English

 

الأحد. مايو. 20, 2007

أخبار وتحليلات » تحليلات وآراء » أوروبا وأمريكا الشمالية وأستراليا » أوروبا

 
   
روابط من إسلام أون لاين  
أهم الأخبار  

روسيا ووسط آسيا.. بالطاقة تتغير الجيوبولوتيكا

محمد عبد المجيد

Image
بوتين ومحمدوف بعد توقيع اتفاقية الغاز بين روسيا وتركمانستان
تبدو دوائر التأثير الاقتصادية والتداعيات الجيوسياسية المترتبة على اتفاقية الغاز الطبيعي -التي توصل إليها قادة كازاخستان وتركمانستان وروسيا مؤخرا- أكبر من مجرد صفقة كبرى فازت بها موسكو؛ لأنها تشير لإحكام الأخيرة سيطرتها على غاز بحر قزوين، واستعادة ثقلها بآسيا الوسطى، والأهم ما تعنيه من إخفاق أوروبا في الانعتاق من قبضتها الممسكة بتلابيب إمدادات الغاز التي لا تأتيها إلا عبر المنافذ الروسية.

ومن ناحية أخرى تبدو هذه الدوائر أوسع من محيطها الإقليمي؛ إذ تتسع حتى تمس أطرافها منطقة الشرق الأوسط، وتؤثر في قضاياها واقتصادها والسياسات المتعلقة بها.

بنبرة المنتصر أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الذي اجتمع في مدينة تركمانباشي التركمانستانية مع رئيس تركمانستان جوربانجولي بردي محمدوف والرئيس الكازاخستاني نور سلطان نزرباييف قوله: "سنعيد بناء خط أنابيب نقل الغاز على ساحل قزوين؛ لتصبح طاقته أكثر من عشرة مليارات متر مكعب (سنويا)، وبناء خط أنابيب غاز موازٍ (له ولساحل البحر)، وسيتم توقيع اتفاق بهذا الشأن قبل يوليو المقبل".

إذًا فالاتفاق توصل إليه قادة ثلاث دول بينها روسيا ذات الثقل دوليا وإقليميا، وعسكريا وإستراتيجيا، كما أصدر الرؤساء الثلاثة بيانا مشتركا مع الرئيس الأوزبكي إسلام كريموف حول إعادة بناء أنابيب غاز أخرى قائمة، وزيادة قدراتها في آسيا الوسطى، ثم إن روسيا فازت بتلك الاتفاقية بعد سباق محموم مع الغرب لا سيما أوروبا التي كانت تسعى لبناء خط آخر فوق قاع البحر، كانت تؤمل فيه التخلص من ربقة القيد الروسي المسيطر على إمدادات الغاز لها.

الحقائق والأرقام هي التي تبرز الوضع الجديد الذي أشارت إليه تصريحات بوتين، وتكشف عن عمق آثار الاتفاقية في آن واحد، ويمكن إيجاز أهم هذه الحقائق في التالي:

• أن روسيا وحدها تزود أوروبا بنحو ربع احتياجاتها من الغاز، وتمر 80% من الصادرات عبر أوكرانيا، والبقية تصلها عن طريق بيلاروسيا.

• أن روسيا تملك أكبر احتياطي من الغاز في العالم، وتركمانستان هي صاحبة ثاني أكبر احتياطي في دول الاتحاد السوفيتي السابق، وأن عملاق النفط والغاز الروسي شركة "غاز بروم" أسست إبان الحقبة السوفيتية أنبوبا عملاقا يمر عبر أوكرانيا، تتحكم روسيا وحدها بنحو 80% من إمدادات الغاز لأوروبا المنقولة من خلاله.

• أن طاقة هذا الخط القديم السنوية لا تتعدى خمسة مليارات متر مكعب من الغاز، وهي نصف طاقته الأصلية.

• برغم أن تصريحات بوتين تقول: إن الخط الجديد سوف تصل طاقته لـ10 مليارات متر مكعب بحلول 2010، فإن تصريحات وزير الصناعة والطاقة الروسي فيكتور خريستينكو للصحفيين في تركمانباشي تشير إلى أن خط الأنابيب الجديد والخط المطور القائم سيشكلان أضخم نظام لنقل الغاز في آسيا الوسطى، ومن المتوقع أن ترتفع سعة هذا النظام إلى 30 مليار متر مكعب من الغاز.

