|
| الملا داد الله (يمينا) وبن لادن |
ارتسمت أخيرًا علامات الفرح والنصر في وجوه كثيرين من أعداء طالبان الداخليين والخارجيين عندما تأكد مقتله، وتنفس الصعداء كثيرون ممن أزعجهم دخان الحرائق التي أشعلها هذا الرجل في الجنوب الأفغاني منذ ما يقارب سنتين، فقد أعلن مقتل القائد العسكري العام لقوات لحركة طالبان "الملا داد الله" صباح الأحد 13 مايو 2007، في مواجهة عسكرية مع الجيش الأفغاني وقوات حلف الناتو بولاية هلمند جنوب أفغانستان.
ولا شك أن رحيل شخصية من صفوف طالبان بحجم داد الله، يثير الكثير من التساؤلات حول مستقبل المقاومة التي تبديها الحركة في الولايات الجنوبية وحول خلفائه المحتملين وقدرتهم على ملء الفراغ الكبير الذي تركه هذا القائد العسكري الهام، وتأثير غيابه على جهود الحوار والمصالحة التي تتحدث عنها كابول وبعض العواصم الإقليمية والدولية.
من هو الملا داد الله؟
برغم ظهوره الإعلامي القوي في الفترة الأخيرة خلافًا لبقية قادة طالبان، ما زالت المعلومات المجتمعة زهيدة عن هذا الرجل الأول في الهرم العسكري في حركة طالبان في مرحلة ما بعد سقوط نظامها عام 2001.
تقول المعلومات المتوفرة عنه إنه من مواليد عام 1966 في ولاية أورزغان في أسرة بشتونية من قبلية كاكر، وإن كانت هناك معلومات تقول إن الأسرة عاشت فيما بعد في مديرية أرغنداب بولاية قندهار.
ومن المحتمل أنه شارك في الجهاد ضد الروس والشيوعيين كمجاهد عادي، غير أنه يعتبر من أوائل من انضموا لحركة طالبان وأبدوا تفانيًا في قتال مناوئي الحركة، وقد فقد رجله اليسرى عام 1995 في معارك ضد قوات والي ولاية هرات غرب أفغانستان آنذاك القائد "إسماعيل خان (وزير الماء والكهرباء حاليًا).
ولم يمنعه بتر ساقه اليسرى من خوضه المعارك ضد القوات المناوئة للحركة، إذ برز اسمه في الإعلام بعد قيامه بمذبحة كبيرة في منطقة يكاولنج بولاية باميان وسط أفغانستان بحق الهزارا "الشيعة"، مما أسفر عن مقتل العديد من المواطنين العزل. وأثارت هذه المذبحة الكثير من الضجة، الأمر الذي دفع الملا عمر للتوقف عن العمل العسكري واستدعاءه لقندهار عام 2000 برغم أهميته العسكرية في معارك الشمال.
غير أن سخونة المواجهات في الشمال خصوصا في فترة ما بعد أحداث سبتمبر 2001 دفع الملا عمر إلى الاستفادة من قدرات داد الله العسكرية في حفظ الخطوط الشمالية. واستطاع داد الله قيادة المقاومة في الشمال بجانب القائد الطالباني الآخر الملا فاضل لفترة طويلة حتى بعد سقوط كابل. غير أنه في الأخير آثر الملا فاضل التفاوض مع قادة عبد الرشيد دوستم في مزار شريف أواخر 2001 بدل الاستسلام لقوات أحمد شاه مسعود في قندز، خوفًا ربما من تعرضه للانتقام لمقتل أحمد شاه مسعود وتم تسليمه للأمريكيين وهو الآن في معتقل جوانتانامو، إلا أن الملا داد الله وبمساعدة بعض قادة منتمين لدوستم -وعلى الأرجح بدفع مبالغ ضخمة- استطاع الهروب من الشمال إلى قندهار، وبعد سقوط قندهار اختفى بين أبناء قبيلة كاكر في المناطق القبلية في باكستان.
