English

 

الأربعاء. يوليو. 7, 2004

ثقافة وفن » مساحات ثقافية

 

التسامح ومنابع اللاتسامح في "قضايا إسلامية معاصرة"

إعداد - القسم الثقافي

غلاف المجلة
غلاف المجلة
  كثيرا ما تتجاهل الأدبيات الإسلامية الحديثة -خاصة السياسية منها- بحث وإشاعة مفاهيم "العفو، والتراحم، والتعايش، والتسامح... إلخ" بل وقد تعمل طائفة منها على مسخ كل المعاني السامية والإنسانية للدين في المحبة، والتراحم، وإشاعة العفو، والسلام، والعدل، والإحسان، والحوار، والحكمة، والموعظة الحسنة، والمجادلة بالتي هي أحسن، والصبر، والمداراة، والصفح الجميل، والهجر الجميل، وغير ذلك من مقولات ومعاني اللين، والسماح، واحترام الآخر، والعيش المشترك. وتختزل الدين في صناعة الموت، وهجاء الحياة، ونفي الآخر. وفي بادرة -ربما قليلا ما تحدث- خصصت دورية "قضايا إسلامية معاصرة" ملفا يتجاوز 300 صفحة لدراسة قضية "التسامح" والسعي لاكتشاف "منابع اللاتسامح" وفضحها، وذلك في عددها 27 لربيع 2004 الصادر من بيروت - بغداد، وهو الملف الذي عالج قضية "التسامح ومنابع اللاتسامح" وتجلياتها في التراث والفكر والاجتماع والواقع.

التسامح ليس منة ولا هبة

 و"قضايا إسلامية معاصرة" هي مجلة فكرية متخصصة يصدرها مركز "دراسات فلسفة الدين" في بغداد، ويرأس تحريرها الكاتب والمفكر العراقي الشيعي عبد الجبار الرفاعي. وقد صدرت الملف بافتتاحية للمفكر العراقي الدكتور عبد الله إبراهيم، بعنوان "حيرة المجتمعات الإسلامية.. في أن التسامح ليس منة أو هبة"، شدد فيها على تنامي ضروب جديدة من الاستبداد الاجتماعي الديني، الذي ينتج أيديولوجيا شمولية، تدعي اكتساب شرعيتها من تفسير ضيق للدين، بما يفقد الدين دوره الإصلاحي الأخلاقي العام.

 وقد حلت التفسيرات الضيقة للدين محل النصوص الأصلية، وهذه التفسيرات المحكومة بغايات لها صلة بتطلعات مجتمعات حرمت من ممارسة أدوارها أخذت على أنها الدين الحقيقي، وبغياب نقد عقلي لتلك التفسيرات تتوارى إمكانات الحوار، ويصبح التسامح حلما بعيد المنال؛ فالتسامح ليس عفوا تصدره المجتمعات عن مارقين، بعد توبتهم، أو خارجين مخربين للقيم الكبرى، إنما هو قبول كامل ونهائي بالآخر المختلف، بما يجعله مشاركا في كل شيء، وليس ملحقا مهمشا ذا دور تكميلي.

ويخلص الباحث إلى أنه لا تسامح بدون اختلاف؛ فالتسامح ثمرة مران طويل على قبول حراك الصورة والفكرة والمفهوم، وقبول استئناف النظر الدائم بكل شيء، وعدم الارتماء في منطقة المطلق، وقبول الذات بتغيراتها، والآخر بسياقاته الثقافية؛ فالتسامح ليس منة أو هبة يتفضل بها أحد على غيره، إنه حق تنتزعه المجتمعات، حينما تنخرط بفعالية الاختلاف متعدد المستويات والمعاني.

قضايا وروافد في قضية التسامح

وحاورت المجلة العلامة السيد محمد حسين فضل الله عن "التسامح ومنابع اللاتسامح"، وتحدث السيد فضل الله عن "العفو، والمغفرة، والتوبة... وغيرها" في القرآن، وما تشي به آيات الكتاب من الاعتراف بالآخر، وكيف أن مناقشة فكر الآخر ومحاورته إنما هي تعبير عن احترامه والاهتمام به؛ باعتبار الفكر نتاج الشخص نفسه، وهو تجل لمعتقداته ومفهوماته، من هنا يتمثل التسامح في الإسلام في احترام الناس في إنسانيتهم؛ باعتبارهم يمتلكون الفكر، وليس في احترام الفكر في ذاتياته. كذلك نفى العلامة فضل الله أن تكون الآيات التي تنفي الإكراه منسوخة بآيات القتال؛ لأن هذه الآيات وأمثالها من آيات الرفق والتسامح واردة في نطاق الدعوة والعلاقات الإنسانية والاجتماعية. أما آيات القتال فهي واردة في مقام رد الأعداء في تحدياتهم في الجانب الدفاعي

كما نشرت المجلة حوارا للدكتور السيد حسين نصر، بعنوان "الخلاف يعود إلى عالم الأسماء ولو انتقلنا إلى عالم المعاني يسود الوفاق"، عالج فيه مسألة التعددية الدينية وجذورها في الموروث الإسلامي، وكيف أن القرآن يعتبر "أن الدين عند الله الإسلام"، والإسلام هنا -كما يقول حسين نصر- ليس بمعنى الوحي القرآني وحسب، بل هو بمعنى التسليم لله، وجميع الأديان تقوم على عبادة الله والتسليم له.

