|
|
| نهيلة ويونس فى مغارة باب الشمس
|
من الصعب أن يجد المرء إجابة واضحة لهذا التناقض الصارخ بين الاهتمام الشعبي العارم بالقضية الفلسطينية، والتجاهل المخزي لها من جانب السينما المصرية. ففي الوقت الذي تحولت فيه القضية الفلسطينية إلى قضية وطنية بعد دخول الجيش المصري إلى فلسطين قبل نكبة 1948، واختلاط دماء جنوده بدماء الأطفال والأرامل والشيوخ الفلسطينيين الذين ذبحتهم العصابات الصهيونية؛ فإن الحصاد على الشاشة كان هزيلا، ولا يتناسب مع صخب القضية وتطوراتها وانعكاساتها.
هل تأتي الإجابة من أوربا؟
وباستثناء فيلم "المخدوعون" للمخرج توفيق صالح عام 1969م الذي نجح في نقل هذه النكبة إلى قلوب المصريين لم يلتفت صناع السينما في مصر بشكل جدي إلى القضية الفلسطينية؛ بل تعاملوا معها -أحيانا- من منطلق الابتزاز العاطفي للجماهير، كحرق العلم الإسرائيلي في مشهد خطابي زاعق خارج سياق الأحداث مثل فيلم "صعيدي في الجامعة الأمريكية"، وشخصية الفدائي الفلسطيني الرومانسية، التي جسدها عمرو واكد في فيلم "أصحاب ولا بيزنس"، ولم يكن يخفى على أحد الهدف من هذا الإقحام، ورغبة صناع الفيلمين في استثمار العواطف الشعبية المتأججة بسبب الانتفاضة الفلسطينية التي فرضت نفسها على الناس والأحداث وقتذاك.
وهنا تظهر أهمية فيلم "باب الشمس" الذي يعد الأضخم -إنتاجًا وزمنًا- فيما أنتجته السينما المصرية والعربية عن القضية الفلسطينية. ونسارع بتصحيح العبارة الأخيرة؛ فرغم أن الفيلم منسوب لمخرج مصري متميز هو يسري نصر الله، وشارك فيه بالتمثيل ممثلون مصريون، فإن إنتاجه -وهذه هي المفاجأة- لا أثر فيه لتمويل مصري، بل تحمل الجانب الأكبر فيه جهات غير عربية، يقف على رأسها قناة “ARTE” الفرنسية الألمانية، التي أنشئت بدعم الاتحاد الأوربي، وحصلت مقابل المليوني يورو التي دفعتها في إنتاج الفيلم (التكلفة 4.5 ملايين يورو) على حق العرض الأول للفيلم تلفزيونيًا. أما الممول الأكبر الثاني للفيلم فهو "أمبير بلزان" صاحب شركة "يونيون بيكتشير" التي سبق أن أنتجت ليسري نصر الله أبرز أفلامه: سرقات صيفية، مرسيدس، المدينة.
انتحار أم جريمة قتل؟
أصيب يسري نصر الله بحالة من الهلع عندما جاءه حقيقة نبأ انتحار بلزان يوم 10 فبراير الماضي. فبادر بالسفر إلى باريس لتقديم واجب العزاء في الرجل الذي دعمه وسانده وغامر بأمواله من أجله. فرغم الإعلان رسميًا عن انتحار بلزان، فإن الأمر لا يخلو من شبهات جنائية، بعد التهديدات العلنية التي تلقاها من متطرفين يهود عقب عرض الفيلم في مهرجاني "كان" و"برلين"، والحملة المنظمة ضده التي قادتها جريدة "يديعوت أحرونوت" الإسرائيلية، واتهام صناعه بتشويه التاريخ، بل ووصلت إلى حد الاتهام بـ"العداء للسامية". وعلى أثرها تلقى بلزان وكذلك جيرون بوليمون مدير "الأرتيه" تهديدات عنيفة بالقتل إذا لم يتخليا عن دعمها "باب الشمس".
يسري نصر الله وفلسطين
|
|
المخرج يسري نصر الله
|
وإذا ابتعدنا عن الشبهات ودخلنا في منطقة الحقائق نقول بأن اهتمام يسري نصر الله بالقضية الفلسطينية يعود إلى عام 1978م عندما سافر مغاضبًا إلى بيروت احتجاجًا على أوضاع السينما المصرية، وأحلامه المجهضة فيها.
ولمدة أربعة أعوام متصلة عاش نصر الله في بيروت مقسمًا وقته بين كتابة النقد السينمائي في جريدة "السفير"، والتدريس لأطفال شهداء تل الزعتر بمخيم "مار إلياس" القريب من بيروت. وفي رحلاته اليومية للمخيم حيث كان يتولى تدريس الإنجليزية والرياضيات معًا (رغم أنه خريج كلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة) تعرف على القضية وجهًا لوجه، وتجلت له المأساة بلحمها ودمها، وسمع روايات مغايرة عن تلك التي رسختها دعاية إعلام عهد السادات عن هؤلاء الذين باعوا أرضهم، ويطالبون مصر بأن تدفع الثمن وتحارب عنهم وتعيدها لهم.
