English

 

الثلاثاء. ديسمبر. 5, 2006

ثقافة وفن » مساحات ثقافية

 

لماذا استمر مشروع حسن البنا؟

مصطفى عاشور

الدكتور أحمد العسال يتوسط صلاح عبد المقصود يميناً وسيف الإسلام حسن البنا يساراً
شاهد: 
شاءت الأقدار أن يكون هذا العام هو المئوية الأولى لمولد "الإمام حسن البنا" مؤسس جماعة الإخوان المسلمين، أما بداية العام فهي ذكرى استشهاده بعد ما يقرب من 49 عاما قضاها في الجهاد والدعوة.

ورغم أن الرجل كان من المؤثرين في حياة الشرق الإسلامي، ومن العلامات المؤثرة التي لا يمكن تجاوز حضورها الطاغي وتأثيرها الكبير في تلك الحقبة من التاريخ التي شهدت أهم تحولات عايشتها المنطقة، فإنه لم يأخذ حظه من الدراسة والتحليل، نظرا لأن البعض خلط بين شخصية البنا والتوتر الذي أصاب العلاقة بين جماعة الإخوان والسلطة في عدد من البلدان، ومن بينها مصر على وجه الخصوص، فتعرض شخصه لمحاولات كبيرة من التغييب وإهالة التراب على الذاكرة، وكأن البنا لم ينبت من الأرض المصرية.

ويلاحظ أن تاريخ البنا -نظرا لأن الرجل كان رجل حركة- كان جزء كبير منه تاريخا شفويا، فالبنا زار خلال حياته ما يقرب من ثلاثة آلاف قرية مصرية من أصل أربعة آلاف، وزار غالبية المدن المصرية، والتقى بآلاف الشخصيات، وعندما تفتح ذاكرة ومذكرات عدد لا بأس به من الشخصيات التي عاصرته تجد أن هناك كمًّا من ذلك التاريخ الشفهي يحتاج إلى تجميع وتبويب؛ لأن البنا لم يدخل المعمل لينتج أفكارا، بل نزل إلى أرض الواقع، وحاول أن يطور فكره ويبنيه على الأرض قبل أن يبنيه في كتاب معين.

وفي هذا الإطار شهدت القاهرة -في 29 نوفمبر الماضي- احتفالا بحثيا بمئوية الإمام البنا نظمه مركز الإعلام العربي تحت عنوان: "المشروع الإصلاحي للإمام البنا.. تساؤلات لقرن جديد"، شارك فيه عدد من الأساتذة، منهم: الأستاذ "فريد عبد الخالق" أحد رفقاء الشيخ البنا، وكذلك نجل البنا "أحمد سيف الإسلام"، إضافة إلى عدد من المفكرين والباحثين الذين قدموا أوراقا حول الموضوع، وفي مقدمتهم: الدكتور أحمد العسال رئيس الجامعة الإسلامية العالمية بباكستان سابقًا، والدكتور محمد عمارة، والدكتور عبد الحميد الغزالي أستاذ الاقتصاد بجامعة القاهرة، والدكتور عمرو الشوبكي الخبير بمركز الدراسات السياسية والإستراتيجية بالأهرام، والدكتور عبد الوهاب المسيري، والدكتورة أماني أبو الفضل، والمفكر القبطي الدكتور رفيق حبيب، والدكتور صلاح عبد المتعال أستاذ علم الاجتماع، والدكتور سيد دسوقي حسن أستاذ هندسة الطيران بجامعة القاهرة، والدكتور عبد الرحمن النقيب أستاذ أصول التربية بجامعة المنصورة، والدكتورة مكارم الديري أستاذة الأدب والنقد بجامعة الأزهر، والفنان عبد العزيز مخيون.

موقع البنا الإصلاحي النهضوي

الدكتور محمد عمارة أثناء إلقاء كلمته 

وقد طرحت الندوة -رغم اللغة الاحتفائية التي تم بها الحديث عن البنا- مجموعة من الأوراق والكلمات المهمة حول المشروع الإصلاحي التجديدي لحسن البنا، باعتباره مشروعا نهضويا نبت من الأرض ليجيب عن مجموعة كبيرة من الأسئلة، ويواجه قدرا غير عادي من التحديات على المستوى الفكري والوطني والدولي.

وجاءت ورقة وكلمة الدكتور "محمد عمارة" تحت عنوان: " التجديد في المشروع الحضاري للإمام حسن البنا"، وأكد فيها رفضه الموافقة على أن السياسة لم تكن موجودة في فكر الشيخ البنا، فالرؤية السياسية كانت موجودة في فكره منذ عام 1927، غير أن مدرسته الفكرية كانت تقوم على أن الأمة قبل الدولة، والتربية قبل الحزبية، ومن ثم فمنهجه الإصلاحي جعل الإنسان قبل البنيان، فالمطلوب هو إعادة صياغة الإنسان.

ورأى عمارة أن البنا هو امتداد لمدرسة الإصلاح والنهضة التي سبقه إليها الشيخ جمال الدين الأفغاني والإمام محمد عبده والشيخ رشيد رضا، وكانت هذه النقطة واضحة في ذهنه، ولعل هذا ما جعله يبدأ في تفسير المنار من حيث توقف الشيخ رشيد رضا على اعتبار أن الجميع حلقة متواصلة لا انقطاع فيها.

