English

 

الأحد. نوفمبر. 5, 2006

ثقافة وفن » لغة وأدب

 
   
روابط من إسلام أون لاين

"طيور الجنوب".. الفُرقة في بلاد الشمال!! *

منير عتيبة

طيور الجنوب غلاف
في روايتها الأولى "طيور الجنوب" التي حصلت على جائزة الرواية من دار الفكر عام 2004م استطاعت الدكتورة "أماني أبو الفضل" أن تقدم رواية أفكار من الطراز الأول دون أن تقع في فخ الوعظية، وإن كانت المباشرة من السمات الواضحة في روايتها، وذلك لأنها استطاعت أن تجعل من شخصياتها الرئيسية على الأقل (صلاح- وجواد- وليلى) بشرا أحياء من لحم ودم، وليس مجرد أبواق روائية لأفكار معينة كشخصيات "إبراهيم- وضياء- والصفوي".

مساجد متجاورة وقلوب متنافرة

تختار الكاتبة مكان الرواية بعناية (أمريكا) حيث بلد الحرية والعدالة، البلد الذي يمكن أن توجد فيه كل المذاهب والجنسيات، وأن يتعايش الجميع ويعملوا دون خوف ودون صدام، فحرية الاعتقاد الديني والسياسي مكفولة للجميع.. لكننا بالتدريج نكتشف أن هذه الفكرة ما هي إلا وهم كبير، فـ"صلاح" المصري المتدين يسكن في الطابق الأول من بيت تسكن طابقه العلوي أسرة "جواد" -أمه وداد وأخته ليلى- وهي أسرة متدينة.

يتعارف صلاح وجواد، ويحب كل منهما الآخر كأخوين، أول ما يبحث عنه صلاح في نيويورك المساجد، فيذهب به جواد إلى شارع به مسجدان، مسجد بلال بن رباح على اليمين، ومسجد أهل السنة والجماعة في مقابله، يندهش صلاح: "شيء غريب، الحي مترامي الأطراف، وليس فيه مساجد، فلماذا اختار من بنى المسجد الثاني أن يكون ملاصقا للأول"، وتزداد دهشة صلاح عندما يخبره جواد أنه يصلي في مسجد آخر في نيوجيرسي، ويقول: "ساعة لتصل إلى مسجدك بينما المسجد هنا على الناصية".

ببراءة الغريب يبدأ صلاح في اكتشاف خريطة رهيبة من المذاهب والخلافات؛ فمسجد بلال بن رباح الفقير المظهر تابع لجماعة "أمة الإسلام"، والمسجد الآخر تابع لجماعة أهل السنة والجماعة، وبداخل هذا المسجد يوجد فريقان، فريق يتكون من "إبراهيم" المصري (هارب من الجندية) وضياء الباكستاني (من أصول فقيرة، ولا يعرف أحد من أين ينفق على دراسته في الجامعات الأمريكية)، وهما متطرفان في التمسك بالسفاسف والصغائر، وإرهاب من يحاورهما فكريا، وحصر الدين داخل المسجد دون أي فعل حياتي وبالذات في السياسة، والتأكيد على مخالفة الآخرين لهما باعتبار أنهما من الفرقة الناجية، وإثارة المشكلات التي تجاوزها التاريخ كقضية خلق القرآن وكلام الأشاعرة... إلخ.

الحوار ضروري

أما الفريق الثاني فيمثله الشيخ حسن وهو من غزة، حارب الإسرائيليين مع المقاومة الشعبية في السويس سنة 1967 تحت قيادة الشيخ حافظ سلامة، ويعمل سائقا، ويرى أن مساحات الاتفاق مع الآخرين كبيرة مهما تكن هناك من خلافات، كما أن الحوار بين المختلفين ضروري شرط أن يكون غرضه البحث عن المشترك والعمل لأجل خير الجميع، وألا يكون حوارا تبشيريا يحاول كل طرف فيه أن يذيب الآخر ويأخذه في صفه.