وقد ظهر اسم الملا داد الله ضمن المجلس العسكري الأعلى لحركة طالبان، والمكون من عشرة قادة أعلن عنهم الملا عمر عام 2003، وبدأت تصريحات الملا داد الله تغزو وسائل الإعلام وربما كان أشهرها تصريحه في مايو 2004، حينما صرح أن قادة الجهاد السابقين مثل برهان الدين رباني وسياف وإسماعيل خان يبدون تأييدهم وتعاونهم مع طالبان، الأمر الذي رفضته الشخصيات الثلاثة في حينه.
ومع تصاعد وتيرة أعمال العنف في الجنوب ارتبط اسم داد الله بهذه العمليات التي طالت القوات الأمريكية والدولية والقوات الأفغانية، وحصدت الكثير من أرواح المدنيين. وقد أعلنت الحكومة أكثر من مرة مقتل داد الله أو إلقاء القبض عليه، لكن كل الدعاوى كانت تسقط بظهوره الإعلامي مجددًا.
وفي باكستان المجاورة حيث يعيش معظم قادة طالبان ويتم تجهيزهم وتدربيهم فيها، أصدرت محكمة باكستانية في إقليم بلوشستان حكما ضد داد الله في ديسمبر 2005 بالسجن المؤبد، نظرًا لاشتراكه في محاولة قتل أحد زعماء جمعية علماء الإسلام الباكستانية وعضو البرلمان مولانا محمد خان شيراني الذي كان ينتقد سياسات طالبان برغم تأييد جمعية العلماء الكامل لطالبان حتى اليوم.
وخلافًا لباقي زعماء طالبان وقادتها الذين آثروا الابتعاد عن أضواء الإعلام، كثف داد الله حضوره الإعلامي عبر تصريحات صحفية وإذاعية وتلفزيونية آخرها لقاء مع قناة الجزيرة في 25 إبريل 2007. ويعتقد أنه كان يلعب دورًا هامًّا في علاقات طالبان الخارجية مع حلفائها داخل قبائل باكستان وكذلك مع تنظيم القاعدة. ومن المحتمل أن يكون له دور في إقناع طالبانيين "باكستانيين" في عقد اتفاقيات سلام مؤقتة مع الجيش الباكستاني لتوجيه الجهود العسكرية نحو أفغانستان، كما أن التقارير التي كانت تتحدث عن تنسيق عالي المستوى بينه وبين بن لادن وتخطيطهما لعمليات عسكرية، أضفى على داد الله بعدًا جديدًا في شخصيته السياسية خصوصًا داخل الدول العربية والأوساط المؤيدة للقاعدة، الأمر الذي ربما قد فتح على طالبان أبوابا جديدة من التمويل والتأييد، وساهم في عودتها مرة أخرى بقوة منذ ما بقرب من عامين.
وقد عرف الرجل بشجاعته وإقدامه عند مؤيديه، وقسوته ووحشيته عند أعدائه، واستنسخ أساليب المقاومة العراقية في حربه ضد القوات الأمريكية وقوات حكومة كابل، من تيسير العمليات الفدائية والسيارات المفخخة والتفجيرات على الطرق وخطف الرهائن والتشدد مع المتعاونين والجواسيس. وكان يقود حسب تصريحاته الأخيرة أكثر من 6 آلاف مقاتل بينهم مئات الشباب المستعدين للعمليات الفدائية.
من يملأ الفراغ؟
السؤال الأكثر إلحاحًا في المشهد الطالباني هو: من يملأ الفراغ الذي تركه الملا داد الله في قيادة قوات طالبان في الجنوب الأفغاني الملتهب؟.
تتجه الأنظار حاليًّا إلى الملا محمد عمر زعيم حركة طالبان حتى يعلن خليفة داد الله في قيادة قوات طالبان في الجنوب، وهو ما جرت عليه طقوس الحركة في مثل هذه الحالات، وفي ظل غياب أي أسماء لامعة عسكريًّا، من الصعب التوقع باسم أو مجموعة أسماء محددة.
