|
| الشيخ عبد الله جاب الله |
أكدت نتائج الانتخابات التشريعية الجزائرية التي جرت في 17 مايو الجاري 2007 مجددا هيمنة أحزاب "الائتلاف الحاكم" على المشهد السياسي، وأعطته نفسا إضافيا سيدوم إلى الانتخابات المقبلة بعد خمس سنوات، وفي المقابل أفرزت تراجعا كبيرا للتيار الإسلامي في المجمل، خاصة على صعيد قوى المعارضة.
إن أهم الدروس المستخلصة من انتخابات البرلمان النظر إلى أسباب اختفاء المعارضة الإسلامية بشكل شبه كامل من التمثيل البرلماني، فقد تقهقرت القوة السياسية الإسلامية الأولى في البرلمان السابق (حزب الإصلاح) من 43 مقعدا إلى ثلاثة مقاعد فقط؛ لأسباب عديدة يعتقد البعض أن أبرزها فقدان الثقة في الوعاء الانتخابي الإسلامي فيما يرى آخرون أن النافذين في سرايا الحكم نجحوا في ترويض قطاع من الإسلاميين يتمتعون بحد أدنى من المصداقية والنزاهة.
في أسباب تراجع الإسلاميين
ويذهب عدد من المراقبين إلى أن الخلط بين الدين الإسلامي وظاهرة الإرهاب -التي عانى منها الجزائريون أكثر من غيرهم- تسبب في ابتعاد قسم من أنصار التيار الإسلامي من القادة الذين يدعون الدفاع عن المشروع الإسلامي.
ويسجل الملاحظون بمناسبة الانتخابات الأخيرة قطيعة شبه كاملة مع الخطاب الإسلامي المناهض للسلطة داخل البرلمان، فعلى مدى خمس سنوات (2002-2007) لعبت "حركة الإصلاح الوطني" بقيادة الشيخ عبد الله جاب الله هذا الدور، ونجحت إلى حد ما في فرض نفسها كقوة سياسية لها امتداداتها في المجتمع، وأعطى أداء نوابها في البرلمان ونشاطها في الميدان مؤشرات تفيد بأنها مقبلة على اكتساح الساحة السياسية في وقت قياسي، بالنظر للخطاب المعارض المنسجم مع مواقف وأفكار وتطلعات أنصار التيار الإسلامي المتجذر في أوساط الشعب الجزائري.
وأجمع المحللون بعد الفوز العريض (43 مقعدا) لـ"الإصلاح" في انتخابات 2002: إن الإسلاميين يمكنهم الوصول إلى السلطة في انتخابات الرئاسة عام 2004 لو احترمت السلطة النافذة قواعد اللعبة الديمقراطية.
لكن قوة "حركة الإصلاح" تراجعت بشكل كبير منذ اندلاع أزمة داخلية، طرفاها كوادر بارزة، ورئيسها عبد الله جاب الله، ويشتمّ البعض في القلاقل التي عصفت بالحزب رائحة مناورة السلطة لكسر شوكة حزب أضحى مصدر قلق للفاعلين في النظام ممن يخشون تكرار سيناريو انتخابات 1991، عندما كانت "الجبهة الإسلامية للإنقاذ" بخطابها الراديكالي على عتبة فوز ساحق، وتدخل جنرالات المؤسسة العسكرية حينها لإيقاف زحفها بإلغاء نتائج الدور الأول من الانتخابات، وأجبروا الرئيس الشاذلي بن جديد على الاستقالة، مع ما حمله ذلك من آثار سلبية على الديمقراطية الناشئة، وفتح أبواب جهنم على البلاد كلها، وتسبب بشكل أو بآخر في اندلاع عنف مدمر ما زالت الجزائر تعاني منه إلى اليوم.
