English

 

الاثنين. مايو. 7, 2007

نماء » قضايا اقتصادية » اقتصاديات آسيوية

 

مونديال ينعش اقتصاد آسيا

د. محمد شريف بشير

الكرة تخرج آسيا من الركود

في الوقت الذي ستنتهز فيه حكومات بعض الدول مونديال كأس العالم 2002م لإلهاء شعوبها عن عجزها الاقتصادي، فإن اليابان وكوريا ستكونان أكثر الدول سعادة؛ لأن تنظيمهما لهذا المونديال سيكون فرصة لجني مكاسب اقتصادية، واجتماعية، وسياسية متمثلة في ترويج السياحة، وعكس ثقافة البلدين وتراثهما العريق، وزيادة حصيلتهما من النقد الأجنبي، وتشجيع المشروعات المحلية، وتسويق منتجاتهما، وتعزيز مكانتيهما الدولية والإقليمية، إلى جانب تعزيز العلاقات الاقتصادية بينهما.

وتسعى السطور القادمة إلى رصد الاستفادة التي سيجنيها كل من الاقتصاد الياباني والكوري جرَّاء تنظيمهما لكأس العالم، وكذلك منطقة آسيا بشكل عام.

6 مليارات دولار لليابان

يأتي تنظيم اليابان لكأس العالم في ظلِّ ظروف اقتصادية تتسم بتراجع في معدلات النمو الاقتصادي، وانخفاض الطلب الكلي، وارتفاع التضخم، وإفلاس البنوك، وتراجع الثقة لدى الأعمال التجارية، وزيادة الديون الرديئة والمعدومة، وهي مشاكل ما زالت تواجه الاقتصاد الياباني وتترك أثرًا سلبيًّا على الاقتصاد العالمي واقتصادات دول شرق آسيا.

ومن المتوقع أن يبلغ الناتج المحلي الإجمالي في اليابان خلال الربع الثاني من العام الجاري 2002م، أي الفترة إبريل - يونيو حوالي 0.3%، هذا ما تنبأ به معهد البحوث الاقتصادية في اليابان.

وسيستفيد الاقتصاد الياباني من الحدث الرياضي بما يصل إلى 6.24 مليارات دولار؛ إذ إن المباريات ستجذب ما لا يقل عن 1.6 مليون شخص سواء من المواطنين أو الأجانب، وذلك طبقًا لمعهد البحوث الاقتصادية في طوكيو، ويقدر الاقتصادي "سوزي ماكيناسي" في كلية لندن للإدارة أن إنفاق كل سائح في اليابان لا يقل عن 3 آلاف دولار.

في الوقت نفسه فإن معهد البحوث الاقتصادية بطوكيو يتنبأ بنمو الاقتصاد الياباني بنسبة 0.3% في الربع الثاني من العام الجاري، وبنسبة 0.1% عند نهاية السنة الحالية.

ولكن المعهد يساوره الشك من أن الإنفاق على الاستعدادات لا يؤدي إلى إنقاص الإنفاق على قطاعات أخرى في الاقتصاد الياباني؛ حيث يقدر الإنفاق المباشر على أحداث كأس العالم بحوالي 1.91 مليار دولار، بينما ستبلغ النفقات الإجمالية حوالي 3.02 مليارات دولار.

وهناك محلِّلون يرون أن الأثر الإيجابي لاستضافة مباريات كأس العالم في اليابان مبالغ فيه، ولا تعدو أن تكون تأثيرات محدودة في الأجل القصير، بينما الاقتصاد الياباني يواجه مشكلات كبيرة تستوجب إعادة هيكلة للقطاع المالي على وجه الخصوص.

فقد أجرى "فيكتور ماسيصون" أستاذ الاقتصاد في كلية ليك فورست في إلينوي بأمريكا دراسة حول الآثار الاقتصادية في تسع مدن أمريكية استضافت كأس العالم عام 1994م، وتبين له أن من بين المدن التسع هناك ست مدن حققت خلال فترة كأس العالم معدلات نمو متدنية عما كان متوقعًا في الظروف العادية، وتحولت توقعات المنافع الاقتصادية المقدرة بـ 4 مليارات دولار إلى خسارة بسبب ذلك.