ولكن ما يبدو ظاهرًا أن مقتل داد الله يعتبر ضربة قوية لكيان طالبان العسكري على المدى القريب، وإن كان هناك من يقلل من تأثير غيابه على معترك الأحداث في الجنوب على المدى البعيد.
ويرى معظم المراقبين أن غياب داد الله قد يؤثر على المدى القريب والبعيد في أداء الحركة العسكري في الجنوب؛ نظرًا لشخصية داد الله العسكرية وخبرته وعلاقاته المتشعبة بجهات داخلية وخارجية، مما قد يتطلب الكثير من الوقت لخليفته أن يكونها في ظل القتال الدائر هناك، والضغوط التي قد تمارس على الحركة في الداخل والخارج.
ويذهب أصحاب الرأي المتفائل بقدرة طالبان على ملء الفراغ على المدى البعيد أو القريب ربما إلى امتثال الحركة لأوامر زعيمها الروحي الملا عمر، ومن ثم القتال تحت القيادة الجديدة أيا كان من سيتولاها.
ويبدو هذا الرأي منطلقًا من تجارب سابقة للحركة التي فقدت الكثير من قادتها دون أن تتأثر كثيرًا في أدائها العسكري، آخرهم "الملا أختر عثماني" الذي قتل العام الماضي في هلمند إثر غارة جوية أمريكية.
لكنّ كثيرين يشككون في قدرة الحركة على إيجاد شخصية قوية مثل داد الله بمثل خبراته العسكرية وعلاقاته الأمنية والسياسية وصيته الشعبي والإعلامي، يكون قادرًا على التعامل مع متطلبات المرحلة العسكرية والأمنية والسياسية.
ويقرأ البعض مقتل داد الله انعكاسا لخلافات قبلية داخل حركة طالبان بين قبيلة غلجائي التي ينتمي إليها الملا عمر والملا داد الله وغيرهما من معظم قيادات طالبان، وبين قبيلة دراني التي تسكن معظم مناطق الجنوب خصوصًا قندهار وهلمند، والتي تعتبر نفسها الأحق بقيادة البشتون تاريخيًا.
ومع أن هذه القراءة الأخيرة مبنية على دراسات غربية متعمقة للتركيبة القبلية داخل البيت البشتوني، وقد يكون تفسيرًا أكاديميًّا يتم استغلاله سياسيًّا الآن، فإنه لا يمكن غض الطرف عنه في ظل بعض التحركات التي تشهدها المنطقة مؤخرًا لإدخال حركة طالبان ضمن الخريطة السياسية لنظام أفغانستان عبر فتح الحوار وتشكيل جناح سياسي معترف لها، وهذا قد يتطلب إبعاد العناصر المتشددة وإفساح الطريق أمام عناصر أخرى أكثر انعطافًا للحلول السياسية.
من المتوقع -عسكريًّا- أن تتواصل الضغوط العسكرية على طالبان في الجنوب لتحقيق نصر يحتاجه الناتو، ومن قبله الرئيس بوش المتورط في العراق وأمام الكونجرس "الديمقراطي" في واشنطن. كما أن حكومة الرئيس كرزاي لا تستغني عن تحقيق مثل هذا النصر خصوصًا في ظل ما تعانيه من ضغوط داخلية كبيرة من البرلمان الأفغاني مؤخرًا وتحديدًا حول الملف الأمني بالبلاد.
وبما أن أسباب التوتر في الجنوب الأفغاني لا تكمن فقط في وجود قادة طالبان من أمثال داد الله، فمن الصعب الاعتماد على فرحة النصر المتهلهلة في وجوه زعماء كابل وقادة الناتو في إطفاء حرائق الجنوب بهذه السرعة، بل يتطلب الأمر جهودا سياسية وتنموية واقتصادية واجتماعية، متضافرة لإعادة الأمن والاستقرار الحقيقيين في هذه المناطق التي عانت الكثير تحت اسم "الحرب على الإرهاب"، ومطاردة فلول القاعدة وطالبان.
كاتب ومحلل سياسي أفغاني.
|