|
| حازم وعمرو وطارق وأحمد وقفوا لأول مرة أمام الكاميرا وطرحوا أزمة الشباب
|
تأتي خصوصية الفيلم السينمائي "أوقات فراغ" وأهميته من كونه مغايرا لتلك الموجة الشبابية التي ظهرت في السينما المصرية منذ عام 1999 حتى الآن؛ والتي لم تأخذ من الشباب إلا الاسم فقط، فأغلب أفلام تلك الموجة لم تكن كذلك سواء في أفكارها أو في الموضوعات التي قدمتها. فقد اعتمدت على "تيمات" (مضامين) تقليدية ومستهلكة وكوميدية سطحية، وظل الشباب مغيبا عن الشاشة بصورته وأحلامه ومشكلاته الحقيقية.
فالفيلم الذي يمثل بحق مغامرة فنية خاضها بجرأة المنتج "حسين القلا" حيث قدم فيلما صنَّاعُه وأبطاله بالكامل من الشباب، بداية من كاتبَيْ سيناريو الفيلم: عمر جمال ومحمود محمد، اللذين لم يتجاوزا التاسعة عشرة من عمرهما، ومرورا بأبطاله الستة (أربعة شبان وفتاتين) الذين يقفون –باستثناء راندا البحيري- أمام الكاميرا للمرة الأولى، وانتهاء بمخرج الفيلم محمد مصطفى الذي يُعَد الفيلم تجربته الإخراجية الأولى.
شباب في شباب
الفيلم ببساطة يقدمه شابان عن جيلهما، ليكون أول ما يمكن ملاحظته عليه هو أن صناعه قدموا لغة الشباب في تخاطبهم مع بعضهم البعض كما هي بدون أي رتوش مما جعلها صادمة للمُشاهد الذي يسمعها للمرة الأولى.
فهي لغة سيئة كالواقع تماما، تخدش الحياء، ومليئة بالكلمات السوقية النابية التي أصبحت لها مدلولاتها السيئة وطريقا للتواصل بين بعضهم البعض، وهو بذلك على نطاق هذا الأمر يطرح أسئلة كثيرة، فكيف إذا تعدى الأمر ذلك لما هو أخطر وأعمق.
الفيلم بما يقدمه يعرض لنماذج كثيرة من الشبان في مرحلة الدراسة الجامعية، ينتمون في أغلبهم إلى الطبقة الوسطى, لكنهم يشتركون في الهمِّ ذاته، أو في الحالة الفصامية ذاتها مع المجتمع، وإن اختلفت طبيعة علاقة كل منهم مع أسرته: فعمرو (كريم قاسم) يقيم مع والدته وشقيقته بعد انفصال والده عنهم وزواجه، ويبدو واضحا انفصال عمرو عن أسرته؛ فهو يقضي معظم وقته أمام جهاز الكمبيوتر في مشاهدة الأفلام الإباحية ويرفض اصطحاب شقيقته الصغيرة إلى أي مكان، ويقضي معظم وقته مع صديقيه: أحمد (عمرو عابد) الذي يعاني من رقابة والده الموظف المتقاعد، ويصيبه الإحباط لرؤية شقيقه الأكبر الذي أنهى دراسته ولم يعثر على عمل بعد، ويصفه ساخرا بأنه "صايع بالبكالوريوس"، وحازم (أحمد حاتم) وهو الأكثر ثراء بينهم والمدلل من أبيه وأمه، ولذلك يعتمد عليه صديقاه لامتلاكه سيارة وشقة؛ مما يمكنهم من تناول المخدرات وإحضار بنات الليل إلى شقته؛ ليمارسوا طقس "التظبيط" كما يسمونه.
علاقات مضطربة
تتبدى طبيعة "حازم" في علاقته بـ"منة" (راندا البحيري) التي "يصاحبها" بالمعنى المتداول للكلمة بين الشباب، و"منة" نموذج آخر لمشكلة التذبذب وعدم الاستقرار التي سعى المؤلفان الى تأكيد وجودها بين الشباب، فحازم الذي لا يعرف ما يريد من صديقته "منة"؛ فهو يحبها ولا يحبها، ولا يريد أن يرتبط بها؛ ليكون في حالة أشبه بالضياع في مواقفه، وغداة ما يضعه والده على المحك ويجبره على الارتباط بها -عندما يمارس معها علاقة غير شرعية- نجده يعيش حالة مضاعفة من الضياع واضطراب المواقف.
