|
| ساركوزي.. هل ثمة مبررات للخوف؟ |
ليس في فوز نيكولا ساركوزي بمقعد قصر الإليزيه (في فرنسا) أية مفاجأة، فاستطلاعات الرأي قد رجحت ذلك في الجولتين الانتخابيتين (الأولى والثانية) ورأت أن نسبة الأصوات المؤيدة لساركوزي قد تلامس الـ 54%، وهو ما حدث بالفعل إذ حصل الرجل على نسبة 53%.
والملاحظ أن ساركوزي قد نجح في السنوات القليلة الماضية من فترة حكم شيراك في وضع خطوط فاصلة بينهما. فعلى الرغم من أن الرجلين يتنفسان مناخاً يمينياً واحداً ويؤمنان بقيم سياسية متماثلة، إلا أن ساركوزي استطاع أن يتبرأ من أخطاء أو (تقاعسات) شيراك الذي فشل في أن يوقف تزايد نسبه البطالة (8% من الشعب الفرنسي يعاني البطالة) وتجمد مشروع أوربا العظمى بـ "لا" الفرنسية الشهيرة التي لحقت بها "لا" الهولندية ثم البريطانية.
وللإنصاف يجب أن نذكر أن الناخب الفرنسي لم يشعر بالضجر من اليمين السياسي وإلا لما اختار ساركوزي الذي يصنفه البعض على أن (يمين نيولوك!) أو يمين محافظ يجعله يقترب - في التحليل النهائي- من صورة توني بلير في بريطانيا وبيرلسكوني في إيطاليا سابقاً.
وليس من شك في أن هذه الرؤية تستند إلى جملة من المعطيات أو المتغيرات التي شهدها العالم (وفرنسا بالتبعية) في العقدين الأخيرين. فالديجولية التي رسمت التوجهات السياسية الفرنسية لسنوات طويلة لم يعد لها مكان في عالم اليوم، بل إن ديجول لو عاد اليوم لتنكر لديجوليته لأن نهر العلاقات الدولية تجري فيه مياه كثيرة.
قبل ساركوزي.. تمرد على الديجولية
والحق أن شيراك (وهو الرمز الديجولي المعروف) كان أول من أدرك أبعاد ومدلولات هذه المتغيرات، فأنشأ حزباً جديداً هو الاتحاد من أجل حركة شعبية على أنقاض الحزب الديجولي الذي ترأسه طويلاً وهو التجمع من أجل الجمهورية. وللافت للنظر أن هذا الحزب الجديد الذي يبدو من اسمه وتوجهاته أنه يختلف كثيراً عن الحزب الديجولي القديم هو الذي دخل به ساركوزي إلى الانتخابات الرئاسية وفاز بمقعد قصر الإليزيه كرئيس لهذا الحزب.
ومما يؤكد أن فرنسا تشهد حركة تمرد سياسي على الديجولية أن الموقف من حلف الناتو الذي تحتكر الولايات المتحدة قيادته منذ تأسيسه قد تغير. فديجول -كما نعرف- كان انسحب منه احتجاجاً على احتكار أمريكا لقرارات الحلف، لكن شيراك - في السنوات الأولى من حكمه- رأى أنه لا غضاضة في العودة إلى الحلف والنضال من أجل أن تحصل بلاده على مكتسبات جديدة.
وليس من شك في أن الرئيس الجديد نيكولا ساركوزي يعتزم توطيد صلاته بصورة أكبر وأعمق مع الولايات المتحدة، ولم يتردد في أول تقديم له بعد فوزه في التأكيد على الصداقة التي تربط بين البلدين. وكان ساركوزي زار في بداية جملته الانتخابية واشنطن وانتقد هناك ما أسماه بالغطرسة الفرنسية وتقاعس فرنسا عن تقديم المساعدة للولايات المتحدة أثناء الحرب الأخيرة على العراق، كما لم يخجل الرجل من التعبير في مناسبات عديدة عن افتنانه بالسياسة الأمريكية والاقتصاد الأمريكي القوي.
والمعروف أن البعض -انطلاقا من هذه الرؤية- يرى أن ثنائياً من نوع خاص سوف يتخلق (أو يتشكل) بين الولايات المتحدة وفرنسا. وإذا أخذنا في الاعتبار أن فرنسا هي القطب السياسي الأكبر في الاتحاد الأوربي، فإن معنى ذلك أن أوروبا وليس فقط فرنسا ستأخذ -إلى حد ما- الصبغة الأمريكية سوءً في اجتهاداتها الاقتصادية أو توجهاتها السياسية.
