|
|
| الحرية أو الموت أمل المعتقلين
|
عندما قرأ الأديب اللبناني "إلياس خوري" يوميات شاعر سوري في سجن تدمر العسكري، لم يصدقها، فكتب يقول: "... صدقت الكلمات ولم أستطع تصديق الحقيقة، كتب الشاعر الجحيم بلغة الجحيم. من يستطيع تصديق الجحيم، وإذا صادفناه فماذا نفعل؟ وكيف نستطيع متابعة حياتنا اليومية، ونحن نرى كيف جسّد الشاعر بقلمه حبر التعذيب، والألم الذي يحوّل الجسد كتلة مهانة، لا ينفذها سوى شموخ الروح الإنساني".
وتابع خوري قائلا: غير أن السؤال هو: متى يروي الضحايا تجاربهم وقد تحرروا من احتمال أن يتحولوا ضحايا من جديد؟ متى نقرأ "شرق المتوسط"، و"تلك الرائحة"، و"القلعة الخامسة"، وروايات "معتقل تزمامارت"، في وصفها ذاكرتنا لا حياتنا الحاضرة؟.
الواقع يضعنا في نفس الحالة، وبالتالي لا يمكن النظر للماضي بأعماله الأدبية وتجارب كاتبيها إلا من باب الحاضر ذاته، نعم الحالة ذاتها، الظلم وخنق الحريات والقمع ما زال واقعا معيشا لا ماضيا، كأن اليوم الصعب والمؤلم يكرر ذاته، لا يريد المغادرة بعيدا حيث لا يعود؛ فالاعتقالات تتكرر، والتجارب المؤلمة والضحايا هم ذاتهم مع اختلاف الأسماء.
اقرأ في هذا الملف:
خطوات الديمقراطية!!
في الوقت الذي غابت وتغيب شمس الديمقراطية عن عالمنا العربي، حظيت تجارب السجن والمعتقلات والتعذيب فيهما بنصيب وافر من اهتمام أدبائنا الذين عرف كثير منهم هذه التجارب معرفة مباشرة، فدفعوا ثمن تمسكهم بمبادئهم من حريتهم وقوتهم وصحتهم، بل وضعت في أحيان كثيرة حياتهم ذاتها ثمنا لذلك.
فقد دخل هؤلاء الأدباء والمفكرون والشعراء والفنانون السجون في عهود يختلف بعضها عن بعض فكرا واتجاها، بتطابق شديد تمثل في أن هذه العهود عرفت كيف تستخدم السجن في ضرب معارضيها من أهل الفكر والرأي.
فكان لكل عهد حيثيات حكمه على معارضيه؛ فالقائمة تبدو طويلة منذ "رفاعة الطهطاوي" الذي نفي إلى السودان، إلى "محمد عبده"، والشاعر "محمود سامي البارودي" اللذين ألقيا في السجن خلال الثورة العرابية.
وتتابعت الفترات، ودخل أصحاب الرأي السجون أفواجا أفواجا، ليسجل الكثيرون منهم تجربتهم في أعمال أدبية أو في سير ذاتية، والسجون العربية على حالها بقيت تعاني من بشاعة اختيار زوارها لتحتوي عقول المعارضين والمفكرين.
وهذا ما يؤكده جابر عصفور في قوله: "إنه لم يكن من قبيل المصادفة أن تكثر الأعمال الإبداعية والمذكرات الشخصية وكتابات السيرة الذاتية التي تتعرض لأشكال القمع الموجودة على امتداد الوطن العربي في ربع القرن الأخير بأقلام كتاب من أمثال: عبد الرحمن منيف (شرق المتوسط)، وشريف حتاتة (العين ذات الجفن المعدني)، وإسماعيل فهد إسماعيل (المستنقعات الضوئية) وياسين رفاعية (الرجال الخطرون)، ونبيل سليمان (السجن)، وصلاح حافظ (القطار)، ورفعت السعيد (البصقة)، وشاكر حصباك (الحقد الأسود)، وفاضل العزاوي (القلعة السوداء)، وفيصل حوراني (المحاصرون)، وصنع الله إبراهيم (تلك الرائحة ـ شرف) وغيرهم كثير".