مثال آخر: "منة" الطالبة الجامعية ترتدي الحجاب يوما ثم تخلعه في اليوم التالي، تقيم علاقة مع حازم ثم تنهيها، ثم تعود إليه من جديد، ثم ينتهي بها الحال في النهاية وهي ترتدي الحجاب مرة أخرى؛ لأسباب اجتماعية بحتة لا علاقة لها بالتدين.
وعلى الجانب الآخر نرى شخصية "مي" (صفا تاج الدين)- طالبة الطب غير المحجبة التي يقدمها الفيلم على أنها الشخصية الأكثر نضجا- ترتبط بعلاقة عاطفية بـ"أحمد" أحد أطراف الشلة، ولكنها تتجاوزها إلى علاقة أقرب الى التبني؛ فهي توبخ أحمد لعدم اهتمامه بدراسته ولكذبه عليها، ولشربه المخدرات، وأحمد يعيش على الكذب على والده وصديقته مهملا دراسته ملتفا على شلل الأصدقاء وإشباع ملذاته الشخصية.
تحولات ثلاثة
يأتي التحول في مسار الفيلم على ثلاث مراحل، أولها: علاقة "حازم" بـ"منة" التي ينصرف عنها بعد أن يواقعها، ولكن ضغوط أسرته وأسرتها والتي تصل إلى ساحة القضاء تجبره على الزواج منها، لكن حتى هذا الزواج القصير ينهيه "حازم" بجملة يرددها دون أي مسئولية على تصرفه: "ما أقدرش أتجوز واحدة غلطت معاها".
ويأتي التحول الثاني حين يكتشف والد أحمد حقيقة إدمان ابنه للمخدرات فيطرده من المنزل؛ ليسعى جاهدا إلى إيجاد عمل ليصطدم بواقع لم يتخيله، حين يجد من هم أكبر منه سنا وأكثر خبرة لا يجدون عملا أيضا: "لما كل دول مش لاقيين شغل، أمَّال أنا هاعمل إيه؟" وهو نفس ما يواجهه "عمرو"، الصديق الثالث، حين يقرر التمرد على وجوده في كلية الهندسة التي فرضها عليه أبوه، ويعلن أنه يحب الكتابة ويريد الالتحاق بكلية الإعلام للعمل في مجال الصحافة، فتواجهه أمه قائلة: "لكن أنا عمري ما شفتك بتكتب حاجة" متسائلة عما إذا كان يحب الكتابة حقا أم يسعى إلى التمرد على أبيه فحسب، فيلجأ عمرو إلى أحد أقربائه العاملين بالصحافة، ولكن يواجه موقفا مشابها لما واجهه أحمد.
يكتشف الشبان أن العجز هو القاسم المشترك بينهم، فهم لا يعرفون ما يريدون أولا، ولا كيف يحققونه، ولا يدرون أي مستقبل ينتظرهم بعد تخرجهم، وكيف سيواجهون مجتمعهم.
ويأتي التحول الثالث عبر شخصية طارق (أحمد حداد) الشاب الأكثر عبثا ومرحا في المجموعة والذي يعلن صراحة أنه حاول أن يتدين لمدة شهر وفشل! لأن مشكلته هي "النسوان" والأفلام الإباحية! وهي مشكلة المجموعة برمتها. وفي أحد سهرات المجموعة المعتادة ينزل طارق من السيارة لشراء بضع زجاجات من الكحول، ويسرع في عبور الشارع ولكن سيارة تصدمه، ويسقط مغرقا في دمائه أمام أعين رفاقه ليردد وهو يتطلع الى السماء: "خايف.. خايف.. خايف.. أقابله".