هذا بالإضافة إلى هيئة دعم المجتمع المسلم التي أصبح حسن من أبرز نشطائها في تثقيف الشباب والأطفال من خلال المعسكرات الرياضية، يحفظّهم القرآن، ويعلمهم اللغة العربية، وهي هيئة يعتبرها زميله في العمل -وهو تركي الجنسية- من أهم الهيئات التي تخدم الإسلام والمسلمين، ويعتبرها إبراهيم وضياء "بيت الشيطان، ففيها نساء ناشطات، وبعض رجال حليقي اللحى، وتقام فيها معارض فنون وحفلات تمثيلية راقية، وإن كانت في حدود الشرع! والأدهى والأمرّ أن أمور السياسة تثار هناك".

كما يتعرف صلاح بصبحي المسيحي الأرثوذكسي وزوجته منى، حيث يوصل إليهما رسالة من صديقه منير الذي عاد إلى مصر، ومنير زوج ابنتهما، تكرهه منى لأنه أخذ منها ابنتها وسافر، وتسقط كراهيتها على صلاح منذ الوهلة الأولى، لكن صلاح بطيبته وبراءة نشأته الأسوانية يجذب الزوجين العجوزين إليه خاصة أنهما "صعايدة" مثله، وأنهما مغرمان بالشاعر عبد الرحمن الأبنودي مثله، فتكون جلساتهم قراءة في دواوين الأبنودي باللهجة الصعيدية مما يعطيهم إحساسا خاصا بأنهم لم يغادروا بلادهم.

بعيدا عن القوالب

يكتشف صلاح بالتدريج أن المسيحيين ليسوا كتلة واحدة كما كان يظن، فهناك "زكي وابنه ميشيل" اللذان "يسترزقان" من المتاجرة بما يسمونه قضية الأقباط في مصر، باعتبار أن هناك مخططا إسلاميا تنفذه الحكومة "يهدف إلى التطهير العرقي في مصر من أهلها الأصليين" لدرجة أنهما يدعيان وجود مذابح لم تحدث لتهييج الرأي العام الأمريكي، وحث أمريكا على التدخل العسكري في مصر لحماية "الشعب المسيحي"، ويريان أن البابا خائن لأنه يمنع المسيحيين من الذهاب للقدس ما دامت تحتلها إسرائيل، وفي المقابل نرى "صبحي" الذي يقف لهما بالمرصاد رغم ضعفه، ويحاول الصمود في وجه هذا التيار.

ويكتشف أيضا أن جواد وأسرته من الشيعة، فيصاب بصدمة كبيرة لدرجة أنه يقرر الانتقال من المنزل، ويشجعه على ذلك ضياء الذي يرى أن "الغريب عن ديننا يظن أن كل من ادعى الإسلام مسلم، لا يعرفون أن تسعة أعشار هذه الأمة هي مفارقة للدين"، وأن ذبائح الشيعة "لا تجوز، فهم ليسوا حتى من أهل الكتاب"، وأنهم "لا يعبدون الله بل يعبدون الأئمة"، وأن "الصهيوني عدو مبين، ولكن هذا عدو خفي".

يقع صلاح في حيرة كبيرة، ويتجنب جواد وهو يحبه، لكنه لا يعرف ماذا يفعل، ويذهب إلى الشيخ حسن في بيته، ويشرح له الموقف، يؤكد له الشيخ حسن أن "عيبنا الدائم هو قلة العلم، فالشيعة ألف فرقة وعقيدة، ولكل واحدة حكم، وللنصارى مواقف، ولكل منها حكم"، وعندما يسأله صلاح بغصة: "هل تتهمهم بالكفر مثل إبراهيم وضياء؟" يجيبه:"أنا لا أكفّر والعياذ بالله، فحكم إبراهيم وضياء مثل حكمك، لم يفتحوا له كتابا قبله"، "ولكن قال لي ضياء: إنهم يضمرون الكفر ويظهرون الإيمان، فكيف تحكم؟" "أحكم بالظاهر، لقد نهينا عن شق قلوب الناس".

يعود صلاح إلى البيت في غير موعده المعتاد، فيجد جواد يجلس في الحديقة يقرأ القرآن بصوت عذب مقلدا الشيخ الحصري وليلى بجواره، يبدأ تدريجيا في التخلص من تأثير إبراهيم وضياء عليه، وتعود مياه صداقته لجواد إلى مجاريها، بل يذهب مع جواد إلى مسجد الهادي في نيوجيرسي ليكتشف أن هناك أكثر من فريق، الفريق المعتدل -ومنه جواد- بزعامة السيد مصطفى أنور اللبناني الذي تعلم في العراق، وحارب مع المقاومة في لبنان حتى أصيب في ساقه، وفريق المتطرفين أصحاب الأفق الضيق والصوت العالي بزعامة الشيخ علي الصفوي.