• تدفع "غاز بروم" –أكبر منتج في العالم- لتركمانستان مائة دولار ثمن كل ألف متر مكعب من الغاز؛ لتبيعه بعد ذلك بـ250 دولارا لعملائها الأوروبيين، وإن روسيا تتحكم بالفعل من خلال الأنبوب القديم في نحو 86% من إنتاج تركمانستان.

• يتوقع أن تبني روسيا خط أنابيب للغاز يربط بين البلدين، ونسبت مصادر الأنباء إلى نائب وزير الصناعة والطاقة الروسي أن البلدين وقّعا على عقود طويلة الأجل للغاز حتى عام 2028.

• تلميح الرئيس التركماني محمدوف عقب الاجتماع بضعف إمكانية بناء أنبوب آخر تبلغ سعته 30 مليار متر مكعب في السنة في قاع بحر قزوين لنقل الغاز الطبيعي من آسيا الوسطى إلى أوروبا عبر أذربيجان وجورجيا وتركيا كما اقترحت ذلك الولايات المتحدة الأمريكية في عام 1996.

الطاقة سلاح سياسي لروسيا

لذلك سارع وزير الطاقة الأمريكي بالتعليق بأن "اتفاق الغاز (الذي) أبرمته روسيا مع تركمانستان وكازاخستان نهاية الأسبوع الماضي -ويتيح لموسكو السيطرة على الغاز في بحر قزوين- ليس جيدا لأوروبا!".

يتضح مما سبق أن الاتفاق بدد الآمال الأوروبية والأمريكية في الإفلات من إسار القبضة الروسية على إمدادات الغاز الوارد إليها من وسط آسيا، وهو أمر غير متوقع في ضوء المعطيات الحالية، ولا هو وارد في المدى المنظور ما لم تحدث تغييرات دراماتيكية في الأوضاع، فقد قطعت تلك الاتفاقية على أمريكا وأوروبا طريق الفوز ببناء خط يمر تحت بحر قزوين بعيدا عن روسيا.

تلميح الرئيس التركماني جوربانجولي بردي محمدوف إلى أن الفرص أصبحت ضئيلة للمضي قدما بخطط لإنشاء خط أنابيب منافس مدعوم أمريكيا ويجتاز بحر قزوين ولا يمر عبر أراضي روسيا يعني أن أوروبا سوف تظل هي ومصانعها وسكان أراضيها ذات الطقس البارد رهن دور روسيا المهيمن كوسيط إقليمي للغاز الطبيعي، وأكبر مصدّر إلى أوروبا.
صحيح أن الرئيس التركماني محمدوف ترك الباب مواربا عندما ألمح أن خطط الخط اليوروأمريكي "لم يتم إسقاطها تماما من حسابات بلاده"، إلا أن كافة المؤشرات تشير إلى أن قادة دول آسيا الوسطى لا سيما الذين تربوا في كنف الاتحاد السوفيتي السابق أدركوا أن حياتهم سوف تكون أيسر إذا ما ظل الكرملين راضيا عنهم، وقد اتضح لهم خلال الأشهر الماضية إلى أي مدى قد تصل عواقب الأمور عندما أثارت كل من أستونيا وجورجيا وأوكرانيا غضب الكرملين، مما تقدم فالأقرب أنه ليس من المنتظر أن يقبل محمدوف العرض اليوروأمريكي؛ خاصة أن سلفه ظل على رفضه منذ عام 1996.

فخلال العقدين الأخيرين عمل صابر مراد نيازوف -الذي كان يرأس البلاد- على منع أي طرف غير روسيا من الاستثمار في مجال النفط في تركمانستان، إلا أن وفاة نيازوف العام الماضي فتحت نافذة في إمكانية دخول مستثمرين جدد، وكان الأمل بأن يقبل الرئيس الجديد جوربانجولي بيردي محمدوف بمشروع الأنابيب الذي يطرحه الاتحاد الأوروبي بهدف التخفيف من تبعية أوروبا لروسيا في مجال الطاقة.