لذلك لم يتردد نصر الله عندما عرض عليه أمبير بلزان أواخر عام 2000 فكرة فيلم يحكي سيرة القضية الفلسطينية منذ بدايتها، وكان شرطه الوحيد أن يكون الفيلم مأخوذًا عن عمل أدبي. وسرعان ما اتضح أنه "باب الشمس"؛ الرواية التي كتبها صديقه الكاتب اللبناني إلياس خوري، التي رأى نصر الله أنها تحقق رؤيته في تناول التاريخ، والإبحار فيه من وجهة نظر الأفراد، الأشخاص، لا الزعماء، ولا كتب التاريخ الرسمية.
أبطال الفيلم أبناء القضية
ومما ساعد على نجاح الفيلم أن المخرج كان موفقًا إلى حد كبير في اختيار فريق التمثيل؛ إذ إنه لم يستسهل -مثل أغلب المخرجين- في الاعتماد على نجوم التمثيل المصريين، على اعتبار أنهم الأكثر شهرة في العالم العربي، بالإضافة إلى سهولة تعامله معهم واتصاله بهم، ولكنه اختار الأصعب، وطاف على دول الجوار الفلسطينية ليختار فنانين من أبناء المأساة؛ هؤلاء الذين انطبعت تفاصيلها في ذاكرتهم، وعلى ألسنتهم.
وهكذا كان الفريق: نادرة عمران ومحتسب عارف (أردنيان من أصول فلسطينية)، هيام عباس (فلسطينية تعيش في باريس)، ريم التركي (ممثلة تونسية استعان بها المخرج تقديرًا منه لصعوبة قيام ممثلة فلسطينية أو أردنية بمشاهد مغرية لا يمكن قبولها من مجتمع محافظ بطبعه)، باسل خياط، عروة نيرا (من سوريا)، باسم سمرة وماهر عصام (من مصر).
وكان الهدف الأساسي من وراء هذا الاختيار ضمان أن ينطق الأبطال باللهجة الفلسطينية الأصلية؛ حيث إن الأشخاص أغلبهم من فلسطين، وفقدان الفيلم لهذه اللمسات قد يفقده قيمته، خاصة إذا ما طغى الممثلون المصريون، ومن ثم تجنب الخطأ التاريخي الذي وقع فيه أستاذه يوسف شاهين عندما اختار ماجدة ورشدي أباظة وأحمد مظهر ومحمود المليجي لبطولة فيلم يروي سيرة المناضلة الجزائرية "جميلة بو حريد"، فجاءت الأحداث واللهجة والتفاصيل بعيدة عن المجتمع الجزائري والمشاهد الحقيقية للأحداث؛ فجاء الفيلم خطابيًا زاعقًا خاليًا من الصدق والإحساس الفني.
بين الرومانسية والجهاد
|
|
النكبة على وجوه الشعب الفلسطينى
|
قصد نصر الله بـ"باب الشمس" أن يكون أقرب إلى العمل الملحمي، والتوثيق السينمائي لقضية عمرها يزيد على نصف قرن؛ ولذلك وقع راضيًا في الفخ الذي يخشاه كل السينمائيين وهو "التطويل"؛ لأنه يدرك أن زمن الفيلم الذي يصل إلى 4 ساعات ونصف (وهو رقم قياسي في السينما العربية) لا يدخل تحت وصف "اللونجير"، بل يمكن لمن شاء أن يعتبر الفيلم فيلمين منفصلين؛ ولذلك جعل كل جزء يحمل عنوانًا منفصلا (الرحيل، العودة).
ويبدو أن الانفصال امتد كذلك إلى الأحداث؛ فكل جزء تطغى عليه قصة حب تربط الشخصيات والوقائع والمرامي السياسية. في الجزء الأول (باب الشمس- الرحيل) تطالعك قصة حب يونس ونهيلة، وكأنها إحدى قصص الأساطير. ففي وسط النكبة وعملية الاقتلاع التي قامت بها العصابات الصهيونية لأهل الأرض لا ينسى الزوج الفدائي أنه عاشق، وتتم اللقاءات العاطفية بينهما في مغارة "باب الشمس"، بين "الجليل" حيث تعيش نهيلة ولبنان التي رحل إليها يونس مع رجال المقاومة.
وبين البيوت المهدمة والوجوه المكسورة ولحظات الخوف والعشق في باب المغامرة تدور أحداث هذا الجزء بـ"الفيلم"، ناقلا تفاصيل المأساة بصورة شاعرية مليئة بالشجن، امتدت إلى الجزء الثاني الذي يربطه كذلك قصة حب أخرى بين خليل ابن يونس بالتبني و"شمس" الذي يرى في وجهها وجه الوطن المسلوب.
