|
هل الاندماجات هي الجنة المنشودة؟، أم أن التحالفات يجب أن تأتي أولاً كخطوة أكثر إيجابية نحو الاندماج؟، هذا التساؤل يطرح نفسه دائمًا في ساحة الفكر الاقتصادي عقب الإعلان عن اندماج شركتين خاصة مع تكرار ذلك المشهد بصورة شبه يومية، وكان آخرها اندماج أكبر بنكين ألمانيين في أكبر صفقة في تاريخ الاندماجات قيمتها 1.2 تريليون دولار - بالإضافة إلى 3.43 تريليون دولار قيمة اندماجات عام 99 - الإجابة على هذا التساؤل لا تتأتى الآن بتقييم تجربة الاندماجات خلال الفترة الماضية، ولا شك أن نتائج هذا التقييم ستفيد في تحديد ما إذا كانت التحالفات هي الطريقة الأنسب للوصول إلى اندماج ناجح – وهي الدعوة التي بدأت تتردد بقوة مؤخرًا – أم لا. وإذا كان الاندماج هو الفيدرالية في عالم السياسة فإن التحالف هو الكونفدرالية بعينها.
ونظرًا لأهمية التجربة فقد كان موضوع الاندماجات هو محور الحديث في عدد من الفعاليات الاقتصادية في العالم العربي. كان آخرها ملتقى الإمارات الدولي في نهاية فبراير 2000م.
والمفاجأة أنّ تجارب الاندماجات التي عرضت في تلك الفعاليات تعرَّضت لانتقادات حادة ليس من المشاركين العرب إنما من الاقتصاديين الأجانب، وهم ممثلون لشركات عالمية معروفة وشركات شهدت اندماجات مؤخرًا؛ مثل شركة "Chrysler"، وشركة "فنترثور" السويسرية، وشركة "SiemensAG" الألمانية.
وكشفت الدراسات التي أعدها عدد من الخبراء الأجانب - وعرضت في ملتقى الإمارات الدولي - أن 70% من الاندماجات التي شهدها العالم مؤخرًا تعرَّضت للفشل، وهو ما أثار مخاوف رؤساء ومديري المصارف الإماراتية، التي تدرس حاليًا فكرة اندماج أكبر بنكين في الإمارات، وهما بنك دبي الوطني وبنك الإمارات الدولي.. ودعت المخاوف من فشل الاندماج عبدالعزيز الغرير -الرئيس التنفيذي لبنك المشرق: أحد أكبر البنوك في الإمارات- إلى التأنِّي والدراسة قبل اتخاذ قرار الدمج المصرفي.
لكن -وحسب الدراسات- فقد سجَّل عقد التسعينات أكبر رقم قياسي في عمليات الدمج في العالم، حيث تجاوزت عمليات الدمج عبر الحدود 160 مليار دولار أمريكي بمتوسط 28 مليون دولار للصفقة الواحدة، وفي عام 1999م بلغت قيمة عمليات الاندماج 798 مليار دولار بزيادة 400% فيما بلغت قيمة الصفقة الواحدة 157 مليون دولار بزيادة 460% عن السنوات العشر السابقة.
أربع موجات للاندماج
من الناحية التاريخية.. شهد العالم أربع موجات اندماجية: الأولى كانت بين عام 1897 و1904. ارتبطت الموجة الأولى بالثورة الصناعية، وأدَّت إلى بروز عدد من الكتل الاقتصادية مثل شركة "Kodak" الأمريكية، وجاءت الموجة الثانية من الاندماجات في الفترة من 1916 و1929، وأدَّت إلى بروز شركات كبيرة مثل "General Motors" وشركة "IBM" .. وكانت الموجة الثالثة في الستينيات، وظهرت معها شركات مثل "ITT" وخلال النصف الثاني من الثمانينيات؛ ونتيجة لتحرير القوانين المضادة للائتمان في ظل حكم الرئيس "ريجان".. جاءت الموجة الرابعة.
والملاحظ على الموجات الأربع أن الفترات الزمنية بين كل موجة وأخرى كانت قصيرة، كما أن كل موجة كانت تظهر كنوع من الإجراء للتخلص من الموجة السابقة إلى أن جاءت الموجة الخامسة في عام 1993 كنتيجة لعولمة الاقتصاد، وإتمام السوق الأوروبية، وتتميز هذه الموجة بالصفقات الضخمة ذات الأثر العالمي، ولا يمر يوم دون أن يحدث اندماج في كافة قطاعات الأعمال، وفي مقدمتها القطاعات المالية، حيث بلغت قيمة الاندماجات في قطاع التأمين في أوروبا وحدها العام الماضي أكثر من 50 مليار دولار
70% من الاندماجات فاشلة.. لماذا؟!
