|
| جانب من الجلسة البرلمانية التي أقرت الانتخابات المبكرة |
رغم استمرار الجدل والضجيج في إطار معركة الرئاسة وما صاحبها من صدام قوي بين حزب العدالة والتنمية ذي الجذور الإسلامية الحاكم في تركيا، والقوى العلمانية التي يتصدرها الجيش، فإن البلاد قد دخلت مرحلة جديدة بامتياز مع إجماع البرلمان يوم 2 مايو الجاري 2007 على إجراء انتخابات عامة مبكرة يوم الثاني والعشرين من يوليو المقبل.
المرحلة الجديدة عنوانها الرئيسي الاحتشاد والتعبئة، حيث ستُظهر الوزن الحقيقي لأطراف الأزمة في الشارع التركي وتبلور خريطة سياسية من المرجح أن تكون مختلفة عن الوضع الراهن دون أن تحمل أعراضا انقلابية، كما يمكن أن تحسم الصراع على منصب الرئيس الذي قد يختاره البرلمان المقبل إذا تعثرت خطط رئيس الوزراء رجب طيب أردوغان لإجراء إصلاحات دستورية كاسحة تشمل انتخاب الرئيس بالاقتراع العام المباشر بموافقة ثلثي البرلمان الحالي بعد إبداء حزب الوطن الأم اليميني الذي يمثله 20 نائبا في المجلس الوطني الكبير دعمه لهذه الخطط، وليس من المستبعد تراجع "أركان ممجو" زعيم الحزب عن هذا الدعم استجابة لضغوط محتملة من المؤسسة العسكرية وبقية أحزاب المعارضة العلمانية.
كما أن خبراء قانونيين يحذرون من احتمال اتجاه المحكمة الدستورية لإلغاء أي تصويت للبرلمان بهذا الشأن بحجة اقتراب موعد الانتخابات البرلمانية، خاصة أن المحكمة أبدت تسييسا فجا لدورها بإصدارها حكما بإلغاء الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية التي جرت في البرلمان الشهر الماضي، دون الاستناد للدستور أو القانون في هذا الحكم الذي جاء استجابة لدعوى قضائية رفعها حزب الشعب الجمهوري قائد المعارضة، في إطار "مماحكات سياسية" تعكس رفضا متعصبا من جانب القوى العلمانية في البلاد لمرشح الحزب الحاكم نائب رئيس الوزراء وزير الخارجية عبد الله جول، بحجة ارتداء زوجته للحجاب.
وبالمقابل فإن أزمة انتخابات الرئاسة هي نقطة انطلاق لمعركة الانتخابات البرلمانية. وهنا تجدر الإشارة إلى أن تحفظ حزب الشعب الجمهوري المبدئي على تحديد الثاني والعشرين من يوليو موعدًا لهذه الانتخابات بدعوى أنها تتزامن مع العطلة الصيفية لمعظم الأتراك، تعكس مخاوفه من الهزيمة. ويبدو أنه تراجع عن هذا التحفظ عندما أدرك أنه لن يكون بوسعه تغيير هذا الموعد في ظل الأغلبية المطلقة التي يمتلكها حزب العدالة والتنمية في البرلمان (352 مقعدًا من 550 مقعدًا) والتي كانت تؤهله لإقرار هذا الموعد دون الحاجة لأي من أصوات نواب المعارضة، حيث القرار في هذه الحالة يصدر بالأغلبية المطلقة وليس بموافقة ثلثي الأعضاء.
فرص حزب العدالة والتنمية
وعلى الجانب الآخر فإن أردوغان وحزبه استندا في قرار تقديم الانتخابات إلى استطلاعات للرأي تشير إلى أن حزبه سيحصل على 38% من أصوات الناخبين في حالة إجراء هذه الانتخابات الآن.
