني الحج باعتبارها تختلف في شكلها وأسلوبها وفي لحنها وأدائها عن كثير من الأغاني الشعبية الأخرى، خاصة تلك التي تغنى في وداع الحاج.. فهي أولاً: مكونة من مقطوعات صغيرة في العادة، وهي تُؤدى أداء يغلب عليه البطء والشجن.
ثانيًا: وهي تعتمد على تنغيم الصوت وتلوينه، كما لا يغنيها إلا النساء، وربما يرجع هذا البطء والشجن إلى ارتباط هذه الأغاني بالوداع، ومن ثم يطلقون عليها "حنين الحجاج" أو تحنين الحجاج، وتغنى للحاج قبل سفره لاستثارة حنينه إلى أهله كي يعود إليهم بعد أداء الفريضة، اعتقاداً منهن –أو من المجتمع الشعبي كله- أن الحاج سيفضل صحبة النبي -صلى الله عليه وسلم- على العودة إلى أهله وذويه، ومن ثم فهن يتوسلن إليه أن يعود حتى لا يحرم أولاده ومن يحبونه منه؛ إذ إنهم جميعاً ينتظرونه في شوق ولهفة كي يعود بعد أن استجاب لدعوة النبي –صلى الله عليه وسلم-، تاركاً كل شيء حباً له، ورغبة في زيارته، وتقرباً منه.
ويصف الباحث "أحمد الليثي" أسلوب أداء أغاني الحجيج في قرى الصعيد المصري بأنه "يتم بشكل مرسل حر لا موسيقى فيه ولا آلات موسيقية، إلا أنه يتسم بالوزن والقافية والموسيقى الخفية الداخلية التي تنبع من طريقة "التطويح" التي يستخدمها المؤدي في نهاية الشطرة ليسلمها إلى التي تليها من شطرات، وهكذا..".
ويضيف: "إذا تعمقنا أكثر في سماعنا لأداء الحادي أو من يؤدي أغاني الحج، نجد أنه يضبط إيقاعه وفق خطوة سيره وراء الجمل، وكأنه يوقع حركة الجمل وسيره على الرمال في الصحراء وهو يرفع "خُفَّه" بهوادة وتؤدة حسب طبيعة الأرض التي يمشي عليها".
أغاني الحجيج حداء وفق خطوات الجمل
وقد قسم الباحثون أغاني الحجيج إلى أقسام مختلفة حسب المرحلة التي تعبر عنها الأغنية من مراحل الرحلة المقدسة:
-
فهناك أغاني الحنين أو الوداع وهي التي يودع بها الأهل الحاج المسافر، ويتمنون له رحلة موفقة وحجا مبرورا وعودة سالمة.
-
أغاني الرحلة التي تصف ما يلاقيه الحاج في رحلته من مشاق.
-
الأغاني التي تعبر عن الوصول إلى الأراضي المقدسة وأداء المناسك.
-
أغاني العودة والتبشير بوصول الحاج سالماً.
-
أغاني المحمل الذي ظل لفترات طويلة يخرج من مصر إلى الكعبة كل عام في احتفال مهيب تتقدمه فرق الموسيقى العسكرية... إلخ.
وتتعدد تلك الأغاني الجميلة التي جمعها الباحثون وشرحوها وعلقوا عليها، فتم بذلك حفظها من الضياع كذخيرة شعبية مهمة ورافد من روافد تراثنا التي لا بد من المحافظة عليها والاعتناء بها وإحيائها بقدر ما نستطيع.
جداريات الحج.. الصورة تتكلم
بالإضافة إلى الكلمة عبر الوجدان الشعبي عن مراحل الرحلة المقدسة بالصورة في عدد كبير جداً من "الجداريات" البسيطة الملهمة، حيث تمتزج في هذه الجداريات الصورة بالكتابة، سواء كانت الكتابة من آي القرآن الكريم، أو الحديث النبوي الشريف، أو الأقوال المأثورة والأدعية المرتبطة بالحج أو غيرها.. ومن أمثلة هذه الكتابات:
-
"ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا" (قرآن كريم).
-
"الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة" (حديث شريف).
-
حج مبرور وذنب مغفور (دعاء شائع).
ويقسم الباحث "أشرف محمد كحلة" في دراسته عن "جداريات الحج" هذه الجداريات إلى وحدات مصورة مثل: "صورة الكعبة"، أو "قبر النبي"، أو "غار حراء"، أو وسائل الرحلة كالجمل والسفينة والطائرة.. والكتابات بأشكالها المختلفة.
ويقول الباحث: "يقوم بعمل تلك الرسوم الجدارية والكتابات في القرى المُبَيِّض (من يقوم بعملية طلاء الحوائط)، أو البعض من أهالي الحاج وأصدقائه ممن تتوفر لديهم القدرة أو الموهبة في الرسوم والتلوين، وربما لا يتوفر واحد من هؤلاء فيأتون بخطاط المنطقة الذي يحترف هذا العمل إلى جانب أعمال أخرى، أو خطاط من المدن المجاورة ويتقاضى عن ذلك أجراً".
ويرى الباحث أن هذه الأعمال الفنية الشعبية قد تأثرت بفن المنمنمات واحتوت على الخطوط الإسلامية المختلفة، إلى جانب استعارتها لبعض الرموز والوحدات الزخرفية المصرية القديمة التي استخدمت في الكتابات وسطرت بها الحضارة المصرية على جدران المعابد.. ويقتصر رسم الفنان على خط رفيع منمق دون الدخول في مساحات عريضة أو ملونة.. فقد أطلق الفنان الشعبي خياله في التعبير عما يجيش بخاطره، وما تختزنه ذاكرته الفنية من أنماط ووحدات زخرفية مستلهمة من تاريخه الفني والحضاري الطويل.
ويؤكد الباحث أن الفنان الشعبي عمد إلى مزج إحساسه الديني والقومي برمز بلده ووطنه الذي ملأ كيانه، وذلك من خلال وضع النجوم الثلاثة داخل الأهلّة أعلى القبلتين مكوناً علم مصر (شكل علم مصر فيما قبل ثورة 23 يوليو 1952م)، وأهم وظائف هذا النوع من الكتابات والرسوم التصويرية استكمال المراسيم الاجتماعية لمن يقوم برحلة الحج، وإعطاؤه ما يستحقه من احترام في النفوس، وإبراز القيمة السامية لتلك الفريضة.
هوامش ومصادر:
-
التدين والإبداع.. الوعي الشعبي في مصر، د. عبد الباسط عبد المعطي، الهيئة المصرية العامة للكتاب 2001م.
-
مجلة الهلال، عدد فبراير 2002م- "الفلكلور وأغاني الحج" د.أحمد مرسي.
-
مجلة الفنون الشعبية، الهيئة المصرية العامة للكتاب، العدد (50) يناير- مارس 1996- "أغاني الحج" جمع وتدوين محمد حسن عبد الحافظ.
-
مجلة الفنون الشعبية، الهيئة المصرية العامة للكتاب، العدد (51) إبريل- يونيه 1996- "جداريات الحج" أشرف محمد كحلة.
-
مجلة الفنون الشعبية، الهيئة المصرية العامة للكتاب، العدد (52) يوليه- سبتمبر 1996- "أغاني الحجيج في إحدى قرى الصعيد" أحمد الليثي.
|