كذلك سوف يغذي هذا الاتفاق المخاوف الغربية عامة والأوروبية خاصة من إمكانية استخدام موسكو للطاقة بشكل متكرر كسلاح سياسي يمكن إشهاره في وجهها في القضايا الإستراتيجية، لا سيما فيما يتعلق بالدول الأوروبية التي كانت تدور في فلك الاتحاد السوفيتي القديم، والتحقت بالاتحاد الأوروبي أو تسعى لذلك، وكذلك قضايا البلقان وغيرها من القضايا، وقد حدث هذا بالفعل في العام الماضي عندما قطعت روسيا إمدادات الغاز لأوروبا المتدفقة إليها عبر أوكرانيا عندما نشأ نزاع بين البلدين حول الأسعار، كما اعترت فترة توقف غير كبيرة إمدادات النفط التي تتدفق إلى أوروبا عبر بيلاروسيا في مطلع العام الحالي.

روسيا الرابح الأكبر

من كل الوجوه روسيا هي الرابح الأكبر من ذلك الاتفاق، وعلى كل المستويات داخليا وخارجيا، واقتصاديا وسياسيا، وإقليميا ودوليا هي مستفيدة.. لذلك فإن بوتين لم يكتف بالانتشاء ونبرة الانتصار، وإنما أردف مصرحا بعد الاجتماع بنظرائه أن "هذا الاتفاق يمثل انتصارا لروسيا التي تشتري الغاز من تركمانستان بسعر أقل مما هو مطروح في الأسواق".

ولفت نائب وزير الصناعة والطاقة الروسي إلى استعداد روسيا وكازاخستان وتركمانستان لبحث إنشاء كونسورتيوم لنقل الغاز، وستشتري روسيا حسب قوله 50 مليار متر مكعب من الغاز في تركمانستان خلال عام 2007، وتعتزم شراء نفس الكمية في عام 2008.

ربما كان الربح والعائد الاقتصادي هو البادي من ذلك التصريح، فروسيا تشتري الغاز لتبيعه، والخط القديم طاقته السنوية خمسة مليارات متر مكعب من الغاز، وبعد التعديلات الجديدة سوف تتضاعف الطاقة، وهو ما يعني بعد -مضاعفة الإنتاج- تعظيم العوائد المالية التي تجنيها روسيا لما تحققه من هامش ربح نتيجة فارق السعر، فهي تشتري بسعر أقل وتبيع بسعر السوق.

كذلك لا يكرس الاتفاق الوضع الحالي ويرسخه فحسب؛ باعتبار روسيا وسيطا إقليميا مهيمنا فيما يتعلق بالغاز، وإنما يضمن لها امتداد السيطرة لمدى بعيد وإحكام سيطرتها أكثر، وهي تستأثر وحدها بمعظم إمدادات أوروبا التي تضخها "غاز بروم" -أكبر منتج للغاز في العالم- عبر أوكرانيا، وهو ما يجعل القارة معرضة بشدة لمخاطر نشوب خلافات بين البلدين.

كذلك ينظر المحللون للاتفاق باعتباره صفعة كبيرة لواشنطن وبكين وبروكسل التي كانت تتسابق على الاستفادة من الغاز التركمانستاني، فضلا عن إمكانية النظر إليه بحسبانه انتكاسة لجهود كل من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والصين بعد فشل محاولاتهم لاستعمال نفوذهم من أجل نقل الغاز من تركمانستان إلى تركيا وأذربيجان عبر بحر قزوين بدون المرور بروسيا التي استطاعت قطع الطريق عليهم بوصولها لذلك الاتفاق؛ لهذا طيرت وكالات الأنباء الخبر بحسبانه انتصارا باهرا لروسيا.

ويمثل انصياع قادة دول وسط آسيا لرغبة الكرملين مؤشرا هاما على استعادة روسيا لتأثيرها وثقلها البالغ في المنطقة، ذلك أن بوتين الذي تسلم تركة ثقيلة من سلفه الرئيس بوريس يلتسين -كان ورثها هو عن الاتحاد السوفيتي- استطاع خلال عهده الذي امتد لولايتين بحنكة ودراية أن يرتب البيت الداخلي في روسيا على نحو جيد، أو على الأقل مقبول، فقد استطاع توفيق أوضاع بلاده الاقتصادية واستطاع سداد ديونها التي كانت تكبل إرادتها السياسية على نحو كبير، ولعل هذا هو الذي غير لهجته في الآونة الأخيرة، وكان وراء ظهوره بمظهر المتحدي لرغبات وسياسات أمريكا والغرب، وتجلى هذا بدرجة كبيرة في خطابه الصاعق بميونخ.