وقد أصيب الإسلاميون المعارضون بضعف كبير بعد حل "جبهة الإنقاذ" منتصف 1992 بتهمة العنف، وبعد أن تحول العمل السياسي السلمي إلى معارضة مسلحة. واختفوا مع مرور السنين إثر سجن أبرز القادة الإسلاميين على غرار مسئولي "الإنقاذ"، واضطر آخرون إلى طلب اللجوء السياسي في بلدان غربية، وفضل قطاع آخر التزام بيته، والاكتفاء بموقع الملاحظ للساحة السياسية التي شهدت عودة قوية لتيار علماني رفع لواء "محاربة الأصولية والإرهاب". وفي تلك الفترة كان الشيخ الراحل محفوظ نحناح يتقدم بخطى ثابتة باعتماد خطاب معتدل رفع شعار: "المرحلية والتدرج في الوصول إلى الحكم"، فكان ذلك كافيا لإقناع السلطة بوجود تيار إسلامي بديل لجبهة الإنقاذ، جسده حزب ترأسه نحناح اسمه "حركة المجتمع الإسلامي". واستقطبت الحركة إليها إسلاميين يرون أن الإفراط في معارضة السلطة يضر بتيارهم، ويجلب إليهم التوجس والخوف، وأن الأفضل لهم مهادنتها بالتحالف معها ولو مرحليا، بل والمشاركة في الحكومة، وهكذا سمحت هذه الإستراتيجية الجديدة فيما يعرف بـ"تيار الإسلام السياسي" في الجزائر بدخول إسلاميي "حركة المجتمع الإسلامي" الحكومة لأول مرة، كان ذلك بمناسبة تشكيل أول طاقم تنفيذي تعددي عام 1997 بقيادة أحمد أويحيى أبرز السياسيين المعادين للإسلاميين.
لكن حركة نحناح ظلت في أعين أنصار التيار الإسلامي المعارض حزبا إسلاميا مزيفا أقرب إلى أطروحات العلمانيين، وأبعد ما يكون عن مشروع إقامة الدولة الإسلامية، واتهمت من طرف قيادات ومناضلي "الإنقاذ" بأنها "باعت القضية في المزاد العلني"، وأن ما يهم نحناح (المتوفى في 2003 بسبب إصابته بالسرطان) هو السعي من أجل اقتسام السلطة لا غير، وتقول الحركة: إنها دفعت ثمن مشاركتها في الحكم غاليا، على أساس أنها فقدت 500 شخص -تعتبرهم شهداء- على أيدي الجماعات الإسلامية المسلحة، أبرزهم الشيخ محمد بوسليماني، وكانت الحركة ممثلة بحقائب وزارية في كل الحكومات المتعاقبة، في إطار "الائتلاف الحاكم"، وتطورت "الصفقة" التي عقدتها مع السلطة إلى تزكية مرشح قادة الجيش لانتخابات الرئاسة عبد العزيز بوتفليقة في انتخابات 1999 و2004.
وشهد حزب نحناح دخوله إلى البرلمان لأول مرة (1997) حيث فاز بـ69 مقعدا، وحل ثالثا بعد الحزب العلماني الحديث النشأة "التجمع الوطني الديمقراطي"، والحزب المحافظ "جبهة التحرير الوطني". بينما حققت "حركة النهضة الإسلامية" بقيادة جاب الله آنذاك نتيجة مُرضية (34 مقعدا)، وجلبت إليها تعاطف الآلاف من أنصار تيار "الإنقاذ" الذي احتفظ بوعائه الانتخابي يترقب بروز حزب بقائد كبير يعارض السلطة ولا يهادنها، لكن مغريات الحكم أسالت لعاب كوادر من "النهضة"، فدبروا انقلابا على جاب الله الذي أسس فيما بعد "حركة الإصلاح الوطني"، ودخلوا الحكومة، وكانت نتيجة ذلك هزيمة نكراء في انتخابات 1997، حيث لم تحصد "النهضة" إلا مقعدا واحدا، واختفت من الخارطة السياسية، واكتفى رجالاتها بفتات المناصب الحكومية.