ويستقي الدكتور نصر من نصوص الشعراء المتصوفة رؤيتهم الإنسانية التي تذهب إلى أن الله لم ينزل أكثر من دين واحد؛ فقد بدأ دين "لا إله إلا الله" من النبي آدم واختتم بالنبي محمد؛ إذ يلخص الشاعر الصوفي جلال الدين الرومي السبب الأصلي للاختلاف بين الأديان بقوله: "اختلاف الناس يرجع إلى الأسماء، فإذا انتقلنا إلى المعاني يسود الوفاق".

اختلاف المسلم والزرادشتي واليهودي يعود إلى زوايا النظر

أما الدكتور عبد الكريم سروش فقد عالج الحوار المطول معه جدلية "الدين والتسامح والمدنية"، وتوغل في ثنايا التراث ليقوض الدعوى التي تعتبر كافة نصوص المتصوفة والعرفاء أبرز منهل للتسامح والتعايش في التراث؛ فيشير إلى النزعة الإقصائية الاستئصالية لدى بعض هؤلاء كالغزالي وأضرابه من المتصوفة حيال المذاهب والفرق الإسلامية.

ويلمح إلى أن من المفارقات في عالمنا أن التسامح يوصى به عادة للمرؤوسين الضعفاء، كذلك يستخدم التسامح في تراثنا الصوفي والأخلاقي أحيانا في غير محله؛ حتى يصل التسامح أحيانا إلى تسويغ قبول الظلم وتبريره. ويشدد على أنه لا بد من العمل بمبدأ التسامح مع الآخر، إلا مع أعداء التسامح نفسه؛ فالظلمة والمجرمون والقتلة لا وجه للتسامح معهم.

كما نشرت المجلة تفاصيل الندوة التي عقدتها في مكة المكرمة في 2-2-2004، وشارك فيها الدكتور أبو يعرب المرزوقي، والدكتور السيد ولد أباه، والدكتور أحميدة النيفر، والدكتور هشام داود، والدكتور أبو بكر باقادر، وتناولوا فيها "التسامح ومنابع اللاتسامح"، وتحدثوا عن تحليل مفهوم التسامح، ومجالاته التداولية، ومنابع اللاتسامح في تراثنا وفكرنا واجتماعنا اليوم وأمس. وأفاض المشاركون في بيان هذه الموضوعات البالغة الأهمية، استنادا إلى مرجعيات معرفية وثقافية متنوعة، تحكي تنوع التأهيل الأكاديمي للمساهمين في الندوة.

الدين والعنف والتسامح

وفي باب دراسات استوعبت المجلة ثمانية أبحاث استهلتها ببحث للمفكر الإيراني مصطفى ملكيان حلل فيه "المرتكزات النظرية للتسامح" من منظور لاهوتي مستنير.

ثم تلته دراسة للدكتور عبد المجيد الشرفي بعنوان "المسلمون في عالم عدائي" أكد فيها على أن القول بأن وصف دين معين بأنه دين السلام، أو بأنه دين العنف والحرب هو قول لا معنى له، وهو طرح مغلوط من الأساس؛ لأنه تعبير عن نظرة ماهوية إلى الدين يكذبها الواقع والتاريخ. فإن أتباع الدين هم الذين يكونون دعاة سلم حينا، ودعاة حرب حينا آخر؛ فالدين في كلتا الحالتين يستعمل مبررا لاختيارات ذات صبغة سياسية أو اقتصادية أو عسكرية، والرهانات الحقيقية رهانات دنيوية، وإن تلبست بالدين، واستندت إلى نصوصه المقدسة، ينتقون منها ويؤولون حسب دوافعهم وأغراضهم.

ورغم ذلك فإن كل ملاحظ منصف يقر بأن المسلمين قد مارسوا عبر تاريخهم من ضروب التسامح تجاه مخالفيهم في العقيدة ما يعسر العثور على مثيله في تاريخ أتباع الديانات الأخرى. وهذا السلوك لا بد أنه متأثر بطبيعة الرسالة المحمدية؛ رسالة الرحمة، ورسالة عدم الإكراه في الدين.

وتحدث الدكتور رضوان السيد عن "العنف الديني تجاه الآخر"، وكيف صار الجهاد لدى الإحيائيين الإسلاميين مقدسا وشعائريا؛ فهو مقدس لأنه ذو دوافع دينية بحتة من وجهة نظرهم، وهو شعائري لأنه فعل توبة؛ فعل أضحوي وافتدائي للنص والآخر. وهكذا يصبح الانتحار أو تفجير النفس أكبر الحجج على صحة الفعل، ويصبح الانتصار انتصارا على النفس قبل أن يكون انتصارا على الآخر.