رياح سبتمبر العاتية

يكتشف صلاح وجود لادينيين من المسيحيين والسنيين والشيعة، ويكتشف وجود الصهاينة الذين يحاربون كل ما له صفة إسلامية، والمتطرفين الأمريكيين الذين يريدون تدمير كل ما هو عربي أو مسلم أو شرقي.

كل هذه الخلافات والمشاعر غير الطيبة تتفجر بعد أحداث 11 سبتمبر، يحاول أحد المتطرفين الأمريكيين الاعتداء على ليلى في الشارع لولا أن صلاح أنقذها، "نجوتِ هذه المرة أيتها المرأة المحمدية، المرة القادمة لن ينجدك أحد"، ويحاول آخرون اقتحام منزل صبحي ومنى وقتلهما، وتتعارك منى مع صبحي متهمة إياه بالتهاون: "أنت السبب يا صبحي، قلت لك أن نعلق الصليب على باب المنزل من أول يوم بدءوا فيه الهجوم على بيوت المسلمين"، فيرد صبحي: "لن أفعل، هم يقتلوننا لأننا عرب، أتريدينني أن أعلق نجمة داود؟".

ما أسهل ما تتفجر ينابيع الخلافات، وينفخ المتطرفون من جميع الجهات في أبواق الفرقة والقطيعة ليقتلوا أي أمل في اتفاق أو حب؟ من يصدق أن ينمو الحب في مثل هذه الأجواء المشحونة الموبوءة؟ وأي حب؟ حب بين صلاح السني المتدين وبين ليلى الشيعية المتدينة اللذين أحب كل منهما الآخر دون أن يسمح لنفسه بالتطلع إلى وجهه أو المحادثة المنفردة؟

مناظرة لقتل الحب!!

يطلب صلاح من جواد أن يزوجه بليلى، تنقلب الدنيا، جواد يرفض رغم حبه لصلاح، ثم يوافق بعد أيام من الضغط النفسي الذي تمارسه عليه ليلى وأمها، المجتمع كله يقف ضد هذه الزيجة، السنيون والشيعة، لأول مرة يتفق المتطرفون من الجانبين على شيء، الشيخ حسن والسيد مصطفى أنور رغم أنهما لا يجدان بأسا من الزيجة فإنهما لا يتدخلان.

تثور العاصفة في كل مكان، ويصل الأمر إلى تنظيم مناظرة بين السنة والشيعة بفندق "هوليداي إن"، يقول السيد مصطفى للشيخ الصفوي: "الذي يملكه روبرت كوهين! أراهن على أنه أعطاكم القاعة بلا مقابل، بل دفع لكم مقابل مهزلتكم هذه، سيدعو الصحف ومحطات التلفاز ليشاهدوا المسلمين، ويوقنوا أن ليس لهذه الحضارة الكريهة إلا الإبادة والغزو، وأن ثرواتها خسارة فيها!".

وتكون المناظرة مجرد شتائم متبادلة بين الطرفين، يقول عدنان الطبيب الكويتي رئيس هيئة دعم المجتمع المسلم: "أشعر بالرعب مما حدث، هؤلاء ليسوا شيعة ولا سُنة، هؤلاء مأجورون"، وتكون المكافأة أن تعرض "منظمة التعاون الأمريكية الشرق أوسطية تثبيت هذا النشاط في صورة مناظرة شهرية" كما يقول الشيخ الصفوي: "وعيّنتنا نحن والسنيين خبراء، وخصصت لنا ميزانية ثابتة، سنجوب كل الولايات الأمريكية وسنسافر لأوروبا لعمل المناظرة"!!

لكن الكاتبة تدبر مقابلة بين الشيخ حسن والسيد مصطفى لتدور مناقشة حقيقية بين الطرفين، غرضها البحث عن المشترك وتوضيح المختلف فيه حتى لا تحوطه أوهام تقف حاجزا عاليا بين الطرفين، وينتهي الحوار البنّاء باتفاق الرجلين ومعهما صلاح وجواد على إرساء لجنة في المهجر للتقريب بين أبناء المذهبين، وتعريفهم بالمشترك من النصوص، وتعليمهم التعامل مع المختلف فيه.

