English

 

الأربعاء. مايو. 9, 2007

أخبار وتحليلات » تحليلات وآراء » أوروبا وأمريكا الشمالية وأستراليا » أوروبا

 
   
روابط من إسلام أون لاين  
أهم الأخبار  

مسيرة التميّز الأوروبية مستمرّة مع مختلف الأطياف الحزبية

من ميركل إلى ساركوزي.. أوروبا على يمين واشنطن ويسارها

نبيل شبيب

Image
في الوقت الذي تزداد فيه مؤشرات انتقال السلطة في الولايات المتحدة الأمريكية من اليمين الجمهوري إلى اليسار الديمقراطي -وإن اضمحلّت الفوارق بين يمين ويسار إلى حدّ كبير- يبدو أنّ الديمقراطيات الأوروبية تشهد تحوّلا معاكسا باتّجاه اليمين. وأبرز ما أعطى هذا الانطباع انتخاب ساركوزي رئيسا فرنسيًا، بعد وصول ميركل إلى السلطة بألمانيا، إلى جانب مؤشرات التحوّل الجاري في رأس السلطة في بريطانيا.

ويضاف إلى ذلك الانطباع بأنّ هذا التحوّل يعني توثيق العلاقات الأوروبية-الأمريكية رغم ما تشهده لقاءات حلف شمال الأطلسي من خلافات واضحة للعيان. فهل يمكن القول إذن إنّ السياسات الأوروبية التي قطعت شوطًا طويلاً على طريق الاستقلالية والتميّز تجاه واشنطن نكصت على أعقابها من جديد؟. وما هي النتائج على الساحة الدولية، وتجاه قضايا البلدان العربية والإسلامية تخصيصا؟.

أوروبا بين اليمين واليسار

لا يمكن التعميم بقول قاطع حول اتجاه الريح ما بين يمين ويسار في أوروبا لأسباب عديدة، في مقدّمتها:

1- اليسار الأوروبي كما عُرف في حقبة الحرب الباردة، لم يعد له وجود، فالأحزاب الشيوعية والاشتراكية والديمقراطية الاشتراكية، تبنّت في هذه الأثناء مناهج اقتصادية تعتمد على اقتصاد السوق، وأخضعت نفسها لكثير ممّا تمليه ضغوط العولمة بوجهها الرأسمالي المتشدّد، ومعظم ما يسجّله تبدّل السلطات عبر الانتخابات هو التقلّب ما بين اليمين ويمين الوسط.

2- مقابل التحوّلات التي أسفرت وتسفر عنها الانتخابات في فرنسا وألمانيا وبريطانيا، باتجاه اليمين، أسفرت انتخابات أخرى في اتجاه معاكس كما هو الحال مع أسبانيا وإيطاليا، إضافة إلى أنّ الدول الأوروبية الشرقية تشهد عودة الحياة إلى أحزاب شيوعية واشتراكية، من الأمثلة عليها ما أسفرت عنه الأزمة السياسية في أوكرانيا، وإن كانت من خارج الاتحاد الأوروبي.

3- في فرنسا التي يعطي نظامها الرئاسي ثقلاً كبيرًا لمنصب الرئاسة، لم يخلف ساركوزي رئيسًا اشتراكيًا بل خلف شيراك وهو من حزبه، وإن كان لا يمثل فيه اليمين بالدرجة المتطرّفة المعروفة عن ساركوزي. وفي ألمانيا التي أصبحت فيها رئيسة الحزب المسيحي الديمقراطي مستشارة للبلاد، لم يكن الفوز كبيرًا، وكان عليها أن تشارك الديمقراطيين الاشتراكيين في ائتلاف حكومي.

بصورة عامّة يمكن القول إنّ اتجاه الريح في أوروبا غير ثابت، والسؤال الحاسم في استيعابه يكمن في الأوضاع الاقتصادية والمعيشية الداخلية لكلّ بلد على حدة في الدرجة الأولى، وهذا ما كان ملحوظًا في المعركة الانتخابية في فرنسا، حيث تجنّب ساركوزي الإعلان عن مواقفه السياسية الخارجية بصورة استعراضية، عُرفت عنه من قبل، وبالتالي لم تكن خارطة السياسات الدولية العنصر الحاسم في فوزه مقابل دورها في أسبانيا وإيطاليا من قبل، وهو ما يمكن أن يظهر بوضوح في بريطانيا أيضا.

وفي ألمانيا أيضا كان ممّا يلفت النظر أنّ اتحاد الحزبين المسيحيين، لم يحمل مع وصول ميركل إلى السلطة التصوّرات التي كانت تطرحها بشدّة بشأن أولوية العلاقات المتميّزة مع الولايات المتحدة الأمريكية مقابل سياسات سلفها شرودر، بل اتخذت موقفًا معتدلاً، وشدّدت الحرص على المسيرة الأوروبية.