ومما يرجح هذا التفسير أن ألمانيا (ميركل) قد أخذت بالفعل منحى آخراً غير ذلك المنحى التي عرفت به ألمانيا (شرودر). وكلنا يذكر أن السيدة ميركل قد اتجهت بعد توليها الرئاسة الدورية للاتحاد الأوروبي في يناير الماضي إلى واشنطن واصطحبت معها في الزيادة خافيير سولانا المنشق الأعلى للسياسة الخارجية الأوروبية، وناقشا مع الرئيس الأمريكي جورج بوش جملة القضايا الدولية من منظور التنسيق الأطلسي (الأمريكي- الأوروبي).
والمحقق أن فرنسا عندما تنضم إلى مثل هذه اللقاءات مع الولايات الممتدة - وقد يأتي هذا الأمر وارداً بعد فوز ساركوزي- فذلك معناه أن أوروبا - كل أوروبا- انتقلت عجلة قيادتها بسلاسة إلى الأيدي الأمريكية في البيت الأبيض. ولعل هذا الواقع الذي بدا قاب قوسين أو أدنى هو ما جعل الكثيرين في أوروبا والعالم العربي يضعون أيديهم على قلوبهم خوفاً من مصير الاتحاد الأوربي الذي -والحالة هذه- يكون قد دخل بيت الطاعة الأمريكي.
وبات الاتهام المشهر في صدر ساركوزي بأنه سيكون يمينياً محافظاً، يقترب كثيراً من دوائر المحافظين الجدد في الإدارة الأمريكية.. أقول أن هذا الاتهام ذاته بات يوجه أيضاً إلى صدر
أوروبا. بكلمة أخرى إن مجيء ساركوزي إلى قصر الإليزيه سيعيد تشكيل التوجهات الفرنسية والأوروبية في ذات الوقت.
وللإنصاف يجب أن نذكر أن ساركوزي لم يخف هذه الحقيقة واعترف بها أكثر من مرة سواءً أثناء حملته الانتخابية أو بعد أن نزع مقعد الرئاسي من منافسته الاشتراكية سيجولين رويال. ولعل موقف ساركوزي من قضية انضمام تركيا للاتحاد الأوربي يصب كذلك في اتجاهه نحو اليمين المحافظ.. صحيح أنه لم يخف رفضه لعملية الانضمام وكان سجل أكثر من تحفظ على ذلك، لكن إصراره بعد فوزه بالرئاسة وتوافقه في ذلك مع الولايات المتحدة التي شحب حماسها لانضمام تركيا للاتحاد الأوروبي بعد جملة مواقف تركيا الرافضة لاستخدام أراضيها كقواعد عسكرية تنطق منها الطائرات لضرب العراق، بعد أن كانت واشنطن تضغط لإجبار أوربا على قبول تركيا عضواً في الاتحاد الأوروبي.
يضاف إلى ذلك الموقف اليميني المتشدد من أبناء المهاجرين (في فرنسا ما يقرب من خمسة ملايين مسلماً) والذي كان من تجلياته اتهام ساركوزي لهم عندما كان وزيرا للداخلية بأنهم حثالة، ويجب تطهير فرنسا منهم بالمبيدات!! ثم دعوته في ذلك الوقت إلى تخصيص وزارة للهجرة والمواطنة، وهو ما أزعج الاتحادات والروابط والمجتمعات الإسلامية في فرنسا والذين استشعروا الخطر عليهم وعلى العلمانية!
ومعلوم أن ساركوزي باعتباره مسئولاً عن الديانات كوزير للداخلية لعب دوراً كبيراً في استصدار قرار يحظر الحجاب. وكان ولا يزال من المحتسبين لفترة الكوتة أو الحصة كوسيلة للقضاء على مشكلة الهجرة غير الشرعية التي تمثل صداعاً حقيقياً لفرنسا وأوروبا في العقدين الأخيرين.
لن تنقلب الأمور رأساً على عقب
لكن للإنصاف لابد أن نذكر أن الموقف من المهاجرين يشترك منه ساركوزي مع آخرين من اليمين واليسار على السواء، وهو موقف انتخابي أكثر منه سياسي. بمعنى أنه كان يستهدف استقطاب أصوات أنصار اليمين المتطرف الذي لا يتم إلا من خلال مهاجمة المهاجرين، وهو موقف يشترك فيه الجميع، فالرئيس الفرنسي السابق جاك شيراك صرح في واحدة من حملاته الانتخابية في تسعينيات القرن الماضي قائلاً : "إن رائحة طعام المهاجرين من العرب والمسلمين تؤذيه وأنهم يتكاثرون كالأرانب طمعاً في الإعانات والمساعدات الاجتماعية". وليس خافيا فإن هذا التصريح فيه عدوانية تصل إلى حدود العنصرية. وكذلك فعل ميشيل روكار أحد أشهر وزراء الخارجية وهو من الحزب الاشتراكي عندما قال ذات مرة: "إن فرنسا يجب ألا تسمح لنفسها أن تكون حصالة يتجمع فيها بؤساء العالم القادمين من جنوب المتوسط وشمال أفريقيا"!. ولاشك أن العداء للعرب والمهاجرين يظهر عياناً جهاراً في تصريح مشيل روكار. أما السيدة إيريت كريسون رئيسة وزراء فرنسا في زمن فرنسوا ميتران، فكانت أول من دشن مشروع طرد المهاجرين عبر رحلات "شارتر" سريعة وقصيرة.