لا نستطيع أن نحكي أحداث الفيلم بطريقة كلاسيكية مسترسلة؛ لأنه أكبر من مجرد "حدوتة" سينمائية، فهو قصة شعب تعرض لأكبر عملية نصب وقهر في القرن العشرين، تختلط فيها نيران الموت بنيران المقاومة بنيران الحب والعاطفة.
الإثارة في قضية "جهادية"!
وربما لأن يسري نصر الله يعرف أنه بهذه الصورة النضالية لن يصبح فيلمًا جماهيريًا؛ حيث إن أغلب الجمهور بدور العرض من المراهقين؛ فإنه قرر أن يمنحه بعض "الشطة"، متمثلة في مشاهد غرامية ملتهبة، خاصة تلك التي جمعت بين نهيلة ويونس في المغارة. والتفسير المباشر لهذه المشاهد أن مخرج "باب الشمس" أراد أن يكسر القاعدة، ويغير السمعة التقليدية عن الأفلام الوطنية التي توصف بالرتابة والخطابية والملل، فود أن يثبت أنها يمكن أن تجمع بين الجدية والمتعة، وبين حرارة الوطنية وحرارة الحب، وربما يكون ذلك هو المعنى نفسه الذي قصده الكاتب والناقد السينمائي رفيق الصبان عندما وصف الفيلم بأنه مزيج من الشاعرية والجنون وصراخ الغضب وأنين المقهورين وآهات الحب وأزهار الليمون.. فيلم الجسد المتمرد النشوان، ولهاث اللذة المحبوسة التي تقاوم القهر والهوان.. هو قصة نهيلة العاشقة وشمس المتمردة وأم حسن الشامخة وأم يونس الصابرة.. قصة النساء الفلسطينيات بكل مجدهن وبسالتهن وتمردهن وجنونهن.
وربما ساعد على تقديم تلك الصورة هذه الأماكن الخلابة التي اختارها لتصوير مشاهده، والزوايا المدهشة التي نقلتها بها الكاميرا؛ مما أضفى جوًا من الشاعرية على الأحداث رغم قتامتها.
ماذا وراء ستار الرومانسية؟
ولكن لا بد أن تسأل نفسك بعد الفيلم: هل كانت هذه الشاعرية موجودة لأسباب فنية موضوعية.. أم لأسباب أخرى؟
وخروجًا من هذا اللغز أقول: إن التمويل الغربي للفيلم يجعلك تستريب في تلك الشاعرية التي يظهر بها الآخر، أو الجلاد الذي هو العصابات الإسرائيلية التى ارتكبت تلك المذابح البشعة في حق الفلسطينيين، ولا تزال تسطر في كتب التاريخ على أنها الأكثر بشاعة وإجرامًا في حروب وصراعات القرن العشرين، وربما في قرون أخرى عديدة. فطوال أحداث الفيلم لا نرى هذا الآخر مباشرة؛ بل ظلت تغيم عليه مشاهد الحب حتى تبعدنا عن الحقيقة، فهل كان ذلك بضغوط من جهات التمويل، أم خوفًًا من اتهام الفيلم بالعداء للسامية؟!
لم أجد إجابة شافية على تلك النقطة في الحوارات الكثيرة التي أجريت مع يسري نصر الله بعد عرض الفيلم؛ إذ يحاول أن يرجع السبب إلى رؤية فنية خاصة به، ولكنها رؤية مع تقديرنا لها تعد قاصرة؛ لأن الفيلم لا يتعلق بقصة رومانسية خاصة، بل هو توثيق لأهم قضية في تاريخ الأمة العربية، ولا يمكن أن ترصد النكبة دون أن ترى فاعلها ومرتكبها وجانيها، حتى لو رأيت نتائج ما قدمت يداه.
هذه المآخذ لا تنتقص كثيرًا من أهمية الفيلم، ولا تحول دون وضعه في صدارة أهم الأفلام التي أنجزتها السينما العربية عن القضية الفلسطينية، وهذا ليس رأيًا شخصيًا، بل اتجاه جماعي جعل من جريدة "التايم" العريقة تضعه بين أهم عشرة أفلام أنجزتها السينما العالمية في عام 2004م، وهو لقب لم يسبق لفيلم عربي من قبل أن حصل عليه.
أما المفارقة فهي أن هذا التقدير العالمي لم يكن له تأثير يذكر على موقف الجمهور المصري من الفيلم؛ فلم تتجاوز إيراداته ربع مليون جنيه منذ عرضه قبل شهر، وهو رقم يبدو مضحكًا مقارنة بإيرادات فيلم "أبو علي" لكريم عبد العزيز ومنى زكي، الذي بلغت إيراداته تقريبا 9 ملايين جنيه.
|