ويرى المحلل الاقتصادي "يببنغ هوانغ" في شركة سالمون سميث بهونغ كونغ أن الأنشطة المنتعشة خلال أحداث كأس العالم لها أثر فقط على المدى القصير في كل من اليابان وكوريا، وأن الإنفاق على البنية التحتية (الطرق، الملاعب، الفنادق، الخدمات الأساسية) أدى بالطبع إلى تحول الإنفاق عن قطاعات عامة أخرى، وسيظهر تأثير ذلك في المدى الطويل.

أرباح كورية

أما بالنسبة لكوريا الجنوبية فقد أوضح البنك المركزي الكوري في تقرير له حول التأثيرات الاقتصادية لمناسبة كأس العالم في كوريا الجنوبية سيولد نشاطًا اقتصاديًّا تبلغ قيمته 1.29 مليار دولار أمريكي، وتصل القيمة المضافة في الصناعة الكورية إلى 538 مليون دولار أمريكي، وتتوفر أكثر من 44 ألف وظيفة في القطاع الصناعي، وهو ما يقدر بنسبة 0.27% من إجمالي العمالة، بينما سيكون أثر الحدث على السياحة كبيرًا، حيث يتوقع حضور ما لا يقل عن 247 ألف شخص، وسيكون إنفاق الفرد الواحد في حدود 1201 دولار بمتوسط إقامة 12 يومًا، وستصل إيرادات السياحة إلى 700 مليون دولار.

ويتوقع معهد التنمية الكوري في سول أرباح البلاد الصافية من تنظيمها لكأس العالم بأنه قد تصل إلى 8.8 مليارات دولار. ويلاحظ أن هذا الرقم يفوق أرباح اليابان؛ نظرًا لأن الملاعب الكورية تستضيف الفريق الصيني الذي جاء وراءه مائة ألف صيني لتشجيعه، وهو ما يعني زيادة في دخل كوريا.

إقليم سوان - جينوجي

وتظهر تأثيرات كأس العالم الاقتصادية بصورة أكثر وضوحًا من خلال العناصر التالية: بناء وتشييد الملاعب الرياضية، تحسين الخدمات الداعمة، مثل: المواصلات، والطرق، والاتصالات، وخدمات الفنادق، وأماكن الإقامة، الأنشطة الثقافية والترفيهية والرحلات السياحية والتسوق. ولنأخذ مثالاً من إقليم سوان - جينوجي في كوريا الجنوبية، ونستعرض موازنة النفقات والإيرادات في هذا الإقليم من الحدث على النحو التالي:

النفقات والإيرادات في إقليم سوان - جينوجي  

نوع النفقات المحتويات الإيرادات المتوقعة (بالمليون دولار أمريكي) نسبة المساهمة  من جملة الإيرادات (%)
نفقات الاستثمار المباشر منتجات جديدة 223 42.23
  قيمة مضافة في الصناعة 126 23.86
  وظائف جديدة 7 1.33
  مبيعات التذاكر 122 23.11
نفقات السياحة منتجات سياحية 50 9.47
الجملة 528   100

المصدر: معهد تنمية جونيجي-دو، 2002م.

ووفقًا لمعهد تنمية جيونيجي-دو فإن جملة الإنتاج المتولد من النفقات الاستثمارية المباشرة يقدر بحوالي 237 مليون دولار، ويشمل قطاع العقارات الحكومية وخدمات الأعمال، كذلك الإعلانات والدعاية وتأجير المعدات والماكينات، والذي من المتوقع أن تولد دخولاً تصل إلى 78 مليون دولار، وهو ما يعادل 33% من جملة الدخول المتولدة.