وأن ميزة البنا أنه انتقل بالقضية الإصلاحية من الإطار النخبوي إلى المجتمعي، ولعل ذلك يرجع إلى أن الهجمة التغريبية لم تعد واقفة على الباب، وكما يشير الفقهاء أن عموم البلوى يطالب بالتطور، ومن ثم فتم استدعاء الأمة إلى الساحة من خلال تنظيم جماهيري، كما أن مرحلة الأفغاني ومحمد عبده ركزتا على نقد التخلف، أما مرحلة البنا فركزت على نقد الهيمنة الغربية.

وفي إطار تقييمه للمرحلة الحالية من حياة الحركة أشار عمارة إلى أن الملاحظ أن الحركة الإسلامية بدأت ترشح عليها أفكار ليبرالية، وسلوكيات وأفكار من بلاد الخليج لم تكن الحركة في بداية عهدها على علاقة بها (طالع ملخصا لورقة الدكتور عمارة).

الإخوان جماعة اجتماعية

الدكتور رفيق حبيب أثناء إلقاء كلمته 

ومن الكلمات المهمة التي شهدتها الندوة كلمة وورقة الدكتور "رفيق حبيب" بعنوان: "مستقبل رسالة البنا" التي ذكرت أن تجربة البنا هي تجربة في تغيير هذه الأمة، وكيفية الإجابة عن سؤال النهضة.

وطرح رفيق تساؤلات، منها: لماذا استمرت تجربة البنا ودعوته مقارنة بدعوات أخرى؟

وأشار إلى أن الإجابة عن هذا السؤال شديدة الأهمية، فدعوة البنا قامت على أساس التعبير عن الأمة وعن تراثها، ففكرة شمولية الإسلام واستعادة دوره للحياة مرة أخرى كانت فكرة بسيطة ومركبة في ذات الوقت، واستطاعت أن تصل إلى الناس جميعا، كما أن جوهرها في الواقع كان ضد من يملك السلطة الذي كانت مرجعيته غربية في الأساس.

كما تساءل عن الأسباب التي أدت إلى استمرار الجماعة طوال هذا الوقت كله، وأشار رفيق إلى أن أهم ما أدركه البنا أن الفكرة لا تستمر بدون تنظيم يحملها، وأن التنظيم لا يحقق تماسكه بدون تربية، كما أن التنظيم يجب ألا يكون هو التجسيد الوحيد للفكرة.

فالتنظيم كان العمود الفقري لاستمرار رسالة حسن البنا، على اعتبار أن الأفكار لا تبني نفسها على أرض الواقع، ورغم ذلك فالتنظيم يعد من نقاط قوة الجماعة، وفي ذات الوقت من نقاط ضعفها، ونقطة الضعف أو القوة ترتبط بمسألة التوازن بين مبدأ الشورى ومبدأ السمع والطاعة، فالتوازن بين الأمرين كان مصدر القوة، وعندما يختل هذا التوازن نكون أمام حالة ضعف.

وأشار رفيق إلى أن التربية أخذت مكانة كبيرة في الجماعة، وأن البنا استخدم التربية كعماد لجماعته، وتلك الرؤية غابت عن كل الحركات السياسية والإصلاحية، فمسألة التربية (أو التنشئة السياسية بالمصطلح الحديث) أثرت على طبيعة الجماعة، وجعلتها أقرب إلى الحركة الاجتماعية منها إلى الحزب السياسي.

كما أن تبني الجماعة لمنهج التدرج الإصلاحي -الذي يرفض حرق المراحل الإصلاحية أو القفز عليها، مع الاهتمام بإصلاح الناس ونفوسهم كطريق لإصلاح الحكم- جعل الجماعة في المقام الأول جماعة اجتماعية لها دور سياسي، فهي لم تقم من أجل السياسة، ومن هنا فإن الحركات الاجتماعية تبقى، والدور السياسي بدون حركة اجتماعية قد ينجح لكنه لا يستمر.

وتساءل رفيق: هل استطاعت جماعة الإخوان أن تجدد في فكر الإمام البنا؟

ورأى أن الجماعة غلب عليها الحركة، فكانت تطور الفكر بالحركة، كما أنها اقتربت من أفكار متنوعة لكنها لم تكن تتبناها إلا في إطار حركة، فالبنا لم يكن مفكرا معمليا بقدر ما كان مفكرا حركيا.

والجماعة تاريخها معقد ومركب، فهي مرت بمراحل تاريخية متنوعة، وهي تتعامل مع تاريخها ولا تريد أن تفصل بين مراحله، وربما هناك حساسية من مراجعة بعض المراحل التاريخية.

وحذر من أن رسالة الجماعة ستستمر لكن شريطة ألا يتحول التنظيم إلى غاية، كما حذر من أن إهمال التنظيم يضعف رسالة الجماعة، وأنه من الضروري استمرار التوازن بين التربية والتدرج والتنظيم في إطار من الفاعلية، فذلك الكفيل باحتفاظ الجماعة بنشاطها ووجودها.

أما الدكتور عمرو الشوبكي فرأى في كلمته أن الجماعة بحاجة ماسة إلى اتخاذ موقف من التحديات، وأن تنتقل من ثوابت الأمة إلى السياسة وتفصيلاتها، وأن ذلك يجعل الجماعة أمام المرحلة الثانية من التأسيس، حيث يصبح التحدي أمام الإخوان هو طرح إجابات عن التفاصيل، غير أن البعض من حضور الإخوان رفض ما طرحه الشوبكي خاصة الدكتور عبد الحميد الغزالي -أحد قيادي الجماعة- الذي رأى أن الإخوان ليسوا أمام مرحلة ثانية من التأسيس.


مدير تحرير نطاق "ثقافة وفن" في شبكة إسلام أون لاين.

 
أرسل لصديق أرسل لصديق

« 

ابحث

«

بحث متقدم