وليس في إعادة هذه العبارات ما قد يسوغ للدفاع بشكل أو بآخر عن ساركوزي وإنما بقيت الإشارة إليه لكي نفهم أن الموقف من المهاجرين لا يقوم دليلاً على انحراف ساركوزي نحو اليمين المحافظ أكثر من غيره لأن كافة الأطياف السياسية الفرنسية (اليمين واليسار والوسط) ورغم ما بينها من فروقات، تأخذ ذات الموقف مع بعض التمايزات الصغيرة.. ما معنى ذلك؟.
ذلك يعني أننا إن كنا مع ساركوزي نعيش مرحلة يتبوأ فيها جيل ما بعد الحرب العالمية الثانية مقاعد المسئولية والقيادة في فرنسا، وهو جيل لا يخفي رغبته في إحداث قطيعة مع الماضي، إلا أن هذا لا يكفي دليلاً على أن ساركوزي ورفاقه سوف يقومون بتفكيك السياسة الفرنسية (شكلا وموضوعاً) أو جملة وتفصيلاً.
فالصحيح أن تغييراً ما سوف يحدث، لكن ليس بالدرجة التي يخشاها البعض أن تنقلب رأسا على عقب. فالمحقق أن هناك جملة من الثوابت نذكر منها:
• علاقة فرنسا بإسرائيل. ففي أكثر من مناسبة أشار ساركوزي إلى موقفه الداعم لإسرائيل (أمناً، وأرضاً، ودولة) مؤكداً حرصه على استقرار الدولة العبرية، التي تربطه بها صلة صداقة قوية.
• لن تكون هناك سياسة عربية لفرنسا، وإنما ستكون هناك سياسة فرنسية مع كل دولة عربية على حدة، وهو منحاً سياسياً معروفاً منذ أواخر أيام فرنسوا ميتران، مروراً بمرحلة جاك شيراك. ومن ثم فلا مجال للبكائيات على زمن مضى، والخوف أو الحذر من زمن آت!
• العلاقة بين فرنسا ومنطقة المشرق العربي وخصوصاً لبنان وسوريا: سوف لا تكون بنفس الدرجة من الحميمية كما كان الحال بين شيراك ولبنان، ولكن خفوت هذا العنصر الشخصي لا يعني أن لبنان سوف تغيب تماماً من الأجندة السياسية لساركوزي خصوصاً إذا تذكرنا أن أمريكا في حاجة شديدة إلى دور فرنسي في منطقة المشرق العربي التي ترتبط بصلات قوية بالفرانكفونية.
• وتبقى نقطتان أساسيتان: الأولى أن السياسة لا تعرف عداوات دائمة ولا صداقات دائمة وإنما تعرف المصالح الدائمة. وهذا يعني أن الحديث عن صداقة شيراك للعرب هو حديث غير ذي معنى لأن الرجل كان صديقا لبعض الرؤساء العرب وليس صديقا للشعوب العربية وثمة فارق بين المعنيين. كما أن صداقته التي كانت معروفة بامتياز مع صدام حسين لم تمنعه من تأييد أمريكا بشأن التخلص منه. كما أن حرصه على أن يكون لفرنسا –وأوروبا– سياسة متمايزة مع إيران تختلف عن سياسة أمريكا، وهي السياسة المعروفة بالحوار النقدي، لم يمنعه حتى أن يفاوض إيران بعد ذلك على الأجندة الأمريكية، وهذا ليس عيباً، فالسياسة هي لغة المصلحة، والعيب هو أن لا ندرك ذلك!.
أما النقطة الثانية: أننا في العالم العربي أسرى لنظرة رومانسية حالمة لفرنسا، ونراها دائماً أقرب إلينا، وتتفهم ثقافتنا، وتتعاطف معنا. ولعل ذلك هو الذي ما جعل الكثيرين يشعرون بأن فرنسا بعد شيراك ستتحول إلى عدوة لنا، وهذا خطأ لأن فرنسا في زمن شيراك لم تكن أفضل ومن ثم فإن فرنسا (ساركوزي) لن تكون عدواً. ولئن كان ساركوزي سيبدو يمينياً محافظاً فلا خوف من ذلك لأن كثير من اليسار واليمين يقتربون من هذا التصنيف ناهيك عن أن لغة المصلحة وحدها هي التي ستكون الحكم... ولكل ذلك لا مبرر للخوف من ساركوزي!.
خبير في الشئون الأوروبية والفرنسية.
|