وسيحقق قطاع البناء والتشييد إنتاجًا يقدر بحوالي 50 مليون دولار، بينما الخدمات الشخصية والاجتماعية تصل إيراداتها إلى 23.2 مليون دولار، وقطاع التأمين والمصارف يحقق إيرادًا يصل إلى 14 مليون دولار، وقطاع المواصلات وأعمال التخزين ستولد دخولاً تصل إلى 9.5 ملايين دولار.

وستبلغ القيمة المضافة إلى الاقتصاد بما يصل إلى 133 مليون دولار نصيب العقارات والخدمات حوالي 42.6%، ونصيب قطاعات المصارف والتأمين والبناء والتشييد والاتصالات وتجارة التجزئة والجملة حوالي 47.4%. أما الوظائف الجديدة التي سيتيحها كأس العالم في الإقليم فتصل إلى 7686 فرصة عمل، بينما ما تحصده السياحة يصل إلى 123 مليون دولار.

نفقات الملاعب

غير أن الاستفادة التي ستجنيها كل من اليابان وكوريا سبقها نفقات كبيرة من كليهما، خاصة على بناء الملاعب، وتبلغ تكلفة بناء الملاعب اليابانية 10.7 مليارات دولار، بينما تبلغ تكلفة الملاعب الكورية ملياري دولار. وكان الفيفا (الاتحاد العالمي لكرة القدم) قد أعطى مقدمًا مبلغ 110 ملايين دولار لكل من اليابان وكوريا؛ لتغطية جزء من تكلفة تشييد الملاعب ودعم عملية مبيعات التذاكر.

وفي سياق الدعم للدول المضيفة يمكن فهم سماح الفيفا لكوريا أن تستضيف مباريات الصين في الدور الأول على أراضيها، وهو ما سيتيح لـ 100 ألف من الصينيين دخول كوريا لمساندة فريقهم، وبالتالي المزيد من الإنفاق والعملات الأجنبية لصالح كوريا. إلى جانب أن هناك ما لا يقل عن مليوني شخص سينتقلون بين كوريا واليابان لحضور المباريات، وبذلك تحصد كوريا تدفقًا نقديًّا يصل إلى 9 مليارات دولار حسب توقعات معهد "داي - إيشي لايف".

تكاليف الأمن

The embedded asset does not exist:
Asset Type: Image_C
Asset Id: 1178193386714
PAGENAME: Zone-Arabic-Namah/Image_C/ImageBasic
الأمن يكلف الكثير بالنسبة للكوريين

وخلافًا لنفقات الملاعب فإن هناك نفقات غير محسوبة، وهي ما يتعلق بالأمن والطوارئ، وفي طوكيو وسيول حشدت قوات الشرطة تساندها وحدات خاصة من الجيش مهمتها توفير الأمن خلال فترة كأس العالم إلى جانب الإجراءات الاحترازية تحسبًا لأية هجمات إرهابية أو أعمال عنف يقوم بها المشجعون المتعصبون. واستعانت السلطات اليابانية بفريق من الخبراء الإنجليز؛ لتحديد كيفية التعامل مع المشجعين الإنجليز الذين يتوقع أن تبلغ أعدادهم نحو 8 آلاف مشجع، ومعروف عنهم إثارتهم للشغب وأعمال العنف.

وتنفق مدينة تسيونا اليابانية التي تستضيف المنتخب الإنجليزي يوميًّا على الأمن وإجراءات الحماية والسلامة 24 ألف دولار، وستواجه الإدارة المحلية بالمدينة عجزًا ماليًّا في حالة وصول الفريق الإنجليزي إلى الدور النهائي؛ فجملة الاعتمادات المالية المصدق بها لأغراض الأمن والحماية تبلغ 168 ألف دولار، وهو ما يكفى لأسبوع واحد فقط، وربما تكون إدارة المدينة مضطرة لبيع مقتنيات من الذهب تزن 63 كيلو جرامًا؛ لسد العجز في نفقات الأمن، وهي خطوة ستجد معارضة شديدة من سكان المدينة؛ لأنها تمثل مصدرًا لجذب ما لا يقل عن 400 ألف سائح في السنة، حيث تعرض في متحف جزيرة أواجي.