من الإسلاميين إلى اليساريين
ومن مفارقات نتائج الانتخابات الأخيرة أن القوة السياسية الإسلامية الأولى "تنازلت" عن دور المعارضة لمصلحة حزب يساري يقول عن نفسه: إنه متأثر بأفكار مُنظِّر العقيدة الشيوعية لشهير ليون تروتسكي، هو حزب العمال الذي تقوده لويزة حنون أول امرأة عربية تترشح لانتخابات الرئاسة (2004)؛ حيث فاز الحزب بـ26 مقعدا، ما يؤهله ليكون أول قوة معارضة في البرلمان، يليه "التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية" المتجذر في منطقة القبائل بـ19 مقعدا.
ومع أن "حركة المجتمع الإسلامي" -التي أجبرت على تغيير اسمها بحذف كلمة الإسلام، فتحولت إلى "حركة مجتمع السلم"- رفعت نصيبها من المقاعد من 38 إلى 52، لكنها بأعين قسم يعتد به من الرأي العام حزب لا يمثل حقيقة التيار الإسلامي بقدر ما هو طرف في السلطة ومسئول كباقي الأحزاب الحاكمة عن نفور الجزائريين من الاقتراع الأخير بحكم مشاركته في تسيير البلاد منذ 1997.
ويقول قيادي في "مجتمع السلم" رفض نشر اسمه: إن "ثقافة التشكيك في كل العمليات الانتخابية التي تنظمها السلطة أدت إلى تشكل قناعة لدى الناخبين مفادها أن أي نتائج تفرزها الانتخابات هي وليدة تزوير يخدم مشاريع السلطة". وفسر تراجع الإسلاميين في البرلمان بقوله: "إن تعاطي النافذين في الحكم مع الإسلاميين يرتكز على التحجيم والإضعاف، وتسليط الضوء على الصراعات داخل الأحزاب الإسلامية، ما ترك انطباعا لدى مناضليها بأن رجالها يتهافتون على المناصب، وأن همهم الوحيد هو التهافت على إرضاء السلطة، وليس خدمة المشروع الإسلامي".
وقد أثبتت التجربة السياسية برغم قصر عمرها -وباتفاق أغلب الملاحظين- أن أي حزب إسلامي يقترب من السلطة تكون أول ضريبة يدفعها هي فقدان ثقة مناضليه أولا قبل أنصار التيار الإسلامي، وفي المقابل تزداد مصداقيته لديهم، وحتى عند خصومه، كلما ذهب بعيدا في معارضة منظومة الحكم القائمة.
وفي ظل حالة الضعف -من حيث التمثيل في البرلمان- يرتقب أن يكون صوت الأحزاب الإسلامية خافتا خلال الولاية النيابية الجديدة، ومن المستبعد أن يتاح لهم هامش حرية يسمح باقتراح مشاريع قوانين أو رفض أخرى تأتي من الحكومة، بل مستبعد أن يجمعهم اتفاق على هدف واحد قياسا إلى الخلافات العميقة التي تفرقهم من حيث التوجه السياسي، والمقاربة حيال التعامل مع السلطة، وحتى لو فرضنا أن الإسلاميين على ضعفهم اتفقوا على تشكيل قوة واحدة في البرلمان، فإن حجمهم لن يسمح لهم بفرض أي شيء على قوى التيار الوطني المحافظ، والتيار العلماني الذي يحتمل أن يعقد تحالفا مع قوى اليسار ليصبح قوة كبيرة في مواجهة أحزاب "التحالف الرئاسي" التي تحتفظ بغالبية المقاعد.
لكن برغم هذه الهشاشة فإن المراقبين يستبعدون أن يستغني الرئيس عبد العزيز بوتفليقة عن حلفائه الإسلاميين ممن يقدّر أنهم سيجلبون له المنفعة لو قرر الترشح لولاية رئاسية ثالثة في2009، ولا يمكن الحديث عن مفاجأة حينما يبادر بوتفليقة بمنح مناصب حكومية لخصوم جاب الله في "الإصلاح" على سبيل المكافأة لإبعاد منافس مشاكس، كما فعل مع كوادر "حركة النهضة" بعد أن أقصى منها جاب الله في 1999، عندئذ سيقضي ما تبقى من التيار الإسلامي على ما بقي له من مصداقية.
صحفي وباحث جزائري.
|