English

 

الخميس. مايو. 10, 2007

أخبار وتحليلات » تحليلات وآراء » أوروبا وأمريكا الشمالية وأستراليا » أوروبا

 
   
روابط من إسلام أون لاين  
أهم الأخبار  

ساركوزي.. من سياسة فرنسا "العربية" إلى "الإسرائيلية"

محمد جمعة

Image
بعد فوز ساركوزي.. هل أصبحت سياسة فرنسا "إسرائيلية"؟
ليس لكونه ينحدر من أصول يهودية فحسب، وإنما لقناعاته الفكرية، وتوجهاته السياسية، تتخوف الكثير من الدوائر السياسية العربية عامة، والفلسطينية خاصة، ناهيك عن الفرنسيين من ذوي الأصول العربية، من صعود "نيوكولا ساركوزي" إلى سدة الحكم في فرنسا.

فساركوزى الذي تربى على تعاليم الدين اليهودي ـ قبل أن يعمد كاثوليكيًا ـ والانتصار لليهود، خاصة وقد عايشت والدته (أندريه ملاح ابنة طبيب يهودي من سالونيكيا اليونانية) ويلات الحرب العالمية الثانية، لا يخفي منذ فترة انحيازه لإسرائيل ومناصرته لها.

وقد ظهر ذلك جليًا في تصويت يهود فرنسا له، واحتفال رئيس وزراء إسرائيل "أولمرت" وزعيم حزب الليكود "نيتانياهو" بفوزه. ناهيك عن تأكيده في أحد خطاباته بأنه لن يتساهل مع كل ما يمس حق إسرائيل في الأمن، ما يعني أن إسرائيل بصعود "ساركوزى" كسبت صديقًا جديدًا لها، لن يتوانى في اتخاذ نفس مواقفها، والدفاع عن وجهات النظر الإسرائيلية، على صعيد مختلف القضايا الإقليمية بالشرق الأوسط، وليس المشهد الفلسطيني/الإسرائيلي وحده.

مشهدان وتوجهان متباينان

وإذا كانت التجربة أثبتت أن التصريحات التي يتم الإعلان عنها، وتداولها أثناء الحملة الانتخابية، لا تأخذ طريقها بالضرورة نحو التنفيذ، عندما يصبح المرشح للرئاسة رئيسًا منتخبًا، لأن الواقع والمصالح المتغيرة وتداعيات الموقف الدولي تلعب دورًا رئيسيًا في رسم السياسات الخارجية، إلا أن ما يهمنا في هذا السياق الإشارة إلى أن ما يمكن أن تنطوي عليه مواقف ساركوزي في الشرق الأوسط، وتحديدًا الملف الفلسطيني/الإسرائيلي، لم يعبر عنها الرجل فقط أثناء حملته الانتخابية، بل تم التعبير عنها طوال شغله لمناصب وزارية وقيادية في بلاده، ما يعني أنها لم تكن حاجة انتخابية، بقدر ما كانت تمثل جزءا من بنية الرجل العقائدية، وتوجهاته السياسية، واستمرت معه أثناء الحملة الانتخابية، ليس فقط لجلب المزيد من أصوات الناخبين اليهود والمؤيدين لإسرائيل (الذين صوتوا له بالفعل) بقدر ما كانت تمثل نوعا من "الانتماء" الواقعي لوجهة نظر لا تختلف كثيرًا عن تلك التي يتبناها عتاة القادة الإسرائيليين، خاصة من اليمين واليمين المتطرف.

والشاهد أن إصدار إسرائيل لطابع بريدي يحمل صورة ساركوزي، قبل فترة وجيزة من انتخابه رئيسًا فعليًا، ما هو إلا تعبير عن شكل العلاقة التي تريدها إسرائيل معه، ليس فقط باعتباره مساندًا لمواقفها بل أنهم يريدونه وكأنه ينتمي للدولة العبرية. ويعبر عن ذلك أصدقاء الرجل المقربون، الذين هم في الغالب من الإسرائيليين، وليس اليهود فقط.

ويمكن النظر إلى الدور الذي يضطلع به بعض هؤلاء مثل "بيير ليلوش" النائب في الجمعية الوطنية الفرنسية، ورئيس جمعية الصداقة مع إسرائيل، وعضو لجنة الشئون الخارجية، ورئيس مجموعة دراسات التسلح بالجمعية الوطنية الفرنسية، والذي يقوم حاليًا بدور هام بين وزارة الدفاع الفرنسية وإسرائيل. كذلك "بارنو كلارسيفلد" الذي تربطه بساركوزى علاقة قوية، وهو يحمل الجنسية الإسرائيلية إلى جانب الجنسية الفرنسية، وكان قد خدم عامًا كاملاً في سلاح حرس الحدود الإسرائيلي، ويعد أحد أهم قادة "منظمة الدفاع اليهودية"، وهي المنظمة التي تعمل الآن بحرية مطلقة في فرنسا، رغم حظرها في الولايات المتحدة، حيث لعب وزير الداخلية السابق – ساركوزى – دورًا مهمًا في عدم حظر هذه المنظمة الإرهابية.