من جهة ثانية، تقدر مصادر الشرطة اليابانية أن قوة الشرطة المجندة لحماية وحراسة كل مباراة لا تقل عن 7700 فرد، وهو ما يكلف في الحد الأدنى 492 ألف دولار، وقد استأجرت أجهزة الأمن في اليابان سفينة بحرية بتكلفة عالية جدًّا تصل إلى آلاف الدولارات، وذلك لاستخدامها كسجن عائم للمشجعين المشاغبين.

أما في كوريا فتقدر مصادر اقتصادية أن تكاليف الأمن والحماية على الأقل ستبلغ مليوني دولار خلال الفترة في الظروف العادية. إن أي أعمال عنف ومصادمات أثناء فترة الحدث وتداعياتها غير المنظورة ستؤدي بلا شك إلى تقليل المكاسب المتوقعة في البلدين، وهو الأمر الذي تجتهد الدولتان المضيفتان لتجنبه.

تأثيرات على آسيا

إن أي تطورات يشهدها الاقتصاد الياباني من شأنها التأثير إيجابًا أو سلبًا على اقتصادات دول جنوب شرق آسيا، خاصة الدول المصنعة، مثل: ماليزيا، وسنغافورة، وتايلند، وأندونيسيا، وتايوان، وهونغ كونغ؛ وذلك لأن الاقتصاد الياباني يُعَدّ محركًا أساسيًّا لاقتصادات هذه الدول، كما ترتبط دول جنوب شرق آسيا بعلاقات تجارية وصناعية كبيرة باليابان.

ويقدر معهد "داي - إيشي لايف" أن انتعاش الاقتصاد الياباني في الفترة من إبريل إلى يونيو سيصل إلى 0.3%، وسيؤدي ذلك إلى انتعاش دول جنوب شرق آسيا بنسبة في حدود 0.5%؛ لأن التدفق المالي إلى اليابان، والمحتمل أن يبلغ 25 مليار دولار في هذه الفترة، سيكون له ما يوازيه من التدفق الخارجي إلى دول جنوب شرق آسيا التي تُعَدّ من أكبر أسواق اليابان، ويستضيف معظمها استثمارات يابانية كبيرة.

ويضيف المعهد أن التأثير الإيجابي سيكون أكثر وضوحًا في الأجل الطويل. ومن جهة أخرى يتوقع أن يتناقص العجز في الحساب الجاري الياباني من جراء انتعاش الاقتصاد المحلي والطلب الخارجي. كما سينخفض المخزون من السلع في اليابان بأكثر من 10% مقارنة بالربع الثاني من العام الماضي، ويعني هذا أن المنتجين في اليابان سيسعون لتلقي طلبات جديدة على منتجاتهم، وبالتالي شراؤهم المزيد من المواد الخام، والعمالة، ودعم الطلب الكلي. وسيكون الانتعاش بين الاقتصاد الياباني واقتصادات جنوب شرق آسيا انتعاشًا متبادلاً خلال الفترة المقبلة بفضل انتعاش أسواق الصادرات وزيادة الإنفاق الاستهلاكي.

ويرى مصرف "إتش.إس.بي.سي" أن هناك بالأصل شكوكًا في الانتعاش الاقتصادي في اليابان وكوريا من كأس العالم؛ وذلك لأن نمو كل من اليابان وكوريا كان أقل من نمو الاقتصاد العالمي بمعدل 0.4%، كذلك سيكون الحال بعد أربعة أشهر من انتهاء كأس العالم، وهذا ما يمكن توقعه بالنسبة لدول جنوب شرق آسيا ولكن بدرجة متفاوتة؛ لأن النمو في بعض الدول يفوق النمو الياباني بمعدل كبير في الأجل القصير. في كل الأحوال هنيئًا لليابانيين والكوريين ومعهم دول آسيا على أرباحهم.. فلكل مجتهد جائزة يستحقها.


  أستاذ الاقتصاد بجامعة العلوم الإسلامية – ماليزيا

 
أرسل لصديق أرسل لصديق

«

ابحث

«

بحث متقدم