|
| أحد مواقع تفجيرات الدار البيضاء في 2003 |
مادام الزمن جزءا من الحل، فقد تكون مدة أربع سنوات كافية للتعامل مع أحداث 16 مايو 2003 بالمغرب من منظور جديد، فلا يمكن بحال من الأحوال تبرير تلك الأعمال الشنيعة مهما طال الزمن، لكن وقفة طويلة مع أسبابها المباشرة وغير المباشرة، وما تلاها من تجاوزات أمنية وقضائية أقرت بها أعلى سلطة في البلاد، أصبحت تفرض نفسها على المجتمع بجميع تياراته والسلطة بكل مؤسساتها.
وهنا يجب التعامل إيجابيا مع بعض رموز التيار السلفي الذين بادروا من جانبهم بإعلان الرغبة الذاتية في مراجعة أفكارهم، واستعدادهم للحوار حول قناعاتهم مع العلماء والدولة من أجل أولا فهم ما جرى، وثانيا تحديد الأخطاء والمسؤوليات والتراجع عنها. وأقصد هنا مبادرة عبد الوهاب رفيقي المشهور بأبي حفص، الذي يقضي عقوبة السجن لمدة 30 سنة، نظرا لما اعتبر تحريضا منه على الإرهاب.
اعتراف بالخطأ .. ماذا بعده ؟
ذهب أبو حفص في آخر بيان له إلى أنه يقر أن "تجربته الدعوية المتواضعة شابتها جملة من الأخطاء؛ لأنها عمل بشري مجرد عن العصمة، خاصة مع ما رافقها من حماسة الشباب وقوة العاطفة وفوران الغيرة، مما أوقعها في مسالك ضيقة وأخطاء قاتلة"، ولعل هذا الإقرار فرصة لوضع أرضية جيدة للنقاش العلمي والسياسي الحقيقي مع هذه التيارات.
ورغم أن أبا حفص لا يمثل جميع السلفيين، لكن صمت باقي الرموز (وأتفادى هنا عبارة "المشايخ" التي يفضلها هؤلاء لأن فيها شيء من التزكية) خاصة محمد الفيزازي، حسن الكتاني، وعمر الحدوشي، يمكن مبدئيا اعتباره من السكوت الذي هو علامة عن الرضا.
لكن على أي أساس سيكون الحوار؟ وما الغاية منه؟ هل الدخول في نقاشات بيزنطية عقيمة حول هذه المسألة أو تلك سيكون الحوار المقصود؟ وماذا سيراجع هؤلاء في أفكارهم؟ هل المطلوب هو أن يستعدوا لغسيل دماغ يصبحون بعده طيعين هينين بين يدي السلطة وباقي التيارات الفكرية والسياسية؟.
أعتقد أن فكرة الحوار إذا سعت إلى هذه الأهداف فستكون فاشلة ومؤقتة، سرعان ما تبدو للعيان أنها عقيمة.
في تقديري أن المطلب المعقول من الحوار والمراجعة هو التخلي عن العنف كأداة وهدف، وإدانة الإرهاب الذي يستهدف الوطن على الخصوص، أو يضرب المدنيين في كل مكان على الأرض. أما ما عدا ذلك فتبقى أفكارا ومعتقدات لهم كما لغيرهم الحق في تبنيها والدفاع عنها، ما دام أنهم لا يفرضونها على الناس بالإكراه، الذي يعتبر منافيا للدين في الأصل، إذ لا إكراه في الدين.
ويبقى النقاش حول صحة هذه الأفكار أو سقمها أمرا مفتوحا على التاريخ، فأكثر الأفكار السلفية في المغرب وغيره مرتبطة بالتاريخ الإسلامي العميق، وتحتاج إلى نقاش أعمق من أجل إعادة النظر فيها، خاصة علاقة النص بالواقع، ومن له حق التأويل، وهل الإسلام ثابت كله، أم أن به ثوابت ومتغيرات، وهل الفقه التقليدي قادر على مواكبة قضايا العصر، وهل الأنظمة السياسية والاقتصادية الحالية كلها منافية للشرع، وإذا كانت كذلك فهل هي منافية في الشكل أم في المضمون؟ وما هي حدود الحرية الفردية؟ وهل نظم الإسلام الحريات السياسية، والمشاركة الشعبية في القرار السياسي؟ وأي علاقة بين الشورى والديمقراطية؟ ومئات من القضايا الأصلية والفرعية التي هي عالقة أمام جميع المسلمين وليس السلفيين فقط.
البحث عن أرضية مشتركة
وبذلك يكون مطلب التخلي عن العنف، وإدانة من يسلكه، وشجب الإرهاب الذي يستهدف المدنيين في المغرب وخارجه أرضية معقولة وممكن التوافق حولها، قد تؤدي إلى خلق حالة إجماع بين المغاربة الذين يعيشون تحت سقف مجتمع واحد، يشتركون في التاريخ والحاضر والمصير، قد تتباين أفكارهم وتتعارض مصالحهم التفصيلية، لكنهم جميعا مستفيدون من الاستقرار السياسي والاجتماعي، وعلى كل مغربي كان سلفيا أو غير ذلك أن يحرص على هذا الاستقرار لا أن يقوضه أو يهدد بزعزعته، دون أن يعني ذلك الذوبان أو التخلي عن الأفكار التي تدخل إلى العقل وتخرج منه بالاقتناع وليس بأي أداة أخرى.
والمغرب لن يكون السابق إلى هذا الحوار، فقد سبقه إلى ذلك كل من مصر والسعودية، وجنيا معا ثمارا طيبة، رغم أن المغرب يتوفر على شروط سياسية واجتماعية أحسن حالا من المثلين معا، فماذا فعلت مصر والعربية السعودية؟
التجربة المصرية
قبل أيام أعلن التيار الجهادي في مصر أنه يعد مراجعات لمقولاته الفكرية والحركية سيعلن تفصيلاتها قريبا، يقودها رمز هذا التيار في مصر، سيد إمام عبد العزيز الشريف، وهو كان أميرا لتنظيم الجهاد المصري في التسعينيات قبل أن يعلن الانضمام لتنظيم القاعدة في فبراير 1998م، مؤسسا لما عرف بـ"قاعدة الجهاد" وهو الأب الروحي للرجل الثاني في تنظيم القاعدة أيمن الظواهري.
وسيد إمام (كما يذهب إلى ذلك الكاتب المصري كمال حبيب في مقال أخير له) استخدم أسماء حركية عديدة في فترة التسعينيات قبل أن يعلن انفصاله عن التنظيم وخروجه منه وتحوله بعد ذلك للعمل العلمي، فقد كان يعرف باسم "عبد القادر بن عبد العزيز"، كما كان يعرف باسم الدكتور فضل، وهو طبيب مصري ذهب للعمل الطبي في أفغانستان إبان الحرب ضد الروس، وتم اختياره كأمير لتنظيم الجهاد، وهو أول من أسس مجموعة تتبنى فكر هذا التنظيم في مصر عقب نكسة 1967م، بضاحية المعادي، وكان من بينها أيمن الظواهري الرجل الثاني في تنظيم القاعدة اليوم.
وكان انضمام سيد إمام المفاجئ للمراجعات التي شجعتها السلطات المصرية كفيلاً بمنحها الشرعية والمصداقية وإخراجها من التناثر والتفتت والاجتهادات التي لا ترقى لمستوى تنظيم تحدى السلطة في مصر ثم تطور ليتحدى الأميركيين فيما بعد.
وأصبحت مراجعات هذا التيار اليوم في سبيلها للاكتمال والتكامل وخروجها في صورة متماسكة تجمع كل المنتسبين لهذا التيار خلفها بلا منازعة أو تردد أو شك. وهذا مكسب كبير ليس لمصر وحدها بل لباقي الدول العربية.
ويمكننا معرفة القيمة الفكرية والرمزية التي يمثلها سيد إمام - يقول كمال حبيب- إذا علمنا أنه من وضع الدستور الحركي والفكري لعمل المجاهدين في المعسكرات إبان الحرب مع الروس في أفغانستان في الكتاب الموسوم بـ"العمدة في إعداد العدة"، وهو كتاب استلهم فقه الجهاد من الكتب التراثية القديمة ليجعل منه أساساً لطريقة تعامل المنتسبين لهذه المعسكرات مع أقرانهم ورؤسائهم ومع سيرتهم وحياتهم وقضائهم ومعاملاتهم.
كما أنه - أي سيد إمام- هو من وضع الكتاب الضخم الموسوم بـ"الجامع في طلب العلم الشريف"، بيد أنه في الكتاب الأخير يبدو وكأنه يعاني من أزمة في التعامل مع تنظيمه جعلته يتمرد عليه ويعلن براءته منه وهجومه عليه وعلى تنظيم الجماعة الإسلامية وقتها قبل مراجعاتها.
وكما سبقت الإشارة، فأهمية هذه المراجعة تكمن في صلة رائدها بأيمن الظواهري وجماعة الجهاد، ورمزية الظواهري في تنظيم القاعدة، وباعتباره عنصرا رئيسيا لفهم التحولات التي جرت في التيارات الجهادية داخل مصر وخارجها، في العالمين العربي والإسلامي. بالإضافة إلى أن هذه المراجعة تشمل محمد الظواهري شقيق أيمن الظواهري.
بالمقابل أفادت مصادر إعلامية أن السلطات المصرية تعكف حاليا على دراسة السبل القانونية لتخفيف الأحكام الصادرة بالإعدام ضد بعض قادة التنظيم، لتصفية ملف العنف في مصر. ومن ثم الإفراج عن عدد من قادة وأعضاء تنظيم "الجهاد" المسئول عن اغتيال الرئيس المصري الراحل أنور السادات، وذلك بالتزامن مع المبادرة التي أطلقها الدكتور فضل"، التي دعا فيها كافة المنظمات الجهادية إلى ترشيد عملياتها، وفي مقدمتها تنظيم "القاعدة" وضبط عملياتها الجهادية وفق الضوابط الشرعية، كما ورد في البيان المنسوب إلى فضل، والذي أعلنه محاميه منتصر الزيات.
التجربة السعودية
معروف أن السعودية قبل أن تكتوي بنار التيارات السلفية الجهادية، شكلت في مراحل سابقة حاضنها الرئيسي، لكن المواجهة بين القاعدة من جهة والأنظمة العربية والولايات المتحدة من جهة أخرى، أحدثت تحولات داخل هذه التيارات، فعضت يدها وانقلبت عليها، وربما تكون السعودية قد شهدت في العقد الأخير أكبر حصة من أعمال العنف والإرهاب أكثر من أي دولة عربية أخرى.
لكن في الوقت ذاته تميزت التجربة السعودية باستعادة زمام الأمور من خلال إعادة إدماج بعض المشايخ السلفيين الذين عرف عنهم وقوفهم ضد العلاقة بين الأنظمة العربية والولايات المتحدة، ولعل أبرزهم الشيخ سلمان العودة، والشيخ سفر الحوالي، والشيخ محمد سرور زين العابدين.
حيث تدخل الشيخان الأولان وسواهما (كما يثبت ذلك الكاتب السعودي عبد العزيز خميس المقيم في بريطانيا في مقالة له بعنوان السلفيون في الواقع العربي) في إيجاد جو أهدأ بين السلفيين الثائرين ضد الأنظمة، وعملا - وخاصة الشيخ سفر الحوالي بحكم تواجده في الحجاز- منطقة استقطاب للشباب المتحمس، حيث قام الحوالي بجهود ضخمة من أجل تقريب رموز الشباب السلفي مع النظام السعودي، بل قام بجولات متكررة أثمرت عن تسليم البعض نفسه للنظام بعد أن كان مطلوبا ضمن قائمة أنصار القاعدة في السعودية.
في الجانب الآخر تحرك الشيخ سلمان العودة في عقر السلفية نجد، وقدم تنظيرا مقربا للجماعات السلفية مع مفاهيم كانوا يرفضونها، مثل الديمقراطية، وحقوق الإنسان، والانفتاح على الآخر. وبعد أن كان العودة مناهضا سلفيا قويا للنظام، إذا به يعترف للنظام بأشياء كان ينكرها عليه، بل إنه بعد أن انتقد النظام السعودي وإعلامه المحلي غير الإسلامي، أصبح يشارك في قنوات تلفزيونية سعودية في الخارج، يرى كثير من السلفيين عدم إسلاميتها.
فنشط تيار المشايخ الرسميين – يضيف خميس- في دول عديدة، وهو تيار من مشايخ كبار لديهم علاقات وثيقة بالأنظمة يبررونها بأنها لصالح الإسلام والمسلمين، ويعتمدون في عملهم أسلوب النصيحة لا الإجبار، ولديهم نفوذ كبير يتناقص تدريجيا بسبب تحركات التيارات الأخرى، والتي تعيب على تيار المشايخ الرسميين خنوعه للأنظمة.
لكن من جانب آخر ينشط تيار يطلق عليه مسمى تيار الجامية أو المدخلية، وهو تيار يقلد الشيخين عادل جامي وربيع المدخلي، وهذا التيار يسلم للسلطة بأن تقوم باتخاذ كل القرارات نيابة عن الأمة، ما دامت تقيم الصلاة ويرفع الأذان في شوارعها. وهذا التيار ينمو بشكل كبير ويلقى دعما كبيرا من السلطات ويتوسع داخل السلفيين، والسبب في ذلك غير الدعم الحكومي هو إراحته للمتحمسين من السلفيين فكريا وعمليا.
ماذا على الدولة؟
لنكن صرحاء، المراجعة مطلب يجب أن يشمل الجميع في هذا البلد. صحيح أن الأفكار أولا، لكن شروط السياسة والاقتصاد تساهم بحظ وافر في تطرف المتطرفين. وما دمنا قد تحدثنا عن مصر فدائما تقترن في ذهني صورة أيمن الظواهري من جهة، وتوني بلير أو خوسي لويس ثباتيرو من جهة مقابلة.
أعتقد أن أيمن الظواهري لو توفرت له شروط السياسة والاقتصاد التي توفرت للزعيمين الاشتراكيين لكان الآن يناضل من أجل مصلحة بلاده وشعبه من بوابة السياسة والتداول السلمي للسلطة، والعكس صحيح. لكن التاريخ القريب والوضع العجيب الذي تعرفه مصر وخلفها أغلب النظم العربية، لا تسمح بظهور توني بلير ولا ثباتيرو، بقدر ما تشجع على إنتاج أيمن الظواهري, فالانحباس والضغط لا يولدان إلا الانفجار.
كاتب مغربي.
|