English

 

الأحد. يوليو. 30, 2006

ثقافة وفن » ميديا

 
   
روابط من إسلام أون لاين

الصور.. وآليات التبليد في الأزمات *

المشاهد المباشرة نقلت المعارك وآثارها إلى داخل البيوت

جثث مقطوعة الرؤوس، أطفال وأشلاء مبعثرة، أجساد نكاد نشم الدخان المتصاعد من لحمها المحترق، هياكل وجماجم وأطفال ونساء بلا أذرع ولا سيقان، مبان مدمرة وصرخات لا تجد صدى لها.

ما الذي حدث؟ كيف قمنا بالاستهلال لكل هذه الصور المفزعة ثم جرؤنا على النوم في هذه الليالي التعسة؟ هل نجحت عملية التبليد المنظم التي تقوم بها بعض الأنظمة الفاسدة لشعوبها؟.

إيجابي وسلبي

يذكر "ريجيس دبرين" في كتابه "حياة الصورة وموتها" أن التليفزيون قد فتح قلوبنا وعقولنا على المعاناة والقمع اللذين لم يكونا قابلين للرؤية هكذا من قبل، وأنه بهذا قد خلق نوعا من الرأي العام العالمي الذي له تأثيره الخاص عبر العالم، وأن هذا الرأي قد يتحول إلى تعاطف، والتعاطف قد ينقلب إلى اهتمام نشيط فعال.

لكن الذي لم يذكره "دبرين" هو أن هذا التليفزيون له أيضا وبفعل الصور المتلاحقة والمتكررة التي لا يكف عن البث لها تأثيرات أخرى سلبية عدة؛ فالاهتمام الذي قد يتحول مرة إلى تعاطف ثم إلى فعل وحركة قد ينقلب أيضا إلى لامبالاة وضيق وعزوف.

ولعل أبرز التفسيرات المطروحة هنا ما يلي:

في دراسات الصورة ودراسات التفضيل الجمالي للأعمال الفنية أيضا، يتحدث الباحثون عن عامل يسمى "التعرض والتعود" EXPOSURE AND HABITUATION حيث تؤدي المشاهدة لبعض الصور أو السماع لبعض الأغاني إلى زيادة الألفة بها، وتؤدي الألفة إلى الاعتياد، ويؤدي الاعتياد إلى التصور خاصة عندما يتزايد تكرار ظهور هذه الصور أو الأغاني أمام حواسنا.

نحيا بموت الآخرين

يهرب المشاهد من صور الضحايا إلى متابعة الغناء والأفلام والمسلسلات

هناك عامل سيكولوجي آخر يرتبط بالعامل السابق يسمى "الخبرة البديلة" VICARIOUS) EXPLNIEVCE) حيث يقول بعض الباحثين إن تلك اللامبالاة التي قد يشعر بها بعضنا إزاء ما يشاهدونه من أحداث مؤلمة ودمار وموت إنما يرتبط بعامل البقاء على قيد الحياة، فنحن نحيا -كما يقال- من خلال موت الآخرين، أي موتهم نيابة عنا، لقد مروا بخبرة الموت بينما ما زلنا نحن نحيا ونمرح ولا بأس من بعض التحسر والأسى ومصممة الشفاه إرضاء لضمائرنا الميتة.

هكذا يتحول الرعب الذي نشاهده على وجوه الآخرين مرتبطا بالموت والدمار يتحول لدى بعضنا إلى نوع من الرضا السري الضمني الداخلي الخبيث، وذلك لأن شخصا آخر قد مات على مبعدة منا، ونحن قد شاهدنا داخل الإطار الخاص بالتليفزيون على الشاشة وعلى مبعدة منا، وقد حدث لغيرنا، بينما ما زلنا نحيا، نحتسي الشاي أو القهوة وقد ندخن سيجارة أو حتى نتناول الطعام، إنها مجرد صور، صور متكررة تأتي كل ساعة وكل يوم، لقد حدثت هناك في مكان بعيد، وجاءت إلينا من خلال هذه الأداة نفسها التي تأتي معها الأغاني شبه الإباحية والأفلام والمسلسلات التافهة التي نظل نضحك منها أو عليها رغم مشاهدتنا لها آلاف المرات، لقد اعتدنا هكذا حياة متكررة لا جدوى فيها ولا معنى، وقد تجيء صور الدمار والموت مسبوقة بهذه الأغاني والأفلام وإعلانات الصابون والسمن ورنات التليفونات المحمولة وغيرها من أشكال الهراء.