وطبقًا للأرقام المعلنة، فقد بلغت قيمة عمليات الدمج في عام 99 حوالي 3,43 تريليون دولار.. بينما شهد عام 2000 أكبر صفقة اندماج في التاريخ وهي التي تجرى فصولها الأخيرة الآن بين بنكي "دويتش" و"درسوزينك" الألمانيين وتبلغ قيمة الصفقة 2ر1 تريليون دولار، وأكَّدت دراسة أجراها ستيفن باريت –نائب رئيس شركة فنترثور السويسرية ورئيس الاندماجات في شركة "KAMG"- أن أكبر الاندماجات في العالم –خلال عام 99- وأبرزها هو الاندماج بين "Chrysler" و"Daimler" للسيارات، كما أصبحت شركة "Travellers" على قمة المتملكين لمؤسسات الخدمات المالية بشرائها شركة "Solmon" وشركة "City Corp"، كما شهد العالم أكبر صفقة بين شركة "America online" وشركة "Time Warner" في مجال تكنولوجيا المعلومات.
والسؤال الآن ما هو مصير الاندماجات على أرض الواقع؟!
كشفت الدراسة التي أجراها "ستيفن" عام 1999 والتي شملت 140 صفقة اندماجية.. تمَّت بين شركات عبر الحدود بين أعوام 1996 و1999 كشفت عن أن 83% من عمليات الاندماج لم تكن ناجحة في تحقيق مزايا للشركات، في حين أضافت 17% فقط من الصفقات قيمة إلى الشركة.. ولعل هذه الدراسة تؤكِّد النتائج التي توصَّلت إليها دراسة جامعة "هارفارد" أن 70% من الاندماجات التي جرت في العالم لم يكتب لها النجاح، ولم يكن العملاء مطَّلعين على شروط الصفقة، كما أن 60% من العمليات الاندماجية التي تمَّت واطَّلع عليها العملاء تعرَّضت للفشل أيضًا كما تبيَّن من خلال 70 عملية تحالف بين شركات فشل 50% منها.
والسؤال الذي يفرض نفسه: لماذا فشلت غالبية الاندماجات التي تمَّت في العالم؟
تمثلت الأسباب التي رصدتها الدراسات حول فشل الاندماجات في أن الظروف التي تمَّت خلالها الاندماجات لم تكن مواتية لإتمام الاندماج، وكذلك غياب التعاون بين الأطراف المندمجة أو سوء اختيار الشريك أو تضارب المصالح بين طرفي الاندماج وربما اختلاف الثقافات وحرص كل طرف على أن تطغى ثقافته على الآخر.
التحالفات.. خطوة أولى في سلّم الاندماج
ربما لهذا يدعو د. إبراهيم شحاتة -النائب السابق لرئيس البنك الدولي والأمين العام للمركز الدولي لتسوية المنازعات- إلى التركيز على التحالف كمرحله مهمة أولية قبل الاندماج، فالتحالف -كما يقول هو في تصريحات خاصة لنماء- يؤدي إلى تحقيق خبرة لكل الشركاء وبتكلفة أقلّ. وهو يشبه الكونفدرالية في عالم السياسة ويقصد به الإنفاق على التعاون والمشاركة في أداء أعمال محددة، وفي مجالات معينة بهدف تحقيق أرباح وفوائد مادية وفنية، وفي كل الحالات يظل كيان كل طرف مستقلاً ولا يذوب في الآخر.
ويعتمد اختيار شكل التحالف على نوع الصناعة المعنية، وحسب ظروف كل شركة، وعادة ما يكون التحالف مفضلاً في حالة الفراغ الإستراتيجي، لأنه يساعد الشركات على ملء هذا الفراغ بتطوير أدائها بتكلفة أقل من خلال تجميع المهارات المتوفرة لدى الشركاء.
وقد تكون عملية التحالف مفضَّلة أكثر مقارنة بعمليات الدمج أو التملك، من منطلق أنها تتفادى حصول الشركة على أصول قد تكون في غير حاجة إليها، كما أنها تساعدها في خفض التكاليف.