التسامح بين التصوف وعلوم الفرق

وتناولت المستشرقة الألمانية الراحلة آن ماري شيمل موقع "التصوف كجسر بين الأديان والحضارات"؛ فليس التصوف زهدا يقتصر على نفي الدنيا، ولا إهمال الوظائف الدينية أوانه أحلام رومانسية؛ بل هو إحياء للقلوب، وبعث الحس الديني العميق، وخلع المعنى على ما لا معنى له، وهو العشق وحرارة الوجد التي نحن بأمس الحاجة إليها اليوم؛ لنحيا ويحيى بنو الإنسان.

وفي دراسة موسعة تناول المفكر اللبناني علي حرب ما اصطلح عليه مفهوم "الإنسان الأدنى" فنقد المركزية البشرية، ورأى بأن الأجدى والأغنى في التعامل مع الناس في القطاعات البشرية؛ بوصفهم منتجين خلاقين أولا، وبوصفهم فاعلين مؤثرين ثانيا؛ الأمر الذي يحمل على تجاوز الثنائية التي تحكمت بعقول الفلاسفة طويلا؛ أي ثنائية النخبة والجمهور، أو المعرفة العلمية والمعرفة العامية، مثل هذه الثنائية المبنية على احتكار المعرفة واحتقار الجمهور هي مصدر للفقر والجهل والتخلف والاستبداد. مما يعني أنه لا أحد أولى من سواه بالحقيقة والقضية البشرية، والأفق الذي ينفتح الآن يخلق مجالا لتجاوز مجتمع النخبة والوصاية نحو مجتمع تداولي جديد، يتشكل بعقلية المفاوضة والمحاورة، أو المشاركة والمبادلة، بحيث يشترك الجميع في البناء والتنمية.

ويناقش المفكر العراقي غالب حسن الشابندر مقولة الفرقة الناجية في بحثه "على طريق التسامح" الذي يدعو فيه إلى تشكيل علم بديل لدراسة الفرق؛ لأن علم دراسة الفرق التقليدي في الأعم الأغلب يكاد يكون علما تكفيريا، ذلك أن الكثير من المؤلفين فيه يتمحور هدفهم على بيان الفرقة الناجية وتمييزها عن الفرق الهالكة. وتكمن أهمية مقاربة الشابندر لهذه المسألة في حشده لعدة منهاجية تدمج بين أدوات اللاهوت وعلوم الحديث الكلاسيكية، والأركيولوجيا والعلوم الإنسانية؛ بغية تفكيك ظاهرة التكفير لدى الجماعات الإسلامية اليوم، وإحالتها إلى منابعها التي تنهل منها والعناصر المولدة لها.

كما درس الدكتور نادر كاظم -وهو باحث جاد من البحرين- "تحالف المعرفة والهيمنة: لعنة السواد وأمثولة النيئ والمطبوخ والمحترق"، عبر توظيف جينالوجيا المعرفة، والعلاقة بين المعرفة والسلطة عند ميشيل فوكو، فكشف عن صورة "الأسود الزنجي" في المتخيل، وكيف أننا لم نكن متسامحين دائما مع الآخرين، وفكك تحالف المعرفة والهيمنة.

وتناول الدكتور أحميدة النيفر "الآخر والهوية والتراحم" من خلال قراءة في التجربة التاريخية للغرب الإسلامي، وأوضح بدراسة معمقة لكتاب "المعيار" للونشريسي نمط العلاقة بين المسلمين والنصارى واليهود في "الأندلس والمغرب" وما يسودها من تعايش وانفتاح وحراك وتحاور وتفاهم.

وكما في كل عدد خصصت مجلة "قضايا إسلامية معاصرة" زاوية لنقد أحد أعدادها السابقة بعنوان "نقد العدد الماضي". وقد راجع الكاتب العراقي -المقيم في أستراليا- "ماجد الغرباوي" مراجعة نقدية لملف "التعددية والاختلاف.. تجليات التعايش بين الأديان والثقافات" الذي استوعب العددين 20-21 في المجلة. وقد حاول الباحث أن يبلور رؤية تعزز مفهوم التعددية بمختلف أشكالها، وتفصح عن آليات التعايش بين الأديان والثقافات، عبر مناقشة ما طرحه كتاب ملف "التعددية والاختلاف" في قضايا إسلامية معاصرة.

بقي القول بأن الاهتمام بقضية التسامح تزايد في الفترة الأخيرة، وأن هناك فصلية متخصصة صدرت مؤخرا من سلطنة عمان باسم "التسامح".

 
أرسل لصديق أرسل لصديق

« 

ابحث

«

بحث متقدم