ولذلك فإن استعادة التأثير والنفوذ الروسي بات واضحا من قرارات قادة وسط آسيا وتصريحاتهم ومواقفهم الموالية لروسيا والمؤيدة لها، فمن جانبه رفض أيضا الرئيس الكازاخستاني نور سلطان نزارباييف فكرة التنافس بأنابيب الغاز. وقال: "إذا تحدثنا عن مشاريع الالتفاف على الشرق أو الغرب أجيب بأننا نحن وتركمانستان لدينا مقاربة برجماتية".

إذا ترك بوتين الكرملين فإنه يبدو ناجحا إلى حد كبير في تعبيد الطريق لساكن الكرملين المقبل -إن هو أصر على موقفه بعدم الترشح لولاية جديدة- بحيث يتسلم منه دولة ناهضة حرة الإرادة وغير مكبلة بالديون، ولا ترزح تحت نير مشاكل الاتحاد السوفيتي التي ورثتها عنه، وهي دولة غير الدولة التي تسلمها هو.

دوائر التأثير تبلغ الشرق الأوسط

كانت أوروبا تطمح -إذا ما تمت الموافقة على مشروعها بنقل غاز وسط آسيا تحت بحر قزوين دون المرور على روسيا- إلى أن تؤمّن لنفسها مسألة تنويع مصادر الطاقة، ومن ثم التخلص من الشرق الأوسط -بهمومه ومشاكله المعقدة- ولو جزئيا باعتباره مصدرا للطاقة، فغاز وسط آسيا كان يمكنها من اعتماد سياسات مغايرة لسياساتها الحالية في منطقة الشرق الأوسط، واتخاذ مواقف لا يشكل الوقود الأحفوري فيها ورقة ضغط عليها، لكن بفشل مساعيها بات عليها المضي قدما فيما تبدو أنها غير راضية عنه من سياسات ومواقف.

كذلك فإن كل الطامحين إلى سكنى البيت الأبيض من المرشحين ما برحوا يرددون أنهم يريدون التخلص من الاعتماد على نفط الشرق الأوسط وغازه، في محاولة لدغدغة مشاعر الناخبين الذين ينظرون إلى نفط العرب نظرة سلبية، وأيضا قاطنو البيت الأبيض الفعليون كانوا يضربون على نفس الوتر لما له من وقع طيب ومؤثر لكسب التأييد وزيادة الشعبية.

كان هذا الأمل على رأس أجندة المرشح الديمقراطي جون كيري في الانتخابات الرئاسية عام 2004، وصار "كلاشيه" يردده معظم المرشحين الذين يريدون دخول سباق الرئاسة الأمريكية في انتخابات 2008، حتى الرئيس بوش منذ عدة أشهر يردد نفس العبارات تقريبا في محاولة منه لتدارك شعبيته المتدهورة، وتعبيد الطريق لأي جمهوري قد يسكن البيت الأبيض.

وبالعودة للاتفاق فإن كثيرا من المراقبين اعتبروه ردة على طريق التخلص من نفط الشرق الأوسط وغازه الطبيعي؛ حيث إن القمة الثلاثية التي أسفرت عن الاتفاق تندرج في إطار جولة يقوم بها بوتين إلى آسيا الوسطى تستغرق أسبوعا، وتهدف إلى الحد من النفوذ الأمريكي والأوروبي في المنطقة، وبالمقابل واكبتها قمة للطاقة في بولندا؛ حيث ناقش رؤساء بولندا وأوكرانيا وليتوانيا وجورجيا وأذربيجان الوسائل الجديدة لتصدير الطاقة بالالتفاف على روسيا.. فهل تشهد الأيام القادمة اتفاقيات أخرى ظاهرها التعاون الاقتصادي وعقد الصفقات، وباطنها توسيع دوائر النفوذ والهيمنة، ومحاولات استعادة المجد البائد، وخلق نوع من الاتزان الذي فقده العالم منذ سيطرة القطب الأوحد؟!.


  باحث معني بالشئون الإستراتيجية والعسكرية.

 

أرسل لصديق أرسل لصديق

 

 

«

ابحث

«

بحث متقدم

أخبار وتحليلات
  ساحات الحوار
أخبار وتحليلات
خدمات