منظومتان

كيف ننام وبيروت ينهكها القتل والدمار؟

هكذا تصبح صور الموت موجودة كجزء من منظومة الأغاني والأفلام والمسلسلات والإعلانات، وقد نتعجل انتهاء نشرات الأخبار حتى نواصل القصة العاطفية التافهة التي كنا نشاهدها أو بقية "الأيفيهات" التافهة الرديئة لبعض أبطال الكوميديا.

هكذا تكون خبرة الحرب والدمار مثل الخبرة الخاصة بالأفلام والمسلسلات، خبرة بديلة تحدث لغيرنا وعلى مبعدة منا ونحن نراها ونعرف أنها تحدث وأنها حقيقية ولكننا نهرب من هذه المعرفة.

إنها صور تحدث وتعرض بشكل مستمر ومن خلال التعرض المستمر لها قد يحدث الاعتياد عليها، في البداية قد تثير الألم والتعاطف، ولكنها تدريجيا ومن خلال عامل التعرض والتعود، تصبح عادية بل وقد يتم الهروب منها.

الوعي اليقظ

إن حواسنا قد انخفض وهجها، وحب استطلاعنا قد انطفأت نيرانه. وهذا من الأسرار الغريبة لعصر الصورة ولا شيء يعصمنا من هذه الوحدة سوى الوعي اليقظ وإرادة المقاومة.

الهروب من المعرفة: ويقال هنا إن المشاهدين لهذه الصور يهربون هكذا، من خلال هذه اللامبالاة من التأثيرات على الرؤية والمعرفة والانشغال الفعلي بمثل هذه الأحداث المؤلمة، إنهم هكذا يوقفون آليات الاندماج الفعلي مع الواقع الذي تمثله، ومن ثم يقفون على مسافة منه ويتأملونه وقد يكتفون بكلمات قليلة يعبرون من خلالها عن تعاطفهم أو حزنهم أو ثورتهم اللفظية ثم يحولون المؤشر إلى محطة أخرى.

إن ما يحدث هنا ليس الرغبة في المعرفة، بل الرغبة في تجنب المعرفة والهروب منها، رغبة في الابتعاد عن كل ما لا نريد أن نسمعه أو نراه أو ما نريد أن نسمعه ونراه لكنه يهز صورتنا الخاصة عن أنفسنا وعن وجودنا ودورنا الخاص الوطني والإنساني.

اليأس المكتسب

في هذه الحياة لقد حدثت لنا، بفضل آليات القمع والترهيب عملية يسميها العلماء بالعجز المكتسب أو اليأس المكتسب: LEARNED HELPLEMMEY. يرتبط هذا المصطلح باسم عالم النفس الأمريكي "مارتن سليجمان" الذي قام بسلسلة من التجارب على الكلاب أولا ثم على البشر.

ويشير هذا المصطلح إلى تلك الحالة المكتسبة أو المتعلمة التي تحدث نتيجة تكرار التعرض لمواقف مزعجة ومنفرة ومؤلمة وغير سارة، "كانت في حالة الكلاب عبارة عن شبكة معدنية بعض مواضع أرضيتها آمن وبعضها الآخر قادر على أن يصيب القلب بصدمة كهربائية قوية عندما يقترب منه ولا تكون هناك فرص كثيرة للهروب من هذه المواقف، وقد أظهرت هذه التجارب أن الصدمات الكهربائية المتكررة الموجهة إلى الكلاب قد أدت إلى ظهور نوع من اليأس والسلبية الشديدين، وأنه حتى عندما أتيحت لها فرصة الهرب والحرية من خلال إبطال مفعول الكهرباء لم تفعل ذلك إلا بالتدريج من خلال التشجيع ورؤيتها كلابا أخرى تعبر تلك المواضع المكهربة في أمان بتعميم هذه التجارب.

وجد "سليحمان" أن هذه الآليات تصدق أيضا على الإنسان، لكن بدلا من الكهرباء تستخدم الحكومات القمعية آليات الحرمان من العمل أو التعليم أو التعبير عن الرأي والملاحقة وجميع "أشكال الترهيب".

لكن الإنسان أيضا قادر على الابتكار والمقاومة لحالات اليأس هذه، إنه يواجه بالأمل ويواجه بالتفاؤل ويواجه بالتحرر من الخوف بالوجود معا، ويواجه بالمشاهدة لصور أخرى بديلة ومنها تلك الصور العظيمة التي نشاهدها للمقاومة في لبنان وفلسطين رغم كل هذا الموت وهذا الدمار وكل هذا التبليد المنظم الذي تقوم به جهات عديدة من الداخل ومن الخارج.

شارك في ساحة الحوار:


*المقال نقلا عن جريدة أخبار الأدب، بتاريخ 30 يوليو 2006.

 
أرسل لصديق أرسل لصديق

« 

ابحث

«

بحث متقدم