آبار الكراهية

تؤكد الكاتبة على أن النظم السياسية في البلاد العربية والإسلامية -وكذلك في الغرب- كان لها مصلحة دائمة في توسيع هوة الخلاف بين أصحاب المذاهب الدينية، وتقوية المتطرفين الجهلاء من كل الفرق، يقول الدكتور عدنان: "يا إلهي! لم أر كراهية تسود القلوب كما هي الآن، عندما صافحت جواد في الندوة ثار علَيَّ الكويتيون.. لماذا؟ لأنه عراقي! ولم يلحظوا أنه هنا لأنه ضحية النظام نفسه الذي دمر بلدنا! ولم يلحظوا أني أيضا ضحية للنظام نفسه؛ فخالي وابن خالتي أسرى لا نعرف عنهم شيئا في سجون العراق! إن الذي يدفعنا إلى هذه الكراهية ليس بعربي ولا مسلم بل هو شيطان! لم نعد نعبد الله.. صرنا نعبد الأمراء والزعماء والشيوخ، أضعنا عقيدة التوحيد، كلنا مشركون، أشركنا الطوائف والمذاهب وعملاء السوء بالله، نحن نعيد عصر ملوك الطوائف، وليس لهذا العصر إلا نهاية واحدة يعرفها التاريخ جيدا".

ورغم الأجواء المشحونة بالكراهية والغضب والتناحر والرفض، يصمم صلاح وليلى على إتمام الزواج، ثم السفر إلى أسوان لقضاء شهر العسل، ويستعدون للزفاف، لا أحد من المدعوين يحضر، فيأخذ صلاح عروسه ويذهب بها إلى جسر بروكلين الذي عشقه منذ أن وطئت قدماه أرض أمريكا.

يحدثها عن أسوان والنيل، يحلمان بالمستقبل والأطفال، يضحكان بمرح وقد نسيا كل أحزانهما، نسيا كل ما حولهما من خلافات، نسيا الجو الذي تركاه محتقنا، لكن الكراهية لم تنسهما، شخصان ملثمان ظهرا فجأة، طعنها أحدهما في رقبتها، وترك السكين مغروزا فيها، واختفيا بسرعة البرق.

وكان هذا متوقعا في مثل أجواء الكراهية الشديدة الاحتقان التي تسود أمريكا ضد المسلمين بعد 11 سبتمبر، وفي مثل أجواء العداء المذهبي التي ينفخ المتطرفون من الجانبين في نيرانها، لم يكن يحق لهذين الشابين المتدينين المحبين أن يحلما بعالم يبحث عن المتفق، ولا يجري وراء المختلف فيه ويوسعه، يقربان بالحب ما فرقته الكراهية.

لم يحضر أحد زفاف ليلى، لكن أكثر من ثلاثة آلاف شخص من السنة والشيعة -على رأسهما الشيخ حسن والسيد مصطفى- حضروا الجنازة، حتى ميشيل جاء يحمل عزاء صبحي لصلاح، وليعزيه نيابة عن الكنيسة في نيويورك.. وتنتهي الرواية بالجميع يقفون صفا ليصلوا عليها:

"الله أكبر..

وغرق المسجد كله بعدها في صمت وخشوع عميقين".

هكذا تنتهي الرواية، ويبدأ سيل الأفكار والمشاعر والرؤى التي يمكن أن يثيرها عمل أدبي بهذا الثراء، رواية تحثك على التفكير من جديد في واقعنا المتهرئ، الواقع الذي يسرح فيه العملاء والمتطرفون بأشكالهم المختلفة ليزيدوا من فرقتنا ووهننا، رواية تحثك على البحث عن الجذر المشترك، وإلا ستكون الطامة الكبرى، رواية تودعك وهي تذكرك مرة أخرى بأن "الله أكبر" من كل هذه الفوضى والكراهية والفرقة التي يزرعونها في العالم.


أديب وروائي مصري.

*طيور الجنوب، رواية، د.أماني أبو الفضل، دار الفكر المعاصر، بيروت، الطبعة الأولى، يوليو2005م.

 
أرسل لصديق أرسل لصديق

« 

ابحث

«

بحث متقدم