الانتخابات الديمقراطية في الدول الغربية عموما انتخابات على الوضع الاقتصادي والمعيشي للسكان، وتتفاوت مواقع السياسات الخارجية فيها بين دولة وأخرى وجولة وجولة، ولكن لا يتجاوز تأثيرها نسبة محدودة في المائة بالمقارنة مع قضايا أخرى من قبيل البطالة، وفي الآونة الأخيرة قضايا الهجرة واللجوء، إضافة إلى موقع الإسلام والمسلمين في أوروبا، الذي يتخذ مركز الصدارة على أكثر من صعيد.

في هذا الإطار الداخلي يمكن تأكيد التحوّل المتنامي باتجاه اليمين منذ سقوط الشيوعية، وما تلاها من تساقط الحرص على الضمانات الاجتماعية في الدول الرأسمالية، وازدياد حدّة المناهج الرأسمالية التي أصبحت توصف بالجديدة أو المتشدّدة أو توضع تحت عنوان العولمة وضروراتها.

وكان ممّا يلاحظ في البلدان الأوروبية التي تصل أحزاب اليسار فيها إلى السلطة نتيجة الضغوط المتزايدة على الفئات الأضعف اجتماعيًا في فترة حكم اليمين، أنّ أصحاب المال والأعمال يحجمون عن ضخّ استثمارات جديدة، ويضاعفون الضغوط عبر نقل مراكز الإنتاج خارج الحدود، ممّا يترك آثاره السلبية داخليًا على صعيد الناخبين، فيعود اليمين إلى السلطة مجدّدا في رداء المنقذ، وتبدأ فترة انتعاش اقتصادي جديد، على حساب الفئات الأضعف، لتتكرّر الدورة نفسها مرّة بعد أخرى.

أضيف إلى ذلك منذ التسعينات من القرن الميلادي العشرين عامل آخر، فالهجرة التي ازدادت بزيادة هوّة الفقر بين شمال وجنوب، ثم تضاعفت نتيجة الحروب الجديدة في البلقان وأواسط آسيا ثم في المنطقة الإسلامية، أعطت اليمين المتشدّد مساحة أكبر من التأييد الشعبي، اعتمدت على سياساته الرافضة لوجود أجنبي أو وجود ذوي الأصول الأجنبية بقوّة، وبدأت أحزاب اليمين "المعتدل" كما يصف نفسه، تتبنّى كثيرا من أطروحات اليمين المتطرّف، بدعوى سحب البساط من تحت أقدامه شعبيا، فازداد تشدّد الأحزاب اليمينية في قضايا الهجرة، وضاعفه ما كان من حملات في مواجهة الإسلام وربط مسلمي أوروبا بمجرى أحداث خارج أوروبا، وبالعمليات الإرهابية التي وصلت إليها.

إنّ ميل الفئات الأضعف اجتماعيا لليسار، انقلب باتجاه اليمين تحت تأثير عجز اليسار عن طرح تصوّرات اقتصادية بديلة عن الرأسمالية المتشدّدة، وهو ما كان يعرف في الماضي تحت عنوان "الرأسمالية الاجتماعية"، ثمّ تحت تأثير سياسات تخلط ما بين دعوات اندماج ذوي الأصول غير الأوروبية وبين حملات عدائية تركّزت على المسلمين منهم. وفي الحالتين كانت الأحزاب اليمينية تحظى بالتأييد على حساب اليسار "سابقًا"، بمعنى الأحزاب الاشتراكية والديمقراطية الاشتراكية التي مالت بمناهجها نحو "الوسط" إن لم يكن اليمين.

الاستقلالية الأوروبية هدف وقرار "إستراتيجي"

جميع ما سبق يمكن أن يسفر عن تطوير العلاقات الأوروبية بالولايات المتحدة الأمريكية، وعلى وجه التحديد بالقوى المالية والاقتصادية فيها، ولكن دون أن يؤثّر تأثيرًا حاسمًا على هدف مسيرة التميّز والاستقلالية الأوروبية في ميدانيها الرئيسيين، السياسة الخارجية والسياسة الدفاعية.

ولا شكّ أنّ فرنسا في عهد ساركوزي المجريّ الأصل، ستمضي خطوات واسعة النطاق في التعاون مع واشنطن في عهد بوش، فمواقفه معروفة في تبنّي سياسات المحافظين الجدد على نطاق واسع، إضافة إلى أنّ علاقاته بالإسرائيليين علاقات حميمة، لا تعود فقط إلى أن أمّه كانت يهودية الديانة، وإن جرى تعميده كاثوليكيًا، بل انعكست في مواقفه التي كان بعضها مناقضًا بصورة مباشرة لمواقف خلفه شيراك من حزب الديجوليين الجدد، وكان له تأثيره الكبير في ميل الحزب إلى السياسات الجديدة نسبيًا في السنوات الأخيرة لحكم شيراك، وهو ما انعكس في التعامل مع لبنان وسورية وإيران وفي إطار قضية فلسطين مع حماس.