عودة بلا أفق
|
|
بوستر الفيلم يعرض أبطاله الذين عكسوا عمق أزمة الشباب المصري
|
يفيق الأصدقاء الثلاثة على موت زميلهم، ليحاولوا الابتعاد عن ماضيهم، واتخاذ طريق أكثر التزاما، ولكننا نكتشف -ولا نفاجأ- أن تدينهم كان وقتيا وشكليا وآنيا فقط؛ فهو كأشياء أخرى في حياتهم، جاء سطحيا ويفتقر إلى العمق والرغبة الحقيقية؛ فتكون العودة تدريجيا إلى الطريق السابق مؤكدة، فصدمة موت صديقهم زالت، وندَمُ حازم على ضياع "مِنَّة" بعد زواجها تلاشى، وطرْد أحمد وفشله في إيجاد عمل.. كلها أمور كرست فكرة عودتهم إلى سابق عهدهم.
والسبب في ذلك واضح وبشكل جلي، فهم مجموعة ليس لديها اهتمامات أو أحلام، وبالتالي تعاني من خواء كامل، وفقدان للإحساس بالذات، والذي يتحقق لهم سلبا ووهما عبر تغييب أنفسهم عن الوعي بتعاطي المخدرات.
وهذا ما يجعل عودتهم إلى طريق الصواب أمرا مؤقتا، فيعودون إلى سابق عهدهم؛ فهم لا يمكنهم كبح جماح نزواتهم وشهواتهم، ولا يمكن لهم أن يكونوا فاعلين في المجتمع؛ لعدم تملكهم أيًًّا من أدوات المعرفة.
يبدو الفيلم قرب نهايته وقد دار بنا دورة كاملة، فـ"منة" تتزوج، ويرقبها "حازم" من بعيد بعين الندم، وتنفصل "مي" عن أحمد؛ لعدم قدرتها على تحمل كذبه عليها.
وكما بدأ المخرج "محمد مصطفى" فيلمه بمشهد في مدينة الملاهي ينهيه بمشهد مماثل في نفس المكان، ولكن عجلة الملاهي هذه المرة تتوقف فجأة ليبقى الشبان الثلاثة معلقين بين السماء والأرض، طارحين سؤالا على الجميع : "إنتوا هتسيبونا متعلقين كده؟"
إن فراغ الشباب ليس فراغ أوقات- كما يشير عنوان الفيلم- بل فراغ على المستويات كافة، فهو خواء روحي يُسأل عنه الخطابُ الديني الحالي، وفراغ سياسي تسبب فيه "تمييع" القضايا السياسية، وآخر اجتماعي أسري تُسأل عنه الأسرة، وفراغ ثقافي تسببت به الجامعات.
مآخذ وهفوات
ورغم أن الفيلم مغلف بالصدق والتلقائية من أوله إلى آخره، ويعتبر تجربة مغايرة لواقع السينما الحالي، لكنه وقع في عيوب جمة أفسدت من جمالياته كعمل سينمائي أولا، ومن عرضه لرسالته ثانيا، ومن هذه العيوب:
* غلبة الحالة الوصفية على الفيلم، والتي جاءت أحيانا على حساب الدراما، ما انتقص كثيرا من قدرته على إيصال رسالته بحبكة درامية مقنعه، فالفيلم يمثل "مادة خام" لصناعة فيلم قدم شريحة واقعية دون أن يحيطها بسياج درامي، ودون أن يقدم إشعاعا سينمائيا.
* وقع الفيلم في خطأ التعميم؛ فالشريحة التي اختارها كانت من أبناء الطبقة الوسطى، ولا يمكن القول أنها تمثل الشباب المصري، كما لم يقدم نموذجا لشاب ناجح، بل أنه كرس اتهامات طالما كيلت بحق الشباب وأثبت الحراك السياسي في مصر- في العامين الأخيرين على الأقل- عدم صحتها.
* الفيلم يصف حياة الشباب في جو أسرهم وعلاقتهم بالأهل والدين والجنس، ورغم ذلك لم يتمكن من معالجة عميقة لتلك القضايا- وتحديدا في إطار الأسرة- بل اقتصر في أحيان كثيرة، على عرض سريع وموجز لأثر الأسرة على سلوك الأبناء، وكان عرضا غير مقنع للمشاهد.