ومن بين أشكال التحالف هناك ما يسمى بعناقيد الروابط في الشركات، وهذا الشكل يزيد من إمكانية توزيع خريطة الشركات الأجنبية، وهناك العديد من الشركات في العالم النامي التي تبحث وفق هذا الشكل من التحالف عن تحالفات مع شركات أجنبية في تكنولوجيا المعلومات، كما أن هناك حكومات تقيم وديانًا للتكنولوجيا، مثل مصر والأردن ودبي.
هناك أيضًا تحالفات ما يسمى بقنديل البحر، وهى تحالفات متعددة الأوجه، وتتضمن علاقات مستقلة وقد تكون ذات إدارة ذاتية.. مثال ذلك شركة "IBM"، حيث لكل وحدة من شركاتها علاقاتها المستقلة دون أن تعرف الوحدات الأخرى، وهذا ما يثير قضية احترام كل علاقة على حدة، ولعل هذا هو السبب في فشل التحالف بين ديزني لاند وتايم وورنر...
وبالطبع أيضًا كما يقول د. شحاتة.. فإنه ليس كل التحالفات الإستراتيجية تحقق أهدافها، ذلك أن 50% من التحالفات انتهت أيضًا إلى الفشل ولم تعش طويلاً، ويعود ذلك إلى وجود مخاطر ترجع إلى السلوك الانتهازي لأحد الأطراف المتحالفة أو عدم وجود كفاءة، بالإضافة إلى الظروف الخارجية المتعلقة بالسوق.
الدول العربية وشروط التحالفات الناجحة
ومن هنا لكي نضمن تحالفات ناجحة -ربما كان ذلك أفضل للشركات العربية- يجب أن تكون هناك ثقة بين الأطراف المتحالفة مبنية على المعلومات والمعرفة والاتصال بين الشركاء ودرجة توافقهم واستعداد الشركاء للعمل معًا لإنجاح التحالف، بالإضافة إلى التوافق في الحجم والقوة واستبعاد سيطرة شريك أقوى على الشريك الآخر.. وهناك من بين المحللين الاقتصاديين الذين توصلوا إلى وجود مآزق تؤدي إلى وضع التحالف في مشاكل منها:
- الفشل في الاتفاق بصراحة على الأهداف المرجوة من التحالف.
- تركيز شركة ما على السيطرة على الشركة الأخرى كهدف من وراء التحالف بدلاً من التركيز على الفوائد التي قد تجنيها من التحالف.
- عدم وجود ثقة بين الشركاء وإعطاء الوعود التي تزيد عن الإمكانيات.
والسؤال.. لماذا لا تبادر الشركات العربية في الدخول في تحالفات إذا كانت لا تفضل الدخول في اندماجات في الوقت الحاضر؟.
طرحت هذا السؤال على الدكتور إبراهيم شحاتة فكان رده أن من المفترض أولاً ألا تدخل الشركات والبنوك العربية في اندماجات أو تحالفات لمجرد أن الآخرين يتبعون هذا النهج، ذلك أن الاندماجات والتحالفات لكي يكتب لها النجاح لا بد وأن تتم وفق أسباب مقنعة؛ ففي حالة البنوك والشركات الأجنبية.. فإن الوضع يفرض عليها الاندماج، ذلك أن السوق أصبحت كبيرة، كما أصبحت المنافسة أكثر شراسة، وأصبحت كل شركة خصوصًا البنوك تبحث عن وسائل لتحسين مركزها في السوق، وتقوية قدراتها التنافسية، ولهذا تقبل الشركات والبنوك في الغرب على الاندماج، وشراء شركات أخرى، والدخول في تحالفات بعيدة المدى.. أما الوضع في العالم العربي فهو مختلف تمامًا، حيث تعمل الشركات والبنوك العربية في أسواق مغلقة، وتتمتع بقدر من الحماية، وبالتالي لا تشعر بنفس الضغوط التي تشعر بها الشركات والبنوك في الغرب.. من جانب آخر فإن العقلية العربية لا تحبِّذ العمل كفريق، وتفضل العمل بشكل منفرد، وهذا هو أحد الأسباب التي تجعل من الاندماج طلبًا غير ملحٍّ على الإطلاق في الوقت الحاضر بالنسبة للشركات والبنوك العربية.
لكن بمرور الوقت ومع تلاشي الحواجز وإزالة الرسوم الجمركية والدعم الحكومي.. ستجد الشركات والبنوك العربية أنه من الصعب عليها العمل بدون تحالفات فيما بينها أو فيما بينها وبين الشركات الأجنبية، كما سيكون الاندماج وقتها مطلبًا أكثر إلحاحًا بغرض المنافسة والبقاء في السوق
|