ونحن هنا لسنا بصدد حصر لأدباء ومفكرين عاشوا تجربة الاعتقال، وانفعلوا بها، وكتبوا عنها، لكننا سنتناول تجربة أدب المعتقلات بين الواقع التاريخي والسيرة الذاتية وكيف أن قضبان الزنازين ألقت بظلالها على صفحات الأدب الروائي العربي.
مصر ومحاكمة الثورة
نلتقي في البدايات بـ"محسن" بطل "توفيق الحكيم" في "نهاية عودة الروح"، وقد ألقت السلطات البريطانية القبض عليه لاشتراكه في مظاهرات ثورة 1919، وفي معتقل القلعة يحيط بالمعتقلين جو كوميدي فخادمهم المعتقل معهم يتوهم أن أدوات ممارسة الرياضة في الحوش مشانق منصوبة لهم جميعا.
ويظهر من خلال هذا معنى البعث الروحي بالاندماج في كتلة الشعب، ولارتفاع القضية العامة في تسامٍ على المشاكل الشخصية التافهة؛ فقد كان المعتقل السياسي عند توفيق الحكيم مسرحا للتعبير عن العبث الروحي.
أما عند الأديب نجيب محفوظ فقد بدا المعتقل السياسي أو السجن قاسما مشتركا في العديد من رواياته بدءا بـ "السكرية" والقبض على الإخواني والشيوعي والسكير والسارق ووضعهم كلهم في سلة واحدة.
وبعد زوال العهد الملكي نطالع "اللص والكلاب" وذلك البطل الخارج في البداية من السجن ثم بطل "الطريق" الذي تنتهي حياته إلى السجن، وفي "الشحاذ" نجد البطل اليساري الذي غاب في العهد الملكي في السجن وبعد 20 عاما يخرج لفترة قصيرة كي يطارد من جديد في عصر بناء الاشتراكية.
أما الرواية التي تعد عملا بارزا وتجسيدا حقيقيا لتجربة الاعتقال والمعتقلات عند محفوظ فهي "الكرنك" ونرى أن السجن في "الكرنك" لا يهدد أيضا اليمين أو اليسار وحدهما في عصر الثورة. فكانت الرواية بمثابة محاكمة أدبية للثورة، ولعل أفظع مشاهد الرواية هو ذلك الذي تتعرض فيه البطلة للاغتصاب، وهي رمز الثورة، والتي يفرج عنها فيما بعد لتعمل جاسوسة وعاهرة.
تجربة الكيلاني الفريدة
|
| الروائي والأديب نجيب الكيلاني الذي أنجز تجربة أدبية مميزة |
وإذا كان السجن السياسي أو الاعتقال رمزًا "لإدانة الثورة" عند محفوظ فإن تجربة الاعتقال عند الروائي المميز "نجيب الكيلاني" تعد تجربة فريدة في الرواية المصرية.
وعن أدب الكيلاني يقول الأديب حلمي القاعود: "إن مادة السجين والسجان في روايات الكيلاني تحظى بمساحة كبيرة كما وكيفا، لعدة أسباب منها: تجربته الشخصية، فقد دخل المعتقل ثم السجن أكثر من مرة بسبب انتمائه إلى التيار الإسلامي. ومن المفارقات أنه كان معتقلا في صدر شبابه، وخرج من السجن ليتسلم جائزة الرواية من الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، ويعود إلى السجن مرة أخرى، ومنها غزارة إنتاجه الروائي، وهو ما منحه فرصة التناول المتعدد لتجربة الاعتقال والسجن في أكثر من رواية وقصة".
ويمثل السجن والسجان في رواية الكيلاني خطرا كبيرا وخَطْبا عظيما على النفس الإنسانية التي تتوق إلى الحرية والأمل ومعانقة الحياة، ويتمنى السجين في كل الأحوال أن يدفع كل ما يملك لقاء لحظة حرية يستمتع بها بعيدا عن الزنزانة الرطبة والحياة الصعبة، والمعاملة المهينة والتعذيب الصارخ الذي يفضي إلى الموت في بعض الأحيان.