وثمة عوامل تدعم موقف الحزب في عملية الاحتشاد والتعبئة التي ستجرى على مدار ما يقرب من ثلاثة أشهر انطلاقا من أزمة الانتخابات الرئاسية، وتتمثل هذه العوامل في الآتي:
أولاً: أن الحزب ظهر بصورة متماسكة في الأزمة، ولا ينال من هذا التماسك استقالة نائب في البرلمان من الحزب في أوج المعركة التي اشتملت على تهديدات صريحة للحزب من الجيش بكل ما له من جبروت وتاريخ في الانقلابات وفرض مشاريعه وأفكاره على الجميع؛ فهذه الاستقالة حدث معتاد في تركيا وتنقل النواب بين الأحزاب ظاهرة متوطنة في الحياة السياسية التركية، بل إن ظهور أحزاب واختفاءها بأكملها من ملامح هذه الحياة ظاهرة مماثلة.
ثانيا: اختارت قيادة الحزب الحاكم نهج المواجهة أمام تهديدات الجيش وتحذيراته، وقد حمل هذا رسالة إيجابية لناخبيه مؤداها أن الحزب قوي ومتمسك بمبادئه وأفكاره رغم اتهامه بتقويض الأسس العلمانية والديمقراطية للدولة وسط حالة استقطاب وفرز حاد للقوى السياسية والاجتماعية في البلاد.
ثالثا: تمحور معركة انتخابات الرئاسة حول الحجاب يضمن دعم قطاع واسع من الأتراك في بلد يقرب من ثلثي نسائه محجبات، فضلا عن أن غالبية الأتراك هم من المتدينين. ومن المتوقع أن يركز الحزب في خطابه الانتخابي على فكرة تسلط الطرف الآخر العلماني على البلاد والعباد وإصراره على حرمان الأغلبية من حق شرعي يتسق مع مبادئ الديمقراطية.
رابعا: مزج أردوغان زعيم الحزب بين الجرأة والحكمة في إدارته للأزمة مع الجيش والقوى العلمانية، حيث انتقد الجيش علنا عندما هدد بالتدخل لمنع انتخاب جول رئيسًا للجمهورية، وجاء الانتقاد بكلمات قوية وواضحة. وفي نفس الوقت تجنب اللجوء لخطاب تحريضي حتى لا يفاقم الأزمة، مدركا طبيعة دور رئيس الوزراء. وعندما وجّه خطابا للأمة كانت فكرته الرئيسية ضرورة تمسك الأتراك بالوحدة الوطنية، ولم يتحدث لشعبه من منظور أنه طرف في الأزمة له مواقفه وحساباته؛ فهو رئيس حكومة تركيا قبل أن يكون زعيمًا للحزب الحاكم.
خامسا: تجنب الحزب الاستقواء بالاتحاد الأوروبي علنا، حتى لا يضعف مكانته في الساحة السياسية، وإدراكًا منه للروح القومية السائدة للأتراك وحساسيتهم تجاه مبدأ الاحتياج لطرف خارجي، بغض النظر عن أن موقف الاتحاد الأوروبي الرافض لتدخل العسكر في الحياة السياسية هو إحدى أوراق الحزب في الأزمة.
سادسا: عدم تورط الحزب برموزه وكوادره في مهاترات إعلامية مع حزب الشعب الجمهوري وبقية فصائل المعارضة العلمانية؛ وهو ما أضفى عليه صورة المترفع الذي يخوض المعارك السياسية بالأفعال وليس الكلمات.
سابعا: تجنب السقوط في مواجهة شوارع مع العلمانيين بسلاح المظاهرات الخطير، وقد منع الحزب كوادره وأنصاره في إستانبول من النزول لهذه الشوارع خشية انزلاق البلاد إلى حالة من الفوضى تخصم من رصيد الحكومة وتمنح الجيش فرصة مجانية ذهبية لفرض سطوته المباشرة على الدولة والمشهد السياسي بأكمله.
أما حزب الشعب الجمهوري المنافس السياسي الأول للحزب الحاكم فيحسب له أنه للمرة الأولى منذ انتخابات الثالث من نوفمبر 2002 نجح في خلق قضية أو موضوع جدي للمعارضة. ومن المرجح أن يتمترس وراء هذه القضية مستحضرًا السطوة الأبوية لمصطفى كمال أتاتورك مؤسسه ومؤسس الجمهورية التركية معا. غير أن الصورة الباهتة والمشوشة لزعيم الحزب "دينيز بايكال" قد تخصم من شعبيته. ويتذكر الجميع أن بايكال تمسك باستمرار رئاسته للحزب على حساب وحدته، حيث آثر الانقسام في صفوفه غير ذي مرة -في مشاهد فاضحة كان من بينها العنف والتشاتم-على ترك مقعد القيادة.