ومن ها يجوز القول أن السياسة الفرنسية التي ظلت على مدار الثلاثين عامًا الماضية عنصر توازن ضروري بين ضفتي الأطلسي، وقدمت نفسها كندٍ للولايات المتحدة، والحامي للهوية الأوروبية ـ وصفها "دونالد رامسفيلد" وزير الدفاع الأمريكي السابق بـ "أوربا القديمة" ـ لن تكون بالقوة ذاتها التي اتسمت بها في عهد الرئيس شيراك.

وثمة مشهدان يختصران ما يمكن قوله في هذا الإطار، عن مدى الاختلاف المتوقع بين سياستين ومنهجين، بل وبين انتماءين! المشهد الأول كان في 22 أكتوبر 1996، حيث صرخ الرئيسي الفرنسي جاك شيراك، في وجه رئيس الشرطة الإسرائيلي في مدينة القدس المحتلة، بالإنجليزية محتجًا على التدابير والإجراءات التي اتخذتها الشرطة الإسرائيلية لإفشال زيارة الرئيس الفرنسي لمناطق السلطة الفلسطينية، قائلاً: "ماذا تريد؟.. أتريدني أن أعود إلى طائرتي؟ أن أعود إلى فرنسا؟". أما المشهد الثاني فكان في العام 2003، عندما قام ساركوزي وزير الداخلية في ذلك الوقت بزيارة إلى إسرائيل، مفتخرًا بأن فرنسا أكثر دولة تشهد محاكمات للساسة والمثقفين بتهمة العداء للسامية.

العرب ومصالح فرنسا

وقد يقول قائل، إن السياسة والمصالح العليا لدولة ديمقراطية عظمى بحجم فرنسا ومكانتها، تقررها وتصنعها مؤسسات، كذلك هناك دائمًا ضوابط ونواظم وعوامل موضوعية مرتبطة بتاريخ هذا البلد، تؤثر على سياسات القيادات.. رغم وجاهة هذا القول، إلا أنه لا ينفي في ذات الوقت حقيقة أن السياسة الخارجية لفرنسا، تتأثر حتمًا بهوية ساكن "الإليزيه“، خاصة إذا كانت له شخصيته وطموحه، كالساكن الجديد الذي لا تزال لمواقفه أصداء تتردد في شوارع باريس بل وعواصم المنطقة برمتها، ناهيك عن أن السياسة الخارجية لفرنسا يرسمها تحديدًا رئيس الجمهورية، بخلاف السياسة الداخلية التي تخضع لاجتهادات الوزراء، ورقابة ومحاسبة الجمعية الوطنية.

بل حتى وزير الخارجية الفرنسي في كل الأحوال يخضع بشكل مباشر للسياسات التي يرسمها الرئيس الفرنسي. وتلك السياسات لا تخضع في الغالب لرقابة أو محاسبة الجمعية الوطنية بالضرورة، ما يفتح مجالاً واسعًا أمام ساركوزي لرسم سياسته الجديدة تجاه إسرائيل دون معارضة حقيقية من جانب الجمعية الوطنية أو الحكومة، حتى لو كانت الجمعية الوطنية تضم معارضة قوية، وهو ما يمكن حدوثه مع الانتخابات التشريعية التي ستشهدها فرنسا في يونيو المقبل 2007، مع أن كافة المؤشرات تشير إلى أن ساركوزي وحزبه ربما سيحظيان على أغلبية كافية تضمن أن يكون رئيس الوزراء أيضًا من حزب ساركوزي.

ما يمكن قوله إذن، أنه في عهد "شيراك" كان هناك ما يسمى بـ "سياسة فرنسا العربية" للتعبير عن مواقف الرئاسة الفرنسية، إزاء مجمل القضايا العربية، وفلسطين والعراق على وجه التحديد. ورغم أن هذه السياسة شهدت تراجعًا في السنوات الأخيرة، إلا أن ذلك يعود بالأساس إلى تقارب رسمي عربي مع واشنطن، جعل سياسة فرنسا العربية تميل إلى الفتور. أما الآن فإن "سياسة فرنسا الإسرائيلية" تشهد متغيرًا حقيقيًا، يطال المنطقة العربية في الصميم.

وإذا كانت للمصالح تأثيرها الكبير في رسم السياسات والتوجهات، وفرنسا لن تضحي بمصالحها في العالم العربي بهذه السهولة، إلا أن هذا بدوره يعتمد على العرب أنفسهم، وعلى كيفية تعاطيهم مع المتغيرات المحتملة، واحتمالات تداعياتها على مصالحهم وقضاياهم. بمعنى أنه إذا لم تتوفر تلك المصالح، من وجهة النظر الفرنسية، في المنطقة العربية، فإن ذلك سيسهل على ساركوزي رسم سياسة إسرائيلية لفرنسا.


باحث متخصص في الشئون الفلسطينية.

 

أرسل لصديق أرسل لصديق

 

 

«

ابحث

«

بحث متقدم

أخبار وتحليلات
  ساحات الحوار
أخبار وتحليلات
خدمات