* إبراز الفجوة الكبيرة بين الجيل الجديد والمجتمع كان ضعيفا، فهو قدم نماذج شبابية لم يكن سبب فشلها وانحرافها واضحا، فهم جزء من الأمل المفقود والطموحات غير الموجودة، كما لا يعاني الشباب من فراغ مقنع، فهم طلبة في الجامعات، وأسرهم تهتم بهم وتلبي الكثير من رغباتهم، لكن فيما يبدو أن الشباب هو الذي كبُرت ثورة حاجاته، وبالتالي أصبح يريد الكثير بما لا تفهمه الأسرة ولا تضعه في الحسبان.
* أسرف الفيلم في تقديم العشرات من التصرفات والسلوكيات السلبية للشباب، كذلك قدم حوارا شبابيا، حتى وإن كان واقعيا، فقد كان صادما، وهابطا للغاية، عبر تكرار الألفاظ السوقية، وإطلاق الشتائم واللعنات، كما أسرف في تقديم تعاطيهم للمخدرات، وتحديدا "البانجو"، حيث لا تخلو مجموعة مشاهد من مشهد يعكس ذلك.
إيقاع شبابي سريع
|
|
أحمد حداد في دور طارق
|
ومع ذلك فإن الفيلم برع في تصوير وعكس واقع نموذج محدد من الشباب، عبر استخدام تقنيات وفنيات الإخراج؛ فالإيقاع سريع، والكاميرا تتحرك وتدور لالتقاط تفاصيل عبث الشباب وحراكهم السلبي، والصور كذلك تنقلك بسرعة إلى أماكن متنوعة: ساحات عامة، ونواد، ومقاه، وملاه، وحدائق ألعاب، وباحات جامعات، إضافة إلى نوعية الموسيقى التصويرية التي رافقت المشاهد.
كل ذلك خدم رسالة الفيلم بما رافقه من تمثيل متقن وأداء طبيعي، وإن لم يصل لدرجة الاحترافية؛ كونه العمل الأول لأبطاله.
وظهر إبداع العمل عبر عدد من المشاهد القوية والمؤثرة نذكر منها: مشهد حادث اصطدام طارق أثناء قطعة للشارع، فقد كان مؤثرا وقويا للغاية، دلل بشكل عميق على بشاعة الحالة التي وصل إليها الأصدقاء.
وحمل مشهد الختام رمزية عالية ومؤثرة، حيث يدور الشباب الثلاثة على عجلة الملاهي التي تتوقف بهم فجأة بعد تماس كهربائي؛ ليكون المشهد معبرا: الأصدقاء الثلاثة معلقون عاليا والناس تتحرك أسفلهم، الحياة تدور وهم مكانهم في حالة ضياع تام، يصرخون دون مجيب، يهددون، ويطالبون الناس بالتدخل لإنقاذهم، ولا أحد يسمع صوتهم، تُطفأ الأنوار في مدينة الملاهي، ويغادر الناس، والشباب ما زالوا معلقين دون أن يساعدهم أحد أمام صيحاتهم التي تعلن: "حد يشوف لنا حل".
الخطير في هذه النهاية القاتمة يتمثل في كون الفيلم يقدم رؤية شبابية لواقع شبابي؛ لتأتي النهاية مركزة على التماس حل مشاكلهم من الغير، وكأنهم ليسوا جزءا من المشكلة، فالحل المطلوب من غير ذات الشباب، ودون أن يكون لهم دور فاعل تجاه أنفسهم وواقعهم، وهذه حتما رؤية القائمين على العمل، حيث يستهلكهم اليأس ويستحيل معه التفكير بالمستقبل.
فالشباب بقي معلقا طارقا الأبواب باحثا عن حل في بئر واقعه الصعب، والحياة تدور وتتحرك، وهو بذلك يطرح أسئلة مغايرة، ليست مبهجة أبدا، بل مؤلمة، فاجعة، بقيت معلقة في رقاب كل من شاهد الفيلم الذي يعد وثيقة إدانة للواقع بمستوياته وشرائحه.
ناقد فني ومحرر في النطاق الثقافي والفني في شبكة إسلام اون لاين.
|