ولكنّ فرنسا التي تمارس خارجيًا سياسة قائمة بذاتها تمارس في الوقت نفسه سياسة أوروبية مشتركة، لا يمكن أن تتخلّى عنها بعد أن وصلت ارتباطات المصالح ما بين الدول الأوروبية إلى درجة الاندماج. يضاف إلى ذلك أنّ السياسات الأمريكية نفسها تسجّل إخفاقا واسع النطاق على المستوى الدولي، كان له تأثيره على أنّ سياسة ميركل في ألمانيا تجاه واشنطن بعد الانتخابات اختلفت نسبيًا عمّا كانت عليه قبلها، كما سبقت الإشارة، ولا يمكن أن يبقى ذلك دون تأثير على ساركوزي في اتّجاه مماثل، بدرجة ما، يمكن أن يزداد مفعولها إذا فاز الديمقراطيون الأمريكيون بالرئاسة كما تؤكّد المؤشّرات الراهنة.

الوجود الأوروبي على الساحة الدولية أصبح رهن القرار "الإستراتيجي" الذي تمّ اتخاذه في مطلع التسعينات من القرن الميلادي العشرين، على ثلاثة أعمدة، الاندماج اقتصاديا وماليا، والتميّز خارجيا وعسكريا، والتوسع جغرافيا. ورغم أنّ الدول الأوروبية شهدت خلال أكثر من 15 عامًا مضت أكثر من تحوّل في السلطات الوطنية، ما بين يمين ويسار، إلاّ أنّ الخطوات الأوروبية وفق تلك الأعمدة الثلاثة، لم تنقطع، وإن كانت بطيئة، وليس هذا البطء مفاجئًا، فقد كان يميّز المسيرة الأوروبية من بداياتها الأولى عقب الحرب العالمية الثانية.

لا يوجد في أوروبا جهاز مشترك يصنع السياسات الخارجية والدولية والأمنية المشتركة في الوقت الحاضر، إنّما تسير أوروبا على خطّين متوازيين، أحدهما ما تمثله هذه السياسات في كل بلد على حدة، وثانيهما ما توصل إليه عملية التنسيق المعقّدة للتعامل مع كلّ حالة على حدة، إذا تطلبت موقفا أوروبيا مشتركا. وهذا ما أوجد توازنًا نسبيًا حافظ على المسيرة الأوروبية "البطيئة"، فما يجري من تحوّل في بعض البلدان كما في فرنسا وألمانيا يعادله تحوّل في بلدان أخرى لها وزنها أيضا مثل إيطاليا وأسبانيا.

ويدرك الساسة الأوروبيون أنّ موقعهم الاقتصادي والمالي عالميًا، أصبح مرتبطًا ارتباطًا وثيقًا بما سيكون عليه موقعهم السياسي والأمني دوليًا أيضًا. وبقدر ما أمكن تحقيقه من استقلالية وتميّز اقتصادي ومالي، رغم العلاقات المتشابكة تعاونا وتنافسا، وتفاهما وتناقضا، مع الأمريكيين، يمكن أن يتحقّق ذلك على الصعيد السياسي والأمني، وإن استغرق مدة طويلة مماثلة.

على أنّ الخطر الأكبر في تطوّر المسيرة الأوروبية يكمن في سياساتها في المستقبل المنظور، على مدى سنوات، تجاه المنطقة العربية والإسلامية وقضاياها. وستسعى فرنسا ساركوزي في المرحلة المقبلة مباشرة أن تتحرّك بقوّة على هذا الصعيد، من جهة نتيجة اقتناعات ساركوزي الذاتية، ومن جهة أخرى ليثبت وجوده ووجود بلده دوليًا مع مطلع حكمه، فلا يستبعد أن تتضاعف الضغوط الأوروبية بمشاركة الأمريكيين قبل نهاية عهد بوش، على صعيد القضايا الساخنة، بدءا بإيران والسودان وسورية وفلسطين، انتهاءً بأفغانستان والعراق.

على أنّ الساسة الأوروبيين، بمن فيهم ساركوزي، يقدّرون أنّ الرأي العام في بلادهم يقف من السياسات الأمريكية موقف الرفض على نطاق واسع وبنسبة عالية، ولا يمكن تجاوزه كليّة رغم أنّ العوامل الحاسمة في الانتخابات عوامل داخلية، ومع ازدياد سرعة التراجع في سياسات الهيمنة الأمريكية يصعب تصوّر "إحيائها" برافد أوروبي غير مستقرّ على إرادة شعبية أو توافق كامل بين الحكومات الأوروبية، وإن مضى بعضها شوطا أكبر من الآخر. على أنّ من المنتظر أن يتركزّ الخطر المشار إليه على ما يرتبط بالأوضاع الداخلية من السياسات الأوروبية ذات العلاقة بقضايا خارجية، كما هو الحال في التعامل مع تركيا ومفاوضات انضمامها إلى الاتحاد، أو مع القوانين المتشدّدة تجاه المسلمين في أوروبا عمومًا، بعد أن أصبح تعليلها الرئيسي للرأي العام يُربط بالحرب الدولية الجارية على الإرهاب.


كاتب ومحلل سياسي سوري مقيم في ألمانيا.

 

أرسل لصديق أرسل لصديق

 

 

«

ابحث

«

بحث متقدم

أخبار وتحليلات
  ساحات الحوار
أخبار وتحليلات
خدمات