أما بقية الأحزاب من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار فستسترجع ملامح أدائها في الانتخابات الماضية، وتبحث عن شعارات تجتذب الناخبين، خاصة أن حزب العدالة والتنمية لم يعد في مقاعد المعارضة. وتجدر الآن محاسبته كحكومة مسئولة، وإذا كان من المنطقي أن يفاخر بإنجازات هذه الحكومة، فإنه سيتحمل أخطاءها ومسالك قصورها.
تغيرات محتملة في الخارطة البرلمانية
والمرجح حدوث تغير في خريطة البرلمان المقبل، حيث يتوقع عودة حزب الحركة القومية له، بعد أن فشل في اجتياز حاجز الفوز بعشرة في المائة من أصوات الناخبين المطلوبة لنيل التمثيل النيابي خلال الانتخابات الماضية. ومن المعتقد أن تكون هذه العودة على حساب حزبي الشعب الجمهوري والعدالة والتنمية معا، وقد يقود مثل هذا التطور لعدم تمكن العدالة والتنمية من تشكيل حكومة بمفرده.
ومن المرجح لجوء حزب المجتمع الديمقراطي الكردي للعبة الترشيح الفردي بديلا عن قوائم متكاملة، بعدما أثبتت الانتخابات المتكررة صعوبة توافق الكتلة السكانية الكردية التي تمتلك ملايين الأصوات على دعم حزب واحد يحمل هوية كردية، وفي هذه الحالة قد يحصد الحزب عددا معقولا من القواعد، غير أن مشكلة الأكراد تكمن في التشرذم والتصارع.
وبالنسبة لتيار يمين الوسط الذي يمثله بشكل رئيسي حزبا الوطن الأم والطريق القويم؛ فقد يصل هذا التيار إلى البرلمان هذه المرة بعد الفشل التاريخي الذريع له في الانتخابات السابقة، ولعل زعامة "محمد أغار" الناجحة للطريق القويم تجعله أقرب للبرلمان، لكن قواعد احتشاد وتعبئة هذا التيار ستحدد فرصه في أي مكاسب.
أما اليسار فأقصاه لا يملك فرصة حقيقية لأسباب أبعد مما يجري في تركيا، حيث غدت الشيوعية بضاعة كاسدة في جميع أنحاء العالم. أما حزب اليسار الديمقراطي الذي يقبع في منطقة يسار الوسط مع حزب الشعب الجمهوري ففرصه تبدو ضئيلة للعودة للبرلمان في ظل الزعامة الباهتة لزكي سيزار خليفة القائد التاريخي الراحل بولنت أجاويد وتصدع قواعد الحزب على نحو يدعو للرئاء.
وفيما يخص حزب السعادة ممثل التيار الإسلامي التقليدي، فلا يزال بعيدا عن إنجازات حزب الرفاه الذي حمل رايته بعد حله في أواخر التسعينات، لكن المعركة الحالية توفر له فرصة لإظهار لونه الأيديولوجي والمزايدة على حزب العدالة والتنمية الذي يعتبره مارقا عن المرجعية الإسلامية، رغم اتهام هذا الحزب وحكومته من قبل العلمانيين بالسعي لتطبيق أجندة إسلامية.
وتبقى الفترة الزمنية التي سيتم فيها إنجاز عملية الاحتشاد والتعبئة أطول من أن تشكل فيها توقعات مستقرة. والأرجح أننا سنشهد ما يشبه العصف السياسي قبل أن تتضح هويات المنتصرين والخاسرين في معركة انتخابية يراد لها أن تكون مصيرية، لكن التجارب التركية تعلمنا التريث في استخدام هذا المصطلح؛ فنحن في حالة "لا حسم" منذ ما يقرب من تسعة عقود من الزمان!.
كاتب متخصص في الشأن التركي.
|