وقد يكون العالم الموازي للسجن أو الزنزانة هو الوطن بأكمله حين يحرم الناس من الحرية والكرامة والأمل جميعا كما في رواية "مواكب الأحرار" التي تعالج قسوة الاحتلال الفرنسي بقيادة "نابليون" على مصر والمصريين، أو في رواية "قضية أبو الفتوح الشرقاوي" التي جرت في العهد الملكي، أو في روايات "رحلة إلى الله" و"حكاية جاد الله" و"اعترافات عبد المتجلي" و"ملكة العنب" وغيرها.
ولعل أهم رواية عرضت للسجن والاعتقال بين راويات "نجيب الكيلاني" الكثيرة هي رواية "رحلة إلى الله" فقد كان شخصية أساسية يحكي فيها عن ظروف الأسر، وما يجري للمعتقلين من تحقيق وتعذيب ومفارقات تثير الضحك في عز المحنة والآلام. وللمرء أن يتخيل كل عذابات العالم مركزة في هذا السجن يقوده الجلاد "عطوة الملاواني".
إنه يصنع "أروع مجازر القرن العشرين بالضرب ونهش الكلاب الضارية وحرق السجائر المشتعلة والتجريد من الملابس والتعليق على العروسة ونزع الأظافر، فضلا عن الشتائم والألفاظ النابية، والرعب هو الحالة التي تسيطر على جميع المعتقلين من جرهم حفاة ساعة القبض عليهم من بيوتهم حتى دخولهم السجن في المنطقة العسكرية المركزية".
وتأتي رواية "ليل وقضبان"، التي تحولت إلى فيلم روائي نادرة، التي تناولت تجربة الاعتقال في مقدمة الأعمال الأدبية الممتازة التي رصدت واقع المعتقلات المصرية بدقة متناهية وفنية رائعة.
إدريس.. وسيكولوجية التعذيب
|
| بعض آلات التعذيب في السجون العربية |
وربما كان أعمق تشريح لسيكولوجية التعذيب في القصة العربية الحديثة هو ذلك الذي نجده في رائعة "يوسف إدريس" القصيرة "العسكري الأسود".
تدور أحداث القصة في ظل الأحكام العرفية وعهود الإرهاب في أعوام 1947، 1948، إنها قصة شوقي -طبيب شاب يعمل في المكتب الطبي لمحافظة القاهرة- ثم اعتقاله لممارسته نشاطا وطنيا، ثم يخرج من السجن وقد انطفأ البريق في عينيه، ولم يعد الشخص الذي كان. وندرك أن التعذيب الذي خضع له هو المسئول عن تدمير روحه، وفقدانه الثقة في كل شيء وفي كل إنسان، ويعرف أن القائم بتعذيبه كان جنديا ويدعى "عباس الزنفلي" عرف باسم "العسكري الأسود" وكان مجرد ذكر اسمه يسبب الرعب في قلوب السامعين.
وتشاء الأقدار أن يوضع دوسيه "العسكري الأسود" بعد سنوات كثيرة على مكتب شوقي، فقد أصبح العسكري الأسود مريضا "يعوي كالذئاب، ويهبهب كالكلاب"، إنه يغرس أسنانه في لحمه ويعض نفسه في حاله هياج لا يمكن التحكم فيه.
وهكذا نرى عند يوسف إدريس في "العسكري الأسود" كيف يشوه التعذيب الجلاد والضحية معا؛ فهو ليس حادثة عرضية أو نوعا من العمل المهني أو الواجب الوظيفي بل هو شيء بشع يزلزل الكيان ويدمر التوازن النفسي؛ فالجلاد يتحول إلى كلب مسعور طوال الوقت والضحية يختل إحساسها بالأمان طوال عمرها حتى بعد أن ينتهي التعذيب.
ونقرأ عند "يوسف إدريس" في "مسحوق الهمس" الزنزانة وهي معادلة للوحدة والعزلة وإخفاق البحث الدائب عن اللقاء بين اثنين أقرب ما يكونان وأبعد ما يكونان لا يفصلهما سوى بضعة سنتيمترات من فجر أو طبقة أو جنس أو لون.
فالزنزانة هنا رمز فلسفي متعالي الجدران والأسوار التي تقف حائلا دون التواصل بين البشر، وبطل القصة سجين منعزل في زنزانة يسعده أن ينقلوه ولو إلى زنزانة تلتصق جدرانها بزنازين سجن النساء، ويبذل السجين جهده لإقامة تواصل ما مع أي سجينة بالنقر، ولكن تأتي الاستجابة غامضة مبهمة ويحل مسحوق الهمس الغامض ليشكل منه صورة متكاملة لامرأة يمنحها أسماء وقوام وملامح.
ويعرف السجين بعد ذلك أن الزنزانة المجاورة لم يكن يشغلها إلا سجناء رجال، ولكن تلك المرأة ظلت حية في ذاكرته بطريقة تفوق كل النساء اللاتي عرفهن؛ ربما لأنها تجسد المثل الأعلى للمرأة كما يتخيلها ويشتهيها.
صورة فنية حافلة بالقسوة
ثمة رواية أخرى يلعب فيها التعذيب دورا مهما هي "حكاية تو" لفتحي غانم. وفي هذا العمل يبدو للقارئ أنه يتابع صورة فنية حافلة بالقسوة والحيوية، لتصدمه صدمة عنيفة لما يدور في الأحشاء القذرة للعالم السفلي داخل السجن.
وهنا تومئ الرواية إلى حادثة حقيقية هي اغتيال "مهدي عطية الشافعي" وتعذيب زملائه في حفل استقبال داخل معتقل "ليمان أبي زعبل في يونيو 1960" وهي ليست مجرد تسجيل وثائق أو شهادة، لكن صورة فنية تستخدم عناصرها من الواقع، حيث يصور الروائي "صلاح الجلاد" المعتقلين المجردين من ملابسهم الذين يعانون من انهيال ضربات الهراوات العشوائية إلى درجة أن يعلن كل منهم أنه امرأة، وحينما تجد البطل صامدا صامتا مهيبا، أمر الجلاد وحوشه بالانقضاض عليه حتى مزقوه.
ومن ناحية أخرى كان الروائي "صنع الله إبراهيم" في روايته القصيرة "تلك الرائحة" التي لها طابع السيرة الذاتية، شاهدا واقعيا على ذلك الحدث لكنه لا يصوره تصويرا فوتوغرافيا، بل من وجهة نظر البناء الروائي فهو ينفث فيه الحياة بكل تفصيلاتها ودقائقها الشخصية ولا يصنع منها تمثالا رخاميا لمناضل شهيد.
لقد كان الراوي يجلس إلى جوار الضحية حين ارتفع صوت يقول: "ها هو.." وضربوه على رأسه وقالوا: "اخفض رأسك يا ابن الكلب"، ثم نادوا عليه وأخذوه وكانت هذه آخر مرة يراه الراوي فيها، ولم يصف ما حدث بعد ذلك. "لقد اغتالت الأيدي السوداء إنسانا متدفق الحيوية يغني للحب والحرية".
الواقع والخيال
ومن جانبه يقول الناقد "الطاهر مكي": إن أدب المعتقلات في الأدب العربي ترك لنا أعمالا مهمة منها ما يجمع بين السيرة الذاتية والرواية مثل كتاب مصطفى أمين "سنة أولى سجن"، وهذا النوع من الأدب منتشر في الوطن العربي، ولأنه يتعامل مع الواقع فهو أفضل من أي خيال.
ولعل رواية "شرف" لصنع الله إبراهيم من هذا النوع، والبطل "شرف" نفسه هو البطل الذي يتعرض للحبس بتهمة غير ثابتة، لكنه سجن والتقى أعدادا مختلفة من المسجونين منهم جماعة إسلامية أو جماعات إجرامية عادية، ومن خلال هذه الأحداث تجري فصول الرواية، ويحشد الكاتب كل طاقات حواسه من بصر وسمع وذوق وشم ولمس كي يرسم صورا تحفر ذاتها بعمق في ذاكرة القارئ.
ولا يتردد الدكتور والناقد "صلاح فضل" في وصف عالم "صنع الله إبراهيم" في هذه الرواية بأنه "هذا الجحيم البشري الذي يوازي عقاب الحشر ويرهص به"، وذهب الناقد "عبد الرحمن أبو عوف" إلى أن الرواية لديه "أصبحت شهادة وثيقة، ودليل عمل وقانون إنقاذ... إنها تقدم وتجسد وتصور تدني وتآكل واقعنا وحياتنا السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي حاصرتها مخططات وسياسات تدميرية خارجية وداخلية أدت إلى مأساة وما زالت تتابع أحداثها حتى اليوم".
الزنزانة.. بتفاصيلها
|
| هل يمكن للثقافة العربية والإسلامية أن تمنح مثقفيها المعتقلين الحرية؟ |
الروائي الكبير "مجيد طوبيا" يقول عن تجربة المعتقل في رواياته وأعماله: "كتبت رواية "الهؤلاء" وهي تعبر عن هذا العالم الصعب، لكن بشكل عبثي مع خيال جامح، فهي تحكي عن شخص تهمته الأساسية الفكر، حيث لاحظ أن الأرض تدور عكس عقارب الساعة فاتهموه بأنه يقول إن نظام الحكم يدور ضد الزمن، والرواية تستعرض أسباب ديكتاتورية الدولة وشموليتها.
أما "سعد زهران" فيقول في "الأوردي" مذكراته سجينا: "كنت يوما ذا شباب يافع ومستقبل مرموق، وذات يوم قررت الانضمام إلى الجموع الثائرة.. ولم أكتف بذلك فجازفت بالعمل في السراديب، ثم قضيت من حياتي خمسة وعشرين عاما في السجن".
وقد ذهب "زهران" بالتعذيب البشع الذي كان ينصب على رؤوس السجناء بأكبر قدر من الوصف والتفصيل والدقة، فأفاض في ذكر وسائله وأنواعه، السباب والضرب بالشوم والحبس الانفرادي في الزنازين وكسر الحجارة في الجبل، والطعام القذر المختلط بالذباب، واستخدم كل ما من شأنه تدمير نفسيات السجناء وهزيمتهم داخليا وخطط له خبراء متخصصون، وعلماء نفسيون متمكنون، ويمارسه ضباط وأطباء وعساكر وممرضون ماتت في نفوسهم كل نوازع الإنسانية، ليسوا أسوياء في سلوكهم العادي.
ويقول في أحد مقاطع مذكراته: "في إحدى الليالي اشتد المرض على سجين، فصاح زملاؤه يطلبون الدكتور... تمت الإجراءات فعلا تحت ضغط الصياح، ووجد الطبيب أن السجين قد مات وعهد كالمعتاد إلى التمرجي بتشريح الجثة، ويكتفي هو بتوقيع الأوراق. وفي الصباح حين ضرب التمرجي المشرط في بطن المتوفى بدأت الجثة في التحرك. أدرك الشاويش بسرعة أن الطبيب أخطأ في تشخيص الحالة فقد كان السجين في حالة غيبوبة بسبب شدة المرض، فلما ضرب المشرط في أحشائه حركه الألم. لم يتردد الشاويش لحظة، اتجهت يداه بسرعة نحو عنق السجين، وكتم أنفاسه حتى أجهز عليه، وهو يصيح بانفعال شديد، ارقد يا ابن الكلب!! ارقد! الدكتور كتب في الأوراق الرسمية أنك مت، موت يا ابن الكلب حتعمل مشكلة للدكتور، موت، موت!!!".
وفي رواية "الزنزانة" لـ"فتحي فضل" يحكي الكاتب تجربة واقعية حدثت بعد أن قبض عليه، لأنه اشترك في نشر وحكي رواية "علاء حامد"، غير المصرح بطبعها، وهي رواية تحكي كيف أن السجن من الممكن أن تنتهي مدته، إلا أن الإنسان يبقى محتجزا رغم قرار المحكمة.
ويقدم جمال الغيطاني في "هداية الورى لما جرى في المقشرة" تصويرا رمزيا عميقا لسجن "المقشرة" الرهيب أيام المماليك، وهو بذلك يتخطى نطاق تلك الفترة التاريخية، فيرى "الجلاد" في هذه الرواية أن السجن جزء جوهري من نظام المجتمع وأن التعذيب ممارسة عادلة. فكي يأمن سلطان على حكمه، ويضمن طاعة رعيته وإخماد فتن الطامعين، دون السوط والسيف وكل صنوف التعذيب. فأعمدة السجن هي دعامة الحكم.
يواصل الغيطاني تجسيد عالم الجلادين في رواية "الزيني بركات" ومدى تبريرهم لممارستهم البشعة ثم استعدادهم لوضع الزنزانة والسوط في خدمة السيد الجديد الذي كان قبل لحظات العدو الخارجي.
وفي "بغلة العرش" للروائي "خيري شلبي" نلتقي بواقع البطل المقاوم، حيث يقوم سجين بضرب رأسه في حائط الزنزانة احتجاجا على صوت التعذيب القادم إلى زنزانته. وفي "العين ذات الجفن المعدني" لـ"شريف حتاته" لوحة كاملة متعددة الألوان للحياة داخل زنزانة السجن الحربي بكل تنوعاتها.
"بلقيس" العراق بين ظلمتين
وإذا كان أدب المعتقلات يزدهر في ظل الخوف والطغيان فإنه لم يقتصر فقط على الأدباء المصريين، وإنما انتشر على طول وعرض الأرض العربية، ويمكن ملاحظة شحوب ومذكرات السجن العراقي وندرتها بالقياس إلى بقية الأقطار العربية خصوصا طوال فترة نظام "صدام حسين"، وذلك لما عرف به هذا النظام من مطاردات مستمرة لمعارضيه في الخارج، ونجاحه في اغتيال رموز عراقية في المنفى؛ الأمر الذي أشاع الرعب في العراقيين المنفيين على نحو يحكى في مئات الصفحات.
فكتب "محمد حسين الأعرجي" كتابه "جهاز المخابرات في الحضارة الإسلامية" وأهداه إلى أرواح شهداء القمع، وهناك محاولة "عبود الشالحي" في موسوعته الكبيرة "موسوعة العذاب" التي امتدت عبر سبعة مجلدات لتصف صور التعذيب البشعة التي أمر بها سلاطين الظلم الذين كانوا أسلافا لأمثال صدام حسين.
ومن أبرز كتابات السجن الدالة في مثل هذا السياق كتاب "جدار بين ظلمتين" لـ"بلقيس شراره" لتحكي قصة زوجها رفعة الجادرجي، حيث وصف هذا العمل بأنه عمل استثنائي؛ لأنه العمل الأول الذي يحاور بين ظلمة السجن الضيق الذي دخله "رفعة الجادرجي" ظلما، ولأسباب سياسية لا علاقة له بها، وظلمة السجن الأوسع الذي أصبح هو الوطن ومقر الأسرة، حين كانت تعيش الزوجة "بلقيس شراره" حرة كالسجينة، قلقة على زوجها الحبيب مطاردة بكوابيس الرعب المتوقع، وعيون الريبة والتنكر والجحود فكانت في ظلمة سجن مواز لسجن زوجها.
وهناك اتفاق بينهما على مغزى الكتابة وهو المغزى الذي تشير إليه بلقيس في مقدمتها (التي كتبتها في فبراير 2001) حين تذكر أن الكتاب سيرة ذاتية واقعية وسرد للأحداث التي عانتها وزوجها من وطأة الاعتقال والحكم المؤبد الذي صدر بحقه، وتسجيل لما عانته شخصيا من الحالة النفسية بوصفها زوجة معتقل وسجين في العراق، راجية أن يكون ما كتبته وزوجها وثيقة أخرى من الوثائق التي تصف معاناة الناس في العراق.
المفارقة الطريفة في هذا الاتجاه أن الزنزانة التي اعتقل فيها "رفعة الجادرجي" ليقضي الحكم الظالم بالسجن المؤبد كانت في معتقل "أبو غريب" الذي تحول لساحة تعذيب بشعة بأيدي الجنود الأمريكيين الذين جاءوا بدعوى التحرير والحرية.
وتتضمن الفصول التي كتبها رفعة صفحات طويلة من وصف السجن وبخاصة الزنازين التي تنقل بينها، والوصف يبدأ من ضيق الزنزانة ويمتد ليشمل تفاصيل الجدران والأرضيات وذلك في نوع من السرد الذي يسقط المكان على الزمان، ويعكس بناء السجن على علاقات البشر، وملامح البشر على جدران المكان وذلك من عيني معماري هزته المأساة فدفعته إلى كتابة تعكس ثقافته وقراءته.
ويحدثنا المعماري عن سعة الزنزانة (26) التي لا تعدو أكثر من متر وسبعين سنتيمترا عرضا، ومترين طولا، ويشعر فيها السجين بثقل الهواء بسبب حشر المعتقلين في ذلك الحيز الضيق حيث لا مجال لحركة الهواء النقي فيها فيدور الهواء كما لو كان داخل فنجان، أو داخل زنزانة تمتزج رطوبة أنفاس المساجين الخمسة فيها بهوائها الفاسد.
كما يحدثنا عن تكوينات القمل الذي يتغلغل في الملابس، وعن الروائح التي تملأ الزنزانة، وعن إيماءات الهمس التي تتخلل بئر الصمت العميقة القرار.
أما زنزانة الخارج التي عاشت فيها الزوجة محكوما عليها بما يوازي الحكم على زوجها، فهي تجعلنا نرى عالمها الذي أخذ في الضيق المفاجئ نتيجة القبض على زوجها ومصادرة كل أمواله، كما أن وطأة شعور "بلقيس شراره" بالظلمة التي شاركت فيها زوجها قد أرفهت إحساسها بالظلم الاجتماعي حولها، وغياب العدالة وسحق القوانين التي تحافظ على كرامة الفرد وحقوقه، وعندئذ لا يعامل الفرد كإنسان مهما علت رتبته وشأنه.
وتنتهي "بلقيس" إلى النتيجة نفسها التي ينتهي إليها زوجها، حين يخرج من الخاص إلى العام، فيدرك مع امرأته أن مأساته هي جزء من مأساة أكبر، هي مأساة التخلف الذي يؤدي إلى نجاح الاستبداد السياسي وتعدد صوره، جنبا إلى جنب مع الوجه المجتمعي للنظام السياسي المتسلط، فكلها علامات التخلف الذي أنتج طغاة وأتاح لعالمهم القمعي ألا يصنع جدارا واحدا بين ظلمتين بل ملايين الجدران الممتدة من المحيط إلى الخليج.
امرأة المغرب تسمى "رشيد"
في المغرب ظهر، على نحو متسارع في نهاية التسعينيات ما عرف بأدب السجون، أي جميع ما كتب عن تجارب الاعتقال والحرمان من الحرية، والذي يشمل الرواية والشعر والمقال الطويل والقصة والشهادة، وبقدر ما كانت تجارب الاعتقال هذه فظيعة بقدر ما حاول بعض الضحايا تصويرها بما نتجوا من روايات وشهادات ونصوص.
فمن هؤلاء، من قدموا شهادات في شكل كتب، ومنهم من حاولوا الابتعاد قليلا عن الحكي المباشر لتجربة المعاناة بتفاصيلها وآثروا أن يقتبسوا كنه المعاناة هذه ويوظفوه في كتاباتهم، ونذكر منهم "أحمد المرزوق"، و"جواد مديدشي"، و"عبد القادر الشاوي"، و"عبد اللطيف اللعبي".
وحتى اليوم ظهر في المغرب 144 مؤلفا تناول تجربة السجن من زوايا مختلفة، وقد انطلقت كتابات السجون في المغرب مع كتاب "تازما مارت" لصاحبه المرزوقي السجين السابق، وهناك أيضا حلقات محمد الرايس التي حملت عنوان "من الصخيرات إلى تازما مارت: تذكرة ذهاب وإياب إلى الجحيم"، وكتاب "في ظلال الإشافية" لإدريس يوسف الركاب، و"ذاكرة الآخر" لإبراهام السرفاتي و"كريتسين دور" و"العري" لصلاح الوديع، و"كان وأخواتها" لـعبد القادر الشاوي.
وللكتابة النسائية في هذا الجنس نصيبها أيضا وإن كان محدودا، ومن هذه الكتابات الكتاب الذي لا يخلو عنوانه من حس فكاهي لكنه استهزائي من حيث أنه يعكس غباء الجلاد حين يريد التظاهر بالقوة والذكاء أمام المرأة المعتقلة. فالعنوان يحمل كل معاني أن تُرمى المرأة المناضلة في وسط ذكوري ما كان ليسمح بالنضال حتى للرجال، فما بالك بالنساء.
"امرأة تسمى رشيد" هذا هو العنوان الذي اختارته "فاطنة البويه" لكتابها عن معاناتها، مهمشة بذلك جدار الصمت النسوي في البوح بتفاصيل تجربة الاعتقال تمهيدا للشفاء من جرح غائر في الذات ورغبة من الكاتبة في السير في الاتجاه المعاكس الذي سارت فيه أولئك النسوة اللائي آثرن دفن الجرح تحت رماد يغطي ظاهرة الانطباع بأن ناره انطفأت بينما هي لا تزال ملتهبة في دواخل الذات.
الملامح الثابتة والمتكررة
وما يصل بين هذه الكتابات جميعًا عن أدب السجون وتجربة السجن والمعتقلات لدى أدبائنا وشعرائنا العرب هو أنها جميعا أشكال من المقاومة، هي تسجيل للقمع واحتجاجا عليه بتعريته والكشف عن آلياته ولوازمه، وذلك على نحو يمتزج معه التسجيل الذاتي بالتوثيق الموضوعي، ويكتسب السرد ملامح نوعية يتحول بها السارد الضحية إلى شاهد على جلاديه، وتتحول الكتابة إلى فعل من أفعال الإدانة.
وتتسم هذه الكتابة بملامح متكررة أو ثابتة، فهي تستخدم التوثيق وسيلة للإدانة، وكشفا عن بشاعة الجرم، سعيا إلى زيادة عدد المحتجين على النظام السياسي الذي ينتج هذه الظاهرة غير الإنسانية، وإدانة لهذا النظام في أعين العالم كله، وتأكيدا للحقيقة التي يسعى هذا النظام عادة إلى إخفائها وراء شعارات براقة.
ولذلك يلحظ أن هذه الكتابات تلجأ إلى التفاصيل الواقعية المؤلمة مهما كانت قسوتها أو بشاعتها، وتتأنى سرديا ووصفيا إزاء مشاهد التعذيب والتنكيل والقتل الذي يحدث في السجون والمعتقلات، كما أنها تتم على سبيل الاسترجاع الذي يسعى صاحبه إلى تجسيد مشاهد الخوف والقلق والألم والحزن والغضب واليأس والإحباط وغيرها على الورق، خوفا من النسيان، وقصدا إلى أن تظل وقائع العذاب باقية في الوعي الجمعي كالعار، وفي تاريخ الطغاة كالجريمة، وفي مسيرة التحرر كالدافع المتجدد والمتوهج إلى الأبد.
في كل ما سبق يتضح أن الجسد الإنساني يواجه عصر انحطاط يعيشه العالم العربي والإسلامي، لكن ذلك كله يظهر أن الذي يخاف من الكلمة هو السجين الحقيقي، أما الذي يكتبها فهو يجسّد